Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 341008

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 6080, entry [2197]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 6080, entry [2197]Open original source
[ذكر كتاب المعتضد في شأن بني أمية] (١) وتحدَّث الناس أن الكتاب الذي أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر، فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يُقرأ. فذُكر: أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر لإِنْشائه بلعْن معاوية، فأخرِج له من الدّيوان، فأخِذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وذكر: أنَّ نسخة الكتاب الذي أنشئ للمعتضد بالله: ﷽ الحمد لله العليّ العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المتفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته وحكمته؛ الذي يعلم سوابقَ الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافيةٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرّة في السموات العُلا، ولا في الأرضين السفلى؛ قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا، وضرب لكل شيء أمدًا، وهو العليم الخبير، والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعة مطيعهم، وماضي أمره في عصيان عاصيهم؛ فبيَّن لهم ما يأتون وما يتَّقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذَّرهم مسالك الهَلَكة، وظاهَر عليهم الحجَّة، وقدَّم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم، وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعُروته أولياءَه وأهلَ طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له أعداءَه وأهلَ معصيته، ليهلك مَنْ هَلَكَ عن بينة، ويحيَا مَن حيّ عن بينِّة، وإن الله لسميع عليم، والحمد لله الذي اصطفى محمدًا رسوله من جميع بريَّته،واختار لرسالته، وابتعثه بالهدى والدّين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذّن له بالنصر والتمكين، وأيده بالعزّ والبرهان المتين، فاهتدى به مَن اهتدى، واستنقذ به مَن استجاب له من العمى، وأضلّ من أدبر وتولَّى، حتى أظهر الله أمرَه، وأعزّ نصرَه، وقهر مَنْ خالفه، وأنجز له وعده، وختَم به رسله، وقبضه مؤدّيًا لأمره، مبلِّغًا لرسالته، ناصحًا لأمته، مرضيًا مهتديًا إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين، وعباده الفائزين؛ فصلِّ اللهم عليه أفضل صلاة وأتمَّها، وأجلَّها وأعظمَها، وأزكاها وأطهرها وعلى آله الطيبين. والحمدُ لله الذي جعل أمير المؤمنين وسلفه خلفاء خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين بالدّين والمقوّمين لعباده المؤمنين، والمستحفَظين ودائع الحكمة، ومواريث النبوة، والمستخلَفين في الأمة، والمنصورين بالعزّ والمنعة، والتأييد والغلبة؛ حتى يظهر الله دينَه على الدّين كله ولو كره المشركون. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعةٌ من العامة من شُبْهة قد دخلتهم في أديانهم، وفساد قد لحِقهم في معتَقدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتُهم، على غير معرفة ولا رويّة، وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بَيِّنَةٍ ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة، إلى الأهواء المبتدعة، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، خروجًا عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة وإيثارًا للفرقة، وتشتيتًا للكلمة وإظهارًا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبَتَرَ منه العصمة، وأخرجه من الملة، وأوجب عليه اللعنة، وتعظيمًا لمن صغّر الله حقه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه، من بني أمية الشجرة الملعونة، ومخالفةً لمن استنقَذهم الله به من الهَلكة، وأسبغ عليهم به النّعمة؛ من أهل بيت البركة والرحمة، قال الله ﷿: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فأعظم أميرُ المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى في ترك إنكاره حرَجًا عليه في الدين، وفسادًا لمن قلّده الله أمره من المسلمين، وإهمالًا لمَا أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجة على الشاكّين، وبسْط اليد على المعاندين.وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله ﷿ لمّا ابتعث محمدًا بدينه، وأمره أن يصدَع بأمره، بدأ بأهله وعشيرته، فدعاهم إلى ربه، وأنذرهم وبشَّرهم، ونصحَ لهم وأرشدهم، فكان من استجاب له وصدّق قولَه، واتّبع أمره نفرٌ يسير من بني أبيه، من بين مؤمنٍ بما أتى به من ربِّه، وبين ناصر له وإن لم يتّبع دينَه؛ إعزازًا له، وإشفاقًا عليه، لماضي علم الله فيمن اختار منهم، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإِرْث نبيّه؛ فمؤمنهم مجاهد بنُصرته وحميّته، يدفعون مَنْ نابذَه، وينهرون مَنْ عارَّه وعانده، ويتوثَّقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له مَنْ سمح بنصرته، ويتجسَّسون له أخبار أعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأى العين؛ حتى بلغ المدَى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله، والإيمان به، بأثبت بصيرة، وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيتِ الرّحمة، وأهل بيت الدين - أذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرًا - ومعدن الحكمة، وورثة النبوّة وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة. وكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العددُ الأكثر، والسواد الأعظمُ؛ يتلقّوْنَه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذيّة والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه مَنْ قصده، وينالون بالتعذيب مَن اتّبعه، وأشدُّهم في ذلك عداوةً وأعظمهم له مخالفة، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصَبَة، لا يُرفع على الإِسلام رايةٌ إلا كان صاحبها وقائدها ورئيَسها، في كلّ مواطن الحرب، من بدر وأحُد والخندق والفتح. . . أبو سفيان بن حَرْب وأشياعه من بني أمية، الملعونين في كتاب الله، ثمَّ الملعونين على لسان رسول الله في عدّة مواطن، وعدّة مواضع، لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مجاهدًا، ودافع مكابدًا، وأقام منابذًا حتى قهره بالسيف، وعلا أمر الله وهم كارهون؛ فتقوَّل بالإِسلام غير منطوٍ عليه، وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله ﷺ والمسلمون، وميز له المؤلفة قلوبُهم، فقبله وولده على علم منه؛ فممّا لعنهم الله به على لسان نبيه ﷺ، وأنزل به كتابًا قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، ولا اختلاف بين أحد أنَّه أراد بها بني أميّة.ومنه قول الرسول ﵇ وقد رآه مقبلًا على حمارٍ ومعاوية يقوُد به ويزيد ابنه يسوق به: "لعن الله القائد والرّاكب والسائق". ومنه ما يرويه الرّواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. وهذا كفر صُراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ومنه ما يروون من وقوفه على ثنيّة أحُد بعد ذَهَاب بصره، وقوله لقائده: هاهنا ذببْنا محمدًا وأصحابه، ومنه الرؤيا التي رآها النبي ﷺ فوجَم لها، فما رُئي ضاحكًا بعدها، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ فذكروا أنَّه رأى نفرًا من بني أمية ينزون على منبره. ومنه طرد رسول الله ﷺ الحكم بن أبي العاص لحكايته إياه. وألحقه الله بدعوة رسوله آيةً باقية حين رآه يتخلّج، فقال له: "كن كما أنت"، فبقيَ على ذلك سائر عمره، إلى ما كان من مروان في افتتاحه أوّل فتنة كانت في الإِسلام، واحتقابه لكلّ دم حرام سُفِك فيها أو أريق بعدها. ومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من مُلْك بني أمية. ومنه أن رسول الله ﷺ دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه، فدافع بأمره، واعتلّ بطعامه، فقال النبيّ: "لا أشبع اللهُ بطنه"، فبقى لا يشبع، ويقول: والله ما أترك الطعام شبعًا؛ ولكن إعياء. ومنه أن رسول الله ﷺ قال: "يطلع من هذا الفجّ رجلٌ من أمتي يُحشر على غير ملتي" فطلع معاوية. ومنه أن رسول الله ﷺ، قال: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه". ومنه الحديث المرفوع المشهور أنَّه قال: "إن معاوية في تابوت من نار في أسفل دَرك منها ينادِي: يا حنّان يا منّان، الآن وقد عصيتُ قبلُ وكنتُ من المفسدين. ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإِسلام مكانًا وأقدمهم إليه سبقًا، وأحسنهم فيه أثرًا وذكرًا؛ عليّ بن أبي طالب، ينازعه حقه بباطله، ويجاهد أنصاره بضُلَّاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه، من إطفاء نور الله وجحود دينه، ويأبى الله إلا أن يُتمّ نوره ولو كره المشركون، يستهوى أهلَ الغباوة، ويموّه على أهل الجهالة بمكرِه وبغيه، الذين قدّم رسول الله ﷺ الخبر عنهُما، فقال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار"، مؤثرًا للعاجلة، كافرًا بالآجلة، خارجًا من رِبْقةالإِسلام، مستحلًا للدّم الحرام، حتى سفك في فتنته، وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عددُه من خيار المسلمين الذابّين عن دين الله والناصرين لحقه، مجاهدًا لله، مجتهدًا في أن يُعصى الله فلا يُطاع، وتُبطَل أحكامه فلا تُقام، ويُخالَف دينه فلا يُدان، وأن تعلوَ كلمة الضلالة، وترتفع دعوة الباطل؛ وكلمة الله هي العليا، ودينه المنصور، وحكمه المتّبع النافذ، وأمره الغالب، وكيد من حادّه المغلوب الدَّاحض؛ حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتّبعها، وتطوّق تلك الدماء وما سُفك بعدها، وسنَّ سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها؛ واغترّه الإملاء، واستدرجه الإمهال، والله له بالمرصاد. ثمَّ مما أوجب الله له به اللعنة قتلُه مَنْ قتل صبرًا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة؛ مثل عمرو بن الحَمِق وحُجْر بن عديّ، فيمن قتل [من] أمثالهم، في أن تكون له العزّة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. ومما استحقّ به اللعنة من الله ورسوله ادّعاؤه زيادَ بن سُميّة، جرأةً على الله؛ والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، ورسول ﷺ، يقول: "ملعون مَن ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه"، ويقول: "الولد للفِراش وللعاهر الحجر"، فخالف حكم الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ جهارًا، وجعل الولد لغير الفراش، والعاهر لا يضرّه عهرُه، فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أمّ حبيبة زوجة النبيّ ﷺ وفي غيرها من سُفور وجوه ما قد حرّمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الإِسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهُه. ومنه إيثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمِّير، صاحب الدّيوك والفهود والقُرود، وأخذُه البيعة له على خيار المسلمين بالقَهْر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يعلم سفَهه، ويطّلع على خبثه ورَهقه، ويعاين سكَرَانه وفجورَه وكفره، فلما تمكن منه ما مكّنه منه، ووطَّأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلبَ بثأرات المشركين وطوائِلهم عند المسلمين،فأوقع بأهل الحَرّة الوقيعة التي لم يكن في الإِسلام أشنعُ منها ولا أفحش؛ ممَّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عَبَد نفسه وغليله، وظن أنَّه قد انتقم من أولياء الله، وبلّغ النَّوى لأعداء الله، فقال مجاهرًا بكفره ومظهرًا لشركه: ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأَسلْ قد قتلنا القَوْم من ساداتكمْ ... وعَدلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ فأَهَلَّوا واستهلُّوا فرحًا ... ثمَّ قالوا: يا يزيد لا تُسَلْ لسْتُ من خِندفَ إِن لم أنتقم ... من بني أَحمدَ ما كان فعلْ وَلِعَتْ هاشِمُ بالمُلكِ فلا ... خبرٌ جاءَ، ولا وحيٌ نزَلْ هذا هو المروقُ من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله. ثمَّ مِنْ أغلظ ما انتهك، وأعظم ما اخترم سفكهُ لم الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ مع موقِعه من رسول الله ﷺ ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله ﷺ له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على الله، وكفرًا بدينه، وعداوةً لرسوِله، ومجاهدةً لعترته، واستهانةً بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قومًا من كُفَّار أهل الترك والدّيلم، لا يخاف من الله نقمةً، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمرَه، واجتثّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدّله من عذابه وعقوبته ما استحقَّه من الله بمعصيته. هذا إلى ما كان من بني مَرْوان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه، واتّخاذ مال الله دُولًا بينهم، وهَدْم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيقَ عليه، ورميهِم إياه بالنِيران، لا يألون له إحراقًا وإخرابًا، ولما حرّم الله منه استباحة وانتِهاكًا، ولمن لجأ إليه قتلًا وتنكيلًا، ولمن أمَّنهُ الله به إخافة وتشريدًا؛ حتى إذا حُقّت عليهم كلمة العذاب، واستحقُّوا من الله الانتقام، وملؤوا الأرض بالجوْر والعُدوان، وعمُّوا عباد الله بالظلم والاقتسار، وحلَّت عليهم السخطة، ونزلت بهم من الله السَّطْوة، أتاح الله لهم من عِتْرة نبيِّه، وأهل وراثته مَن استخلصهم منهم بخلافته، مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين، فسفك الله بهم دماءَهم مرتدّين، كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين؛ وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين،ومكن الله المستضعفين، وردَّ الله الحق إلى أهله المستحقين، كما قال جل شأنه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. واعلموا أيها الناس، أنّ الله ﷿ إنما أمر ليُطاع، ومثّل ليتمثَّل، وحكم ليُقبَل، وألزم الأخذ بسنة نبيه ﷺ ليُتَّبع؛ وإن كثيرًا ممّن ضلّ فالتوى، وانتقل من أهل الجهالة والسَّفَاه ممنّ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؛ وقد قال الله ﷿: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]. فانتهوا معاشر الناس عما يُسخط الله عليكم؛ وراجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوْا من الله بما اختار لكم، والزموا ما أمركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتَّبعوا الصراط المستقيم، والحجة البيّنة، والسبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة؛ الذين هداكم الله بهم بديئًا، واستنقَذكم بهم من الجوْر والعُدوان أخيرًا، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعزّ بدولتهم، وشملكم الصلاح في أديانكم ومعايشكم في أيامهم، والعنوا مَنْ لعنه الله ورسوله، وفارِقوا مَنْ لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته. اللهم العن أبا سفيان بن حرب، ومعاوية ابنه، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم وولده، اللهم العن أئمة الكفر، وقادة الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول، ومغيِّري الأحكام، ومبدّلِي الكتاب، وسفَّاكِي الدّم الحرام. اللهم إنَّا نتبرّأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك، كما قلتَ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. يا أيها الناس، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأمَّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلَها، فإنَّه إنما يبين عن الناس أعمالُهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم؛ فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلنّ بكم عن دين الله استهواء مَنْ يستهويكم وكيدُ مَنْ يكيدكم، وطاعة من تُخرجكم طاعته إلى معصية ربِّكم. أيها الناس، بنا هداكم الله، ونحن المستحفَظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله، فقفوا عندما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به؛فإنكم ما أطعتم خلفاءَ الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى؛ فأمير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم، وفي حفظ دينه عليكم؛ حتى تلقوه به مستحقين طاعته، مستحقين لرحمته، والله حسْب أمير المؤمنين فيكم، وعليه توكله، وبالله على ما قلَّده من أموركم استعانتُه، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم. وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنة أربع وثمانين ومئتين. وذكر: أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يُعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد؛ فمضى يوسف بن يعقوب، فكلّم المعتضد في ذلك، وقال له: يا أمير المؤمنين؛ إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة! فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعتُ سيفي فيها. فقال: يا أميرَ المؤمنين، فما تصنع بالطالبيِّين الَّذين هم في كل ناحية يخرجون، ويميلُ إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم؛ وفي هذا الكتاب إطراؤهم، أو كما قال، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميَل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد فلم يردّ عليه جوابًا، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء (١).وفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من رجب منها شخص جعفر بن بَغلاغز إلى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخِلَع ولواء لولايته على الريّ وهدايا من قبَل المعتضد. وفي هذه السنة لحق بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف بمحمد بن زيد العَلَوِيّ بطبرستان، فأقام بدر وعبيد الله بن سليمان ينتظران أمرَ بكر إلامَ يؤول وعلى إصلاح الجبل. وفيها - فيما ذكر - فُتِحت من بلاد الروم قرّة، على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب، وذلك في يوم الجمعة من رجب. وفي ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من شعبان - أو ليلة الخميس فيما ذكر - ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثرَيَّا، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه الشخص بالسَّيف ضربة قطع بها منطقته، ووصل السيف إلى بدن الخادم، ورجع الخادم منصرفًا عنه هاربًا، ودخل الشخص في زرع في البستان، فتوارى فيه، فطُلب باقي ليلته ومن غد، فلم يوقف له على أثر، فاستوحش المعتضد لذلك، وكثَّر الناس في أمره رجمًا بالظنون، حتى قالوا: إنه من الجنّ، ثمَّ عاد هذا الشخص للظهور بعد ذلك مرارًا كثيرة، حتى وكّل المعتضد بسور داره، وأحكم السور ورأسه، وجعل عليه كالبرابخ؛ لئلا يقع عليه الكُلَّاب إن رُمِيَ به، وجيء باللصوص من الحبس ونوظروا في ذلك، وهل يمكن أحد الدخول إليه بنقب أو تسلُّق.وفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان من هذه السنة، وجَّه كرامة بن مُرّ من الكوفة بقوم مقيَّدين، ذكر أنهم من القرامطة، فأقرّوا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنَّه كان يكاتبهم، وأنه أحد رؤسائهم، فقبض على أبي هاشم، وقيِّد وحبس في المطامير (١). وفي يوم السبت لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنة جُمع المجانين والمعزّمون، ومُضِيَ بهم إلى دار المعتضد في الثريَّا بسبب الشَّخص الذي كان يظهر له، فأدخِلوا الدار، وصعِد المعتضد عِلِّيّةً له، فأشرف عليهم؛ فلما رآهم صرِعت امرأة كانت معهم من المجانين واضطربت، وتكشَّفت فضجر وانصرف عنهم، ووهب لكلّ واحد منهم خمسةَ دراهم - فيما ذكر - وصُرفوا. وقد كان وجّه إلى المعزّمين قبل أن يشرف عليهم مَن يسألهم عن خبر الشخص الذي ظهر له: هل يمكنهم أن يعلموا علمه؟ فذكر قومٌ منهم أنهم يعزّمون على بعض المجانين، فإذا سقط سأل الجنِّيّ عن خبر ذلك الشخص وما هو، فلما رأى المرأة التي صُرعت أمر بصرفهم. وفي ذي القعدة منها ورد الخبر من أصبهان بوثوب الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم الموكَّل كان به فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أخذه فقيَّده، وحمله إلى قلعة لآل أبي دلف بالزّزّ، فحبسه فيها، وكان كلّ ما لآل أبي دُلف من مال ومتاع نفيس وجوهر في القَلْعة، وشفيع مولاهم موكّل بحفظ ذلك وحفظ القلعة، ومعه جماعة من غلمان عمر وخاصّته، فلما استأمن عمر إلى السلطان، وهرب بكر عاصيًا للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع، فكلَّمه أبو ليلى في إطلاقه فأبى، وقال: لا أفعل فيك وفيما في يدي إلا بما يأمرني به عمر. فذكر عن جارية لأبي ليلى أنها قالت: كان مع أبي ليلى في الحبس غلامٌ صغير يخدُمه، وآخر يخرج ويدخل في حوائجه ولا يبيت عنده، ويبيت عنده الغلام الصغير، فقال أبو ليلى لغلامه الذي يخرج في حوائجه: احتلْ لي في مِبْرد تدخله إليّ، ففعل وأدخله في شيء من طعامه، وكان شفيع الخادم يجيء في كل ليلة إذاأراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى حتى يراه، ثمَّ يقفل عليه باب البيت هو بيده ويمضي فينام، وتحت فراشه سيف مسلول، وكان أبو ليلى قد سأل أن تُدخَل إليه جارية، فأدخِلت إليه جارية حدَثة السنِ، فذكر عن ذلفاء جارية أبي ليلى عن هذه الجارية أنها قالت: بَردَ أبو ليلى المسمار الذي في القيد، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء، قالت: وجاء شفيع الخادم عشيَّةٌ من العشايا إلى أبي ليلى، فقعد معه يحدّثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحًا، ففعل، ثمَّ قام الخادم لحاجته، قالت: فأمرني أبو ليلى، ففرشتُ فراشه، فجعل عليه ثيابًا في موضع الإنسان من الفراش، وغطى على الثياب باللِّحاف، وأمرني أن أقعد عند رِجْل الفراش، وقال لي: إذا جاء شفيع لينظر إليّ ويقفل الباب، فسألك عنِّي فقولي: هو نائم، وخرج أبو ليلى من البيت، فاختفى في جوف فرش ومتاع في صُفَّة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش، وسأل الجارية فأخبرتْه أنَّه قد نام، فأقفل الباب، فلمَّا نام الخادم ومَنْ معه في الدار التي في القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع، وشدّ عليه فقتله، فوثب الغلمان الذين كانوا ينامون حوله فزعين، فاعتزلهم أبو ليلى والسيف في يده، وقال لهم: أنا أبو ليلى قد قتلتُ شفيعًا، ولئن تقدم إليّ منكم أحد لأقتلنَّه وأنتم آمنون؛ فاخرجوا من الدار حتى أكلِّمَكم بما أريد، ففتحوا باب القلعة، وخرجوا وجاء حتى قعد على باب القلعة، واجتمع الناس ممَّن كان في القلعة فكلَّمهم ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الأيْمان، فلمَّا أصبح نزل من القَلْعة، ووجَّه إلى الأكراد وأهل الزّموم، فجمعهم وأعطاهم، وخرج مخالفًا على السلطان، وقيل: إن قتله الخادم كان في ليلة السبت لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة، وقيل: إنه ذبح الخادم ذبحًا بسكِين كان أدخلها إليه غلامه، ثمَّ أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به إلى الغلمان. وفي هذه السنة - وهي سنة أربع وثمانين ومئتين - كان المنجّمون يوعدون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأنّ إقليم بابل لا يسلم منه إلا اليسير، وأنّ ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون والآبار، فقحط الناس فيها فلم يروْا فيها من المطر إلا اليسير، وغارت المياه في الأنهار، والعيون والآبار،حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات (١). ولليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة كانت - فيما ذكر - وقعة بين عيسى النُّوشريّ وبين أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه - فيما ذكر - فنحره، فسقط عن دابّته، وانهزم أصحابه، وأخِذ رأسه فحُمِل إلى أصبهان. وحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشميّ المعروف بأترجَّة (٢). * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
341008
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:2197:919392
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain