Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 340899

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 5759, entry [2063]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 5759, entry [2063]Open original source
[أمر المعتزّ مع أهل بغداد] ذُكر عن أبي عبد الرحمن الفانيّ أنّ فتىً من أهل سامُرّا أملى عليه مما عمله بعض أهلها عن ألسن الأتراك أن المعتزّ لمّا أفضت إليه الخلافة، وقلده الله القيام بأمر عباده في المشارق والمغارب، والبرّ والبحر، والبدو والحضر، والسهل والجبل، تألّم بسوء اختيار أهل بغداد وفتنتهم، فأمر المعتزّ بالله بإحضار جماعة ممّن صَفَتْ أذهانهم، ورقَّتْ طبائعهم، ولطف ظَنُّهم، وصحَّتْ نحائزهم، وجادت غرائزهم، وكملت عقولهم بالمشورة، فقال أمير المؤمنين: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقهم، وغار شأوُهم؛ الهَمَج الطغام، والأوغاد الذين لا مُسْكَة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم؛ قد زيّن لهم تقحّمُ الخطأ سوءَ أعمالهم، فهم الأقلُّون وإن كَثروا والمذمومون إن ذُكروا؛ وقد علمت أنهلا يصلح لقود الجيش وسدّ الثغور وإبرام الأمور وتدبير الأقاليم إلَّا رجل قد تكامَلَتْ فيه خلالٌ أربع: حَزْمٌ يُقَيِّف به عند موارد الأمور حقائق مصادرها، وعلم يحجزه عن التهوّر والتغرير في الأشياء إلَّا مع إمكان فرصتها، وشجاعة لا ينقصها الملمّات مع تواتر حوائجها، وجودٌ يَهون به تبذير جلائل الأموال عند سؤالها، وأما الثلاث، فسرعة مكافأة الإحسان إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة على أهل الزّيغ والعدوان، والاستعداد للحوادث؛ إذ لا تؤمن من نوائب الزمان، وأما الاثنتان؛ فإسقاط الحاجب عن الرّعيّة، والحكم بين القويّ والضعيف بالسويّة، وأما الواحدة فالتيقظ في الأمور مع عدم تأخير عمل اليوم لغد؛ فما ترون؛ وقد اخترت رجالًا لهم من مواليّ، أحدهم شديد الشكيمة، ماضي العزيمة، لا تبطِره السرّاء، ولا تدهشه الضرّاء، لا يهاب ما وراءه، ولا يهوله ما تلقاءه، وهو كالحريش في أصل السِّلام؛ إن حُرّك حمل، وإن نهش قتل؛ عُدّته عتيدة، ونقمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العدد بقلب أشدّ من الحديد، طالبٌ للثأر، لا يفلّه العساكر، باسلُ البأس، مقتضب الأنفاس لا يعوزه ما طلَب، ولا يفوته من هرب؛ وارِي الزناد، مُطّلع العِماد، لا تُشْرهه الرّغائب، ولا تُعجزه النوائب؛ إن وليَ كفى، وإن وعد وَفى، وإن نازل فبطل، وإن قال فعل، ظِلّه لوليه ظليل، وبأسه في الهياج عليه دليل؛ يفوق مَنْ ساماه، ويُعجز مَنْ ناواه، ويُتعب مَنْ جاراه، وينعش منْ والاه. فقام إليه رجل من القوم، فقال: قد جمع الله فيك يا أمير المؤمنين فضائل الأدب، وخَصّك بإرث النبوّة، وألقى إليك أزمّة الحكمة، ووفّر نصيبَك من حِباء الكرامة؛ وفسَّح لك في الفَهْم، ونوّر قلبك بأنفس العلوم وصفاء الذهن؛ فأفصح عن القلب البيانُ، وأدرك فهمك يا أمير المؤمنين ما والله خبئ على من لم يُحْبَ بما حُبيتَ من المنن العظام، والأيادي الجسام، والفضائل المحمودة، وشرف الطباع، فنطَقت الحكمة على لسانك، فما ظننتَه فهو صواب، وما فهمته فهو الحقّ الذي لا يعاب، وأنت والله يا أمير المؤمنين نسيجُ وحدِه، وقَريع دهرِه، لا يبلغ كليَّة فضله الوصفُ، ولا يحصر أجزاء شرف فضله النعت. ثم أمر أمير المؤمنين بالعقد لأنصاره على النواحي، وأطلقهم في أشعارأعدائهم وأبشارهم ودمائهم، فلما بلغ محمد بن عبد الله ما أمر به في النواحي أنشأ كتابًا نسخته: أما بعد فإنّ زيغْ الهوى صَدَفَ بكم عن حَزْم الرّأي، فأقحمكم حبائل الخطأ، ولو ملَّكتُم الحقّ عليكم، وحكمتم به فيكم لأوردكم البصيرةَ، ونفى عنكم غيابة الحَيْرة، والآن فإن تجنحوا للسَّلم تحقنوا دماءكم، وترغدوا عيشكم، ويصفح أمير المؤمنين عن جريرة جارِمكم؛ وأخْلَى لكم ذِرْوة سُبوغ النعمة عليكم، وإن مضيتم على غُلَوائكم، وسوَّل لكم الأمل أسوأ أعمالِكم، فائْذنوا بحرب من الله ورسوله، بعد نَبْذ المعذرة إليكم، وإقامة الحجة عليكم، ولئن شُنّت الغارات، وشبّ ضُرام الحرب، ودارت رحاها على قطبها، وحسمت الصوارم أوصال حُماتها واستجرّت العوالي مَنْ نهمها، ودُعَيت نزال، والتحم الأبطال، وكلحت الحرب عن أنيابها أشداقَها، وألقت للتجرّد عنها قِنَاعها، واختلفت أعناق الخيل، وزحف أهل النجدة إلى أهل البغي، لتعلمنّ أيّ الفريقين أسمح بالموت نفسًا، وأشدّ عند اللقاء بطشًا، ولات حين معذرة، ولا قبول فدية! وقد أعذر مَنْ أنذر؛ وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلَب ينقلبون! فبلغ كتاب محمد بن عبد الله الأتراكَ، فكتبوا جواب كتابه: إن شخص الباطل تصوَّر لك في صورة الحقّ، فتخيّل لك الغيّ رشدًا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ولو راجعتَ عُزوب عقلك أنار لك برهان البصيرة، وحسم عنك موادّ الشبهة؛ ولكن حِصْت عن سنّة الحقيقة، ونكصت على عقبيك لِمَا ملك طباعك مِنْ دواعي الحيرة؛ فكنت في الإصغاء لهتافه والتجرّد إلى وروده كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، ولعمرك يا محمد؛ لقد وَرَد وعدُك لنا ووعيدُك إيانا، فلم يُدنِنَا منك، ولم يُنئنا عنك، إذ كان فحصُ اليقين قد كشف عن مكنون ضميرك، وألفاك كالمكتفِي بالبرق نَهْجًا؛ إذا أضاء له مَشى فيه، وإذا أظلم عليه قام، ولعمرُك لئن اشتدَّ في البغي شأوُكَ، ومتعت بصُبابة من الأمل ليكونن أمرك عليك غمة؛ ولنأتينّك بجنود لا قبل لك بها، ولنُخرجنّك منها ذليلًا، وأنت من الصاغرين، ولولا انتظارنا كتابَ أمير المؤمنين بإعلامنا ما نعمل في شاكلته، بلغْنا بالسّيَاط النياط، وغمدْنا السيوف وهي كالّة، وجعلنا عاليها سافلها، وجعلناها مأوى الظّلمانوالحيات والبوم؛ وقد ناديناك من كَثب، وأسمعناك إن كنت حيًّا، فإن تجب تُفلح، وإن تأب إلَّا غيًّا نخزك به، وعمّا قليل لتصبحُنّ نادمين. * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
340899
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:2063:919123
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 340899 — shamela-145435 · Hadith Research Library