page 5621, entry [2022]Open original source
[ذكر الخبر عن مقتل المتوكل] فممَّا كان فيها من ذلك مقتل المتوكل (٢).* ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف قتل: قال أبو جعفر: ذُكر لي أنَّ سبب ذلك كان أنَّ المتوكل كان أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل وإقطاعها الفتح بن خاقان؛ فكُتِبت الكتب بذلك، وصارت إلى الخاتم على أن تنفذ يوم الخميس لخمس خلوْن من شعبان؛ فبلغ ذلك وصيفًا، واستقرَّ عنده الذي أمر به في أمره؛ وكان المتوكِّل أراد أن يُصليَ بالناس يوم الجمعة في شهر رمضان في آخر جمعة منه؛ وكان قد شاع في الناس في أوَّل رمضان أنَّ أمير المؤمنين يصلي في آخر جمعة من الشهر بالناس، فاجتمع الناس لذلك واحتشدوا، وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامِه إذا هو ركب. فلما كان يوم الجمعة أراد الرُّكوب للصلاة، فقال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الناس قد اجتمعوا وكثروا؛ من أهل بيتك وغيرهم؛ وبعضٌ متظلِّم وبعض طالب حاجة؛ وأمير المؤمنين يشكو ضِيق الصدر ووعْكة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعضَ ولاة العهود بالصَّلاة، ونكون معه جميعًا فليفعل. فقال: قد رأيتُ ما رأيتما؛ فأمر المنتصر بالصَّلاة، فلمَّا نهض المنتصر ليركب للصلاة قالا: يا أمير المؤمنين؛ قد رأينا رأيًا؛ وأمير المؤمنين أعْلى عينًا، قال: وما هو؟ اعرضاه عليَّ، قالا: يا أمير المؤمنين، مُرْ أبا عبد الله المعتزَّ بالله الصلاة لتشرِّفه بذلك في هذا اليوم الشريف؛ فقد اجتمع أهل بيته؛ والناس جميعًا فقد بلغ الله به. قال: وقد كان وُلد للمعتزِّ قبل ذلك بيوم؛ فأمر المعتزَّ، فركب وصلَّى بالناس، فأقام المنتصر في منزله - وكان بالجعفريّة - وكان ذلك مما زاد في إغرائه به؛ فلمَّا فرغ المعتزَّ من خطبته قام إليه عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان، فقبَّلا يديه ورجليه، وفرغ المعتزّ من الصلاة، فانصرف وانصرفا معه؛ ومعهم الناس في موكب الخلافة، والعالم بين يديه؛ حتى دخل على أبيه وهما معه؛ ودخل معه داود بن محمد بن أبي العباس الطوسيّ، فقال داود: يا أميرَ المؤمنين، ائذن ليفأتكلَّم، قال: قل، فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيت الأمين والمأمون ورأيت المعتصم صلواتُ الله عليهم، ورأيت الواثق بالله، فوالله ما رأيتُ رجلًا على منبر أحسن قوامًا، ولا أحسن بديهًا، ولا أجهر صوتًا، ولا أعذب لسانًا، ولا أخطب من المعتزِّ بالله، أعزه الله يا أمير المؤمنين ببقائك، وأمتعك الله وإيانا بحياته! فقال له المتوكل: أسمعك الله خيرًا، وأمتعنا بك؛ فلما كان يوم الأحد؛ وذلك يوم الفِطْر وجد المتوكِّل فترة، فقال: مُروا المنتصرَ فليصلِّ بالناس، فقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان: يا أمير المؤمنين؛ قد كان الناس تطلعوا إلى رؤية أمير المؤمنين في يوم الجمعة فاجتمعوا واحتشدوا، فلم يركب أمير المؤمنين؛ ولا نأمن إن هو لم يركب أن يرجُف الناس بِعِلَّته، ويتكلموا في أمره، فإن رأى أمير المؤمنين أن يَسُرَّ الأولياء ويكْبِت الأعداء بركوبه فعل. فأمرهم بالتأهب والتهيُّؤ لركوبه؛ فركب فصلى بالناس وانصرف إلى منزله، فأقام يومه ذلك ومن الغد لم يدع بأحد من ندمائه. وذُكر أنه ركب يوم الفِطْر؛ وقد ضربت له المصافُّ نحوًا من أربعة أميال، وترجَّل الناس بين يديْه، فصلَّى بالناس، ورجع إلى قصره، فأخذ حِفْنةً من تراب، فوضعها على رأسه، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي رأيتُ كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتواضع لله ﷿، فلمَّا كان من غد يوم الفطر لم يدعُ بأحد من ندمائه؛ فلما كان اليوم الثالث وهو يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال - أصبح نشيطًا فرحًا مسرورًا، فقال: كأني أجد مسَّ الدم، فقال الطَّيْفُوريَّ وابن الأبرش - وهما طبيباه: يا أمير المؤمنين، عزم الله لك على الخير؛ افعلْ، ففعل؛ واشتهى لحم جَزور، فأمر به فأحضِر بين يديه، فاتَّخذه بيده. وذكر عن ابن الحفصيِّ المغنِّي أنه كان حاضر المجلس، قال ابن الحفصيّ: وما كان أحدٌ ممن يأكل [بين يديه] حاضرًا غيري وغير عثعث وزُنام وبُنان غلام أحمد بن يحيى بن معاذ؛ فإنه جاء مع المنتصر. قال: وكان المتوكل والفتح بن خاقان يأكلان معًا، ونحن في ناحية بإزائهم والندماء مفترقون في حجرهم؛ لم يدع بأحد منهم بعد. قال ابن الحفصيّ: فالتفت إليَّ أمير المؤمنين، فقال: كلْ أنتَ وعثعث بين يديّ. ويأكل معكما نصر بن سعيد الجِهْبذ؛ قال: فقلت:يا سيديَّ، نصر والله يأكلني، فكيف ما يوضع بين أيدينا! فقال: كُلوا بحياتي؛ فأكلنا ثم علَّقنا أيدينا بحذائِه. قال: فالتفت أميرُ المؤمنين التفاتةً، فنظر إلينا معلَّقي الأيدي، فقال: ما لكم لا تأكلون؛ قلت: يا سيدي، قد نفذ ما بين أيدينا؛ فأمر أن يُزاد، فغُرِف لنا من بين يديه. قال ابن الحفصيِّ: ولم يكن أميرُ المؤمنين في يوم من الأيام أسرَّ منه في ذلك اليوم. قال: وأخذ مجلَسه، ودعا بالندماء والمغنِّين فحضروا، وأهدت إليه قَبيحة أمّ المعتز مطرف خزَّ أخضر؛ لم ير الناس مثله حسنًا، فنظر إليه فأطال النظر، فاستحسنه وكثر تعجّبه منه، وأمر به فقطع نصفين، وأمر بردِه عليها، ثم قال لرسولها: أذكَرَتْنِي به، ثم قال: والله إنَّ نفسي لتحدِّثني أني لا ألبسه وما أحب أن يلبسه أحد بعدي وإنما أمرت بشقة لئلا يلبسه أحد بعدي، فقلنا له: يا سيدنا، هذا يوم سرور يا أمير المؤمنين نعيذك بالله أن تقول هذا يا سيدنا، قال: وأخذ في الشراب واللهو، ولهج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل، قال: فلم يزل في لهوه وسروره إلى الليل. وذكر بعضهم أنَّ المتوكل عزم هو والفتح أن يصيّرا غداءهما عند عبد الله بن عمر البازيار يوم الخميس لخمس ليال خلوْن من شوال، على أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفًا وبُغا وغيرهما من قُوَّاد الأتراك ووجوههم، فكثر عبُثه يوم الثلاثاء قبل ذلك بيوم - فيما ذكر ابن الحفصيّ - بابنه المنتصر، ومرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمره بصفعه ومرَّةً يتهدَّده بالقتل. فذكر عن هارون بن محمد بن سليمان الهاشمي أنه قال: حدِّثني بعض من كان في الستارة من النساء، أنه التفت إلى الفتح، فقال له: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إن لم تلطِمْه - يعني المنتصر - فقام الفتح ولطَمه مرَّتين، يمرَّ يده على قفاه، ثم قال المتوكِّل لمن حضر: اشهدوا جميعًا أني قد خلعتُ المستعجل - المنتصر - ثم الْتفت إليه، فقال: سمَّيتُك المنتصر، فسماك الناس لحمقك المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل، فقال المنتصر: يا أميرَ المؤمنين، لو أمرتَ بضرب عنقي كان أسهلَ عليَّ مما تفعله بي، فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بُنانًا غلامأحمد بن يحيى أن يلحقه، فلمَّا خرج وضعت المائدة بين يدي المتوكل، وجعل يأكلها ويلقم وهو سكران. وذُكر عن ابن الحفصيِّ أنَّ المنتصر لمَّا خرج إلى حُجْرته أخذ بيد زرافة، فقال له: امض معي، فقال: يا سيِّدي؛ إن أمير المؤمنين لم يقُم، فقال: إن أمير المؤمنين قد أخذه النبيذ، والساعة يخرج بُغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إليَّ، فإن أوتامش سألني أن أزوِّج ابنَه من ابنتك، وابنَك من ابنته، فقال له زُرافة: نحن عبيدك يا سيدي، فمرنا بأمرك. وأخذ المنتصر بيده وانصرف به معه. قال: وكان زُرافة قد قال لي قبل ذلك: ارفق بنفسك، فإنَّ أمير المؤمنين سكران والساعة يُفيق، وقد دعاني تمرة، وسألني أن أسألك أن تصير إليه فنصير جميعا إلى حجرته. قال: فقلت له: أنا أتقدَّمك إليه، قال: ومضى زرافة مع المنتصر إلى حجرته. فذكر بُنان غلام أحمد بن يحيى أنَّ المنتصر قال له: قد أملكتُ ابن زرافة من ابنة أوتامش وابن أوتامش من ابنة زرافة؟ قال بُنان: فقلت للمنتصر: يا سيدي، فأين النَّثار فهو يُحسن الإملاك؟ فقال: غدًا إن شاء الله، فإنَّ الليل قد مضى. قال: وانصرف زرافة إلى حجرة تمرة، فلما دخل دعا بالطعام فأتي به، فما أكل إلا أيسر ذلك حتى سمعنا الضَّجة والصراخ؛ فقمنا؛ فقال بنان: فما هو إلَّا أن خرج زرافة من منزل تمرة، إذا بُغا استقبل المنتصر، فقال المنتصر: ما هذه الضجة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين قال: ما تقول، ويلك! قال أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين! كان عبدًا لله دعاه فأجابه، قال: فجلس المنتصر؛ وأمر بباب البيت الذي قُتل فيه المتوكل والمجلس، فأغلق وأغلقت الأبواب كلها، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل. وذكر عن عَثْعَث أنَّ المتوكل دعا بالمائدة بعد قيام المنتصر وخروجه ومعه زُرافة، وكان بُغا الصغير المعروف بالشرابيِّ قائمًا عند الستر؛ وذلك اليوم كان نوبة بُغا الكبير في الدار؛ وكان خليفته في الدار ابنه موسى - وموسى هذا هو ابن خالة المتوكل، وبُغا الكبير يومئذٍ بسُميساط - فدخل بُغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حُجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، وأمير المؤمنين لم يرتفع، فقال له بغا: إن أمير المؤمنين أمرني إذاجاوز السبعة ألَّا أترك في المجلس أحدًا، وقد شُرِّبَ أربعة عشر رطلًا، فكره الفتح قيامَهم، فقال له بغا: إن حُرَم أمير المؤمنين خلْف الستارة، وقد سكر، فقوموا واخرجوا، فخرجوا جميعًا، فلم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدَم الخاصَّة؛ منهم شفيع وفرج الصَّغير ومؤنس وأبو عيسى مارد المحْرِزيَّ. قال: وضع الطباخ المائدة بين يدي المتوكل، فجعل يأكل ويلقم، ويقول لمارد: كلْ معي حتى أكل بعض طعامه وهو سكران، ثم شرب أيضًا بعد ذلك. فذكر عثعث أن أبا أحمد بن المتوكل أخا المؤيد لأمه - كان معهم في المجلس، فقام إلى الخلاء، وقد كان بُغا الشرابيَّ أغلق الأبواب كلها غير باب الشطّ، ومنه دخل القوم الذين عُيِّنُوا لقتْله، فبصُربهم أبو أحمد، فصاح بهم ما هذا يا سفل! وإذا بسيوف مسلَّلة، قال: وقد كان تقدَّم النفرَ الذين تولوا قتله بغلون التركيَّ وباغر وموسى بن بغا وهارون بن صوارتكين وبغا الشرابيَّ؛ فلمَّا سمع المتوكل صوتَ أبي أحمد رفع رأسه، فرأى القوم، فقال: يا بغا، ما هذا؟ قال: هؤلاء رجال النوبة التي تبيت على باب سيّدي أمير المؤمنين، فرجع القوم إلى ورائهم عند كلام المتوكل لبُغا، ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم بعد. قال عثعث: فسمعت بُغا يقول لهم: يا سفل، أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كرامًا؛ فرجع القوم إلى المجلس، فابتدره بغلون فضربه ضرْبَةً على كَتِفه وأذنه فقدَّه، فقال: مهلا قطع الله يدك! ثم قام وأراد الوثوب به، فاستقبله بيده فأبانها، وشركه باغر، فقال الفتح: ويلكم، أمير المؤمنين! فقال بغا: يا حَلَقيَّ، لا تَسْكُتُ! فرمى الفتح بنفسه على المتوكل، فبعجه هارون بسيفه، فصاح: الموت! واعتوره هارون وموسى بن بُغا بأسيافهما، فقتلاه وقطعاه، وأصابت عثعثُ ضربة في رأسه. وكان مع المتوكل خادم صغير، فدخل تحت الستارة، فنجا، وتهارب الباقون. قال: وقد كانوا قالوا لوصيف في وقت ما جاءوا إليه: كن معنا فإنا نتخوَّف ألَّا يتم ما نريد فنقتَل، فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: فأرسل معنا بعضَ ولدك، فأرسل معه خمسة من ولده: صالحًا، وأحمد، وعبد الله، ونصرًا، وعبيد الله؛ حتى صاروا إلى ما أرادوا. وذكر عن زُرْقان خليفة زرافة على البوابين وغيرهم أنَّ المنتصر لما أخذ بيد زرافة فأخرجه من الدَّار ودخل القوم، نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قدفرغنا من الأسد والحيات والعقارب، وصرنا إلى السيوف؛ وذلك أنه كان ربما أشلى الحيَّة والعقرب أو الأسد؛ فلما ذكر عثعث السيوف، قال له: ويلك! أي شيء تقول؟ فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه، فقام الفتح في وجوههم، فقال لهم: يا كلاب؛ وراءكم وراءكم! فبدر إليه بُغا الشرابيَّ، فبعج بطنه بالسَّيف، وبدر الباقون إلى المتوكل، وهرب عثعث على وجهه. وكان أبو أحمد في حُجْرته، فلما سمع الضجة خرج فوقع على أبيه، فبادره بغلون فضربه ضربتين؛ فلما رأى السيوف تأخذه خرج وتركهم، وخرج القوم إلى المنتصر، فسلَّمُوا عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف، فقالوا له: بايع، فبايعه. وأرسل المنتصر إلى وصيف: إنَّ الفتح قتل أبي، فقتُلته، فاحضر في وجوه أصحابك. فحضر وصيف وأصحابه فبايعوا. قال: وكان عبيد الله بن يحيى في حُجرته لا يعلم بشيء من أمر القوم ينفذ الأمور. وقد ذكر أن امرأة من نساء الأتراك ألقت رقعة تخبر ما عزم عليه القوم، فوصلت الرُّقعة إلى عبيد الله، فشاور الفتحَ فيها؛ وكان ذلك وقع إلى أبي نوح عيسى بن إبراهيم كاتب الفتح بن خاقان، فأنهاه إلى الفتح، فاتفق رأيهُم على كتمان المتوكل لما رأوا من سروره؛ فكرهوا أن ينغِّصوا عليه يومه؛ وهان عليهم أمرُ القوم، ووثقوا بأنَّ ذلك لا يخسر عليه أحد ولا يقدر. فذُكر أنَّ أبا نوح احتال في الهرب من ليلته، وعبيد الله جالس في عمله ينفذ الأمور، وبين يديه جعفر بن حامد، إذْ طلَع عليه بعض الخدم، فقال: يا سيديَ، ما يجلسك؟ قال: وما ذاك! قال: الدار سيف واحد، فأمر جعفرًا بالخروج؛ فخرج وعاد؛ فأخبره أنَّ أمير المؤمنين والفتح قد قتلا، فخرج فيمن معه من خدمه وخاصِّته، فأخبر أنَّ الأبواب مغلقة، فأخذ نحو الشطِّ، فإذا أبوابه أيضًا مغلَقة، فأمر بكسر ما كان مما يلي الشطُ، فكسرت ثلاثة أبواب حتى خرج إلى الشطِّ، فصار إلى زورق، فقعد فيه ومعه جعفر بن حامد، وغلام له، فصار إلى منزل المعتز، فسأل عنه فلم يصادفه؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قتلني وقتل نفسه، وتلهَّف عليه، واجتمع إلى عبيد الله أصحابُه غداة يوم الأربعاء من الأبناء والعجم والأرمن والزِّواقيل والأعراب والصَّعاليك وغيرهم [وقد اختلف في عدَّتهم]، فقال بعضهم: كانوا زهاء عشرين ألف فارس وقال آخرون: كانمعه ثلاثة عشر ألف رجل، وقال آخرون: كان معه ثلاثة عشر ألف لجام، وقال المقلِّلون: ما بين الخمسة آلاف إلى العشرة آلاف؛ فقالوا له: إنما كنت تصطنعنا لهذا اليوم، فأمُر بأمرك، وأذن لنا نَمِلْ على القوم ميلة؛ نقتل المنتصر ومَنْ معه من الأتراك وغيرهم، فأبى ذلك، وقال: ليس في هذا حِيلة، والرجل في أيديهم - يعني المعتزَّ. وذُكر عن عليِّ بن يحيى المنجِّم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتابًا من كتب الملاحِم، فوقف على موضع من الكتاب فيه: إن الخليفة العاشر يُقتَل في مجلسه، فتوقَّفت عن قراءته وقطعتُه، فقال لي: مالك قد وقفت! قلت: خير، قال: لابدَّ والله من أن تقرأه فقرأته وحدْتُ عن ذكر الخلفاء؛ فقال المتوكل: ليت شعري مَنْ هذا الشَّقيُّ المقتول! وذُكر عن سلمة بن سعيد النصرانيِّ أنَّ المتوكل رأى أشُوط بن حمزة الأرمنيَّ قبل قتله بأيام، فتأفَّف برؤيته، وأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين؛ أليس قد كنت تحبُّ خدمته؟ قال: بلى، ولكِّني رأيت في المنام منذ ليال كأني قد ركبته، فالتفت إليَّ وقد صار رأسه مثل رأس البغل، فقال لي: إلى كم تؤذينا! إنما بقي من أجلك تمام خمسة عشر سنة غير أيام. قال: فكان بعدد أيام خلافته. وذكر عن ابن أبي ربعيِّ أنه قال: رأيتُ في منامي كأنَّ رجلًا دخل من باب الرَّسْتَن على عجلة ووجهه إلى الصحراء وقفاه إلى المدينة، وهو ينشد: يا عَينُ ويلكِ فاهملي ... بالدمعِ سحَّا واسبلي دَلَّتْ على قرْبِ القيا ... مةِ قِتلُةُ المتوكل وذكِر أن حُبشيَّ بن أبي ربعيّ مات قبل قَتْل المتوكل بسنتين. وذكر عن محمد بن سعيد، قال: قال أبو الوارث قاضي نَصيِبين: رأيت في النوم آتيًا أتاني، وهويقول: يا نائمَ العينِ في جُثمْانِ يقظانِ ... ما بالُ عينِكَ لا تبكي بتَهتانِ! أَما رأَيتَ صُرُوفَ الدهرِ ما فَعَلَتْ ... بالهاشميِّ وبالفتح بن خاقان! وسوفَ يَتبعُهُمْ قَومٌ لهم غَدَروا ... حتى يصيروا كأمسِ الذاهبِ الفاني فأتى البريد بعد أيام بقتلهما جميعًا.قال أبو جعفر: وقتل ليلة الأربعاء بعد العتمة بساعة لأربع خلوْن من شوال - وقيل: بل قتل ليلة الخميس - فكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام وقتل يوم قتل وهو - فيما قيل ابن أربعين سنة وكان ولد بفم الصِّلح في شوال من سنة ست ومائتين (١). وكان أسمر حسن العينين خفيف العارضين نحيفًا. * * *