page 6047, entry [2175]Open original source
[ذكر الخبر عن مرض أبي أحمد الموفّق ثم موته] وفيها انصرف أبو أحمد من الجبل إلى العراق، وقد اشتدّ به وجع النّقْرس حتى لم يقدر على الركوب، فاتُّخذ له سرير عليه قبّة، فكان يقعد عليه، ومعه خادم يبرّد رجله بالأشياء الباردة، حتى بلغ من أمره أنه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت علّة رجله داءَ الفيل، وكان يحمل سريره أربعون حمّالًا يتناوب عليه عشرون عشرون، وربما اشتدّ به أحيانًا، فيأمرهم أن يضعوه، فذُكر أنه قال يومًا للذين يحملونه: قد ضجرتم بحملي، بودّي أني أكون كواحد منكم أحملُ على رأسي وأكلّ وأنّي في عافية، وأنه قال في مرضه هذا: أطبق دفتري على مئة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالًا مني (٢). وفي يوم الإثنين لثلاث بقين من المحرّم منها وافى أبو أحمد النَّهروان، فتلقّاه أكثر الناس، فركب الماء، فسار في النهروان، ثم في نهر دَيَالَى، ثم في دِجْلة إلى الزعفرانيّة، وصار ليلة الجمعة إلى الفِرْك، ودخل داره يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر.ولما كان في يوم الخميس لثمان خلون من صفَر، شاع موتُه بعد انصراف أبي الصقر من داره، وقد كان تقدّم في حفظ أبي العباس، فغلِّقت عليه أبواب دون أبواب، وأخذ أبو الصقر ابنَ الفيّاض معه إلى داره، وكان يبقى بناحيته، وأقام أبو الصقر في داره يومه ذلك، وازداد الإرجاف بموت أبي أحمد، وكانت اعترتْه غَشْية، فوجّه أبو الصقر يوم الجمعة إلى المدائن، فحمل منها المعتمد وولده، فجيء بهم إلى داره، وأقام أبو الصقر في داره ولم يَصِرْ إلى دار أبي أحمد، فلما رأى غلمان أبي أحمد المائلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي العباس الذين كانوا حضورًا ما قد نزل بأبي أحمد، كسروا أقفال الأبواب المغلَقة على أبي العباس. فذُكر عن الغلام الذي كان مع أبي العباس في الحُجْرة أنه قال لما سمع أبو العباس صوت الأقفال تكْسَر قال: ليس يريد هؤلاء إلّا نفسي. وأخذ سيفًا كان عنده، فاستلّه، وقعد مستوفزًا والسيف في حجره، وقال: لي: تنحَّ أنت، والله لا وصلوا إليّ وفيَّ شيء من الروح، قال: فلما فُتِح الباب كان أول من دَخَل عليه وصيف مُوْشْكير - وهو غلام أبي العباس - فلما رآه رمى السيف من يده، وعلم أنهم لم يقصدوا إلا الخير، فأخرجوه حتى أقعدوه عند أبيه، وهو بعقب غشيته، فلما فتح أبو أحمد عينيه، وأفاف رآه، فأدناه وقرَّول، ووافى المعتمد - ذلك اليوم الذي وجّه إليه في حمله، وهو يوم الجمعة نصفَ النهار قبل صلاة الجمعة - مدينة السلام، لتسع خلَوْن من صفر، ومعه ابنه جعفر المفوّض إلى الله وليُّ العهد وعبد العزيز ومحمد وإسحاق بنوه، فنزل على أبي الصقر، ثم بلغ أبا الصقر: أنّ أبا أحمد لم يمت، فوجّه إسماعيل بن إسحاف يتعرَّف له الخبر، وذلك يوم السبت. وجمع أبو الصقر القوّاد والجند، وشحن داره وما حوْلها بالرّجال والسلاح، ومِنْ داره إلى الجسر كذلك، وقطع الجسرين، ووقف قوم على الجسر في الجانب الشرقيّ يحاربون أصحاب أبي الصقر، فقتِل بينهم قتلى، وكانت بينهم جراحات. وكان أبو طلحة أخو شَرْكَب مع أصحابه مقيمين بباب البستان، فرجع إسماعيل، فأعلم أبا الصقر أن أبا أحمد حيّ، فكان أوّل مَنْ مضى إليه من القوّاد محمد بن أبي الساج، عبر من نهر عيسى، ثم جعل الناس يتسلّلون؛ منهم منيعبر إلى باب أبي أحمد، ومنهم مَنْ يرجع إلى منزله، ومنهم من يخرج من بغداد؛ فلما رأى أبو الصقر ذلك، وصحّت عنده حياة أبي أحمد، انحدر هو وابناه إلى دار أبي أحمد؛ فما ذاكره أبو أحمد شيئًا مما جَرَى، ولا ساءله عنه، وأقام في دار أبي أحمد. فلما رأى المعتمد: أنه قد بقيَ في الدار وحدَه، نزل هو وبنوه وبكتمر، فركبوا زورقًا، ثم لقيهم طيّار أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دُلف، فحملهم في طيّاره، ومضى بهم إلى داره، وهي دار عليّ بن جهشيار برأس الجسر، فقال له المعتمد: أريد أن أمضيَ إلى أخي فاحدره ومَنْ معه من بيته إلى دار أبي أحمد، وانتُهبَتْ دار أبي الصقر وكل ما حوته حتى خرج حُرَمُه حفاةً بغير إزارَ، وانتُهبت دار محمد بن سليمان كاتبه، ودار ابن الواثقيّ انتُهبت وأحرقت، وانتُهبَت دور أسبابه، وكسِرت أبواب السجون، ونُقِبت الحمطان، وخرج كلّ من كان فيها، وخرج كلّ من كان في المطبَق، وانتُهب مجلسا الجسر، وأخِذ كلّ ما كان فيهما، وانتُهبت المنازل التي تقرب من دار أبي الصقر، وخلع أبو أحمد على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر، فركبا جميعًا، والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطَّاق، ومضى أبو الصقر مع أبي العباس إلى داره؛ دار صاعد، ثم انحدر أبو الصقر في الماء إلى منزله وهو منتَهب، فأتوه من دار الشاه بحصير فقعد عليه، فولّى أبو العباس غلامَه بدار الشرطة، واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقيّ، وعيسى النوشريّ على الجانب الغربيّ؛ وذلك لأربع عشرة خلت من صفر منها. وفيها في يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر، كانت وفاة أبي أحمد الموفّق ودفن ليلة الخميس في الرُّصافة عند قبر والدته، وجلس أبو العباس يوم الخميس للناس للتعزية.