page 5552, entry [1970]Open original source
[بكر الخبر عن مسير بُغا الكبير إلى حرب بني نمير] فمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بني نمير حتى أودع بهم (٢). * ذكر الخبر عن سبب مسيره إليهم وكيف كان الأمر بينه وبينهم: حدثني أحمد بن محمد بن مخلد بمعظم خبرهم؛ وذكر أنه كان مع بُغا في ذلك السفر، وأما سياق الكلام فلغيره. ذكر أنّ سبب شخوص بُغا إلى بني نُمير كان أنّ عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ين الخطَفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه فأنشده إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وبنُزُل فكلّم عُمارة الواثق في بني نُمير، وأخبره بعبثهم وفسادهم في الأرض، وإغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ فكتب الواثق إلى بُغا يأمره بحربهم.فذكر أحمد بن محمد أنّ بُغا لمّا أراد الشخوص من المدينة إليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفريّ دليلًا له على الطريق، فمضى نحو اليمامة يُريدهم، فلقى منهم جماعة بموضع يقال له الشُّريف؛ فحاربوه، فقتل بُغا منهم نيِّفا وخمسين رجلًا، وأسر نحوًا من أربعين، ثم سار إلى حُظَيَّان، ثم سار إلى قرية لبني تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة، فنزل بها، ثم تابع إليهم رسله، يَعرض عليهم الأمان، ودعاهم إلى السمع والطاعة؛ وهم في ذلك يمتنعون عليه، ويشتمون رسله، ويتفلّتون إلى حربه؛ حتى كان آخر من وجّه إليهم رجلين؛ أحدهما من بني عديّ من تميم والآخر من بني نُمير، فقتلوا التميميّ وأثبتوا النميريّ جراحًا؛ فسار بُغا إليهم من مرأة. وكان مسيره إليهم في أول صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فورد بطن نخل، وسار حتى دخل نُخَيلة، وأرسل إليهم أن ائتوني، فاحتملت بنو ضَبّة من نُمَير، فركبت جبالها مياسر جبال السَّوْد - وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة - فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، فأرسل إليهم سرّية فلم تدركهم، فوجَّه سرايا، فأصابت فيهم وأسرت منهم. ثم إنه أتبعهم بجماعة مَنْ معه وهم نحو من ألف رجل سوى مَنْ تخلَّف في العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا له، وحشدوا لحربه؛ وهم يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، بموضع يقال له روضة الأبان وبطن السرّ من القرْنين على مرحلتين، ومن أضاخ على مرحلة؛ فهزموا مقدّمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحوًا من مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلًا، وعقروا من إبل عسكره نحوًا من سبعمائة بعير ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بُغا من الأموال. قال لي أحمد: لقيهم بُغا وهجم عليهم، وغلبَه الليل، فجعل بُغا يناشدهم، ويدعوهم إلى الرجوع وإلى طاعة أمير المؤمنين، ويكلمهم بذلك محمد بن يوسف الجعفريّ، فجعلوا يقولون له: يا محمد بن يوسف، قد والله ولدناك فما رعيتَ حُرْمة الرَّحم، ثم جئتَنا بهؤلاء العبيد والعلوج تقاتلنا بهم! والله لنرينّك العُبْر، ونحو ذلك من القول. فلما دنا الصبح قال محمد بن يُوسف لبُغا: أوقع بهم من قبل أن يضيء الصبح، فيروْا قِلّة عددنا، فيجترئوا علينا، فأبى بُغا عليه؛ فلمَّا أضاء الصبح ونظروا إلى عدد مَنْ مع بُغا - وكانوا قد جعلوا رجَّالتهم أمامهم وفرسانهم وراءهمونَعمهم ومواشيهم من ورائهم - حملوا علينا، فهزمونا حتى بلغت هزيمتنا معسكرنا، وأيقنَّا بالهلكة. قال: وكان قد بلغ بُغا أنَّ خيلًا لهم بمكان من بلادهم، فوجَّه من أصحابه نحوًا من مائتي فارس إليها: فبينا نحن فيما نحن فيه من الإشراف على العَطَب، وقد هزِم بُغا ومنْ معه إذ خرجت الجماعة التي كان بُغا وجّهها من الليل إلى تلك الخيل، وقد أقبلت منصرِفة من الموضع الذي وُجِّهت إليه من العسكر في ظهور بني نُمير، وقد فعلوا ببُغا وأصحابه، فنفخوا في صَفَّاراتهم؛ فلما سمعوا نَفْخَ الصّفارات، ونظروا إلى مَنْ خرج عليهم في أدبارهم، قالوا: غَدَر والله العبد، وولَّوْا هاربين، وأسلم فرسانهم رجَّالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم. قال لي أحمد بن محمد: فلم يفلت من رجَّالتهم كثير أحد؛ حتى قُتلوا عن آخرهم؛ وأما الفرسان فطاروا هُرّابًا على ظهور الخيل. وأما غير أحمد بن محمد فإنه قال: لم تزل الهزيمة على بُغا وأصحابه منذ غدوة إلى انتصاف النهار؛ وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائتين، ثم تشاغلوا بالنَّهب وعَقْر الإبل والدوابَ حتى ثاب إلى بُغا من كان انكشف من أصحابه، واجتمع إليه مَنْ كان تفرّق عنه، فكرُّوا على بني نُمير، فهزمهم وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل. وأقام بُغا بموضع الوقعة على الماء المعروف ببطن السرّ، حتى جُمعت له رؤوس مَنْ قتِل من بني نمير، واستراح هو وأصحابه ثلاثة أيام. فحدثني أحمد بن محمد أنّ مَنْ هرب من فرسان بني نمير من الوقعة أرسلوا إلى بُغا يطلبون منه الأمان؛ فأعطاهم الأمان، فصاروا إليه، فقيَّدهم وأشخصهم معه. وأمَّا غيره فإنه قال: سار بُغا من موضع الوقعة في طلب من شذّ عنه منهم، فلم يدرك إلّا الضعيف ممن لم يكن له نهوض منهم وبعض المواشي والنَّعَم، ورجع إلى حصن باهلة. قال: وإنما قاتل بُغا من بني نُمير بنو عبد الله بن نُمير وبنو بُسْرَة وبلحَجَّاج وبنو قَطَن وبنو سلاه وبنو شُرَيح وبطون من الخوالف - وهم من بني عبد الله بن نمير، ولم يكن في القتال من بني عامر بن نُمير إلا القليل - وبنو عامر بن نُمير أصحاب نخل وشاء، وليسوا أصحاب خيل، وعبد الله بن نمير هيالتي تحارب العرب - فقال عُمارة بن عَقيل لبُغا: ترَكتَ الأَعقفين وبَطْنَ قَوٍّ ... ومَلأَّتَ السجونَ من القماشِ فحدثني أحمد بن محمد أن الذين دخلوا إلى بُغا بالأمان من بني نُمير لمَّا قيدهم وحبسهم وأشخصهم معه شَغَبُوا في الطريق، وحاولوا كسر قيُودهم والهرب، فأمر بماحضارهم واحدًا بعد واحد؛ فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر؛ فزعم أحمد أنه حضر ضربهم ولم ينطق منهم ناطق يتوجَّع من الضرب، وأنه أحضر منهم شيخ قد عَلّق في عنقه مصحفًا، ومحمد بن يوسف جالس إلى جنب بُغا، فضحك منه محمد بن يوسف وقال لبُغا: هذا أخبث ما كان - أصلحك الله - حين علَّق المصحف في عنقه! فضربه أربعمائة أو خمسمائة، فما توجَّع وما استغاث. وذُكر أن فارسًا من بني نُمير لقي بُغا في وقعتهم التي ذكرت أمرها يُدعى المجنون، فطعن بُغا ورمى المجنونَ رجلٌ من الأتراك. فأفلت، وعاش أيامًا ثلاثة، ثم مات من رميته. قال: ثم قدم عليه واجن الأشروسني الصُّغديّ في سبعمائة رجل مددًا له من الأشُروسنيّة الإشتيخنيّة، فوجَّهه بُغا ومحمد بن يوسف الجعفرىّ في أثرهم؛ فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا في البلاد، وصاروا بتبَالة وما يليها منّ حدّ عمل اليمن وفاتوه؛ فانصرف ولم يصر في يديه منهم إلّا ستّة نفر أو سبعة، وأقام بحصن باهلة، ووجّه إلى جبال بني نُمير وسهلها من هلان والسَّوْد وغيرها من عمل اليمامة ساريا في محاربة من امتنع ممن قبل الأمان منهم، فقتلوا جماعة وأسروا جماعة، وأقبل عدّة من ساداتهم، كلُّهم يطلب الأمان لنفسه والبطن الذي هو منه، فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم؛ ولم يزل مقيمًا إلى أن جمع إليه كلَّ مَنْ ظنّ أنه كان في هذه النواحي منهم، وأخذ منهم زُهاء ثمانمائة رجل، فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى البصرة، في ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكتب إلى صالح العباسيّ بالمسير بمَنْ قبله في المدينة من بني كِلاب وفَزارة ومُرّة وثعلبة وغيرهم واللحاق به؛ فوافاه صالح العباسيّ ببغداد، وصاروا جميعًا في المحرّم إلى سامراء سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت عدّة مَنْ قدم به بُغا وصالح العباسيّ من الأعراب سوى مَنْ مات منهم وهرب. وقتل في هذه الوقائعالتي وصفناها ألفي رجل ومائتي رجل من بني نمير ومن بني كلاب ومن مرّة وفزارة ومن ثعلبة وطيّئ. * * * وفي هذه السنة أصاب الحاجّ في المرجع عطش شديد في أربعة منازل إلى الرَّبَذَة، فبلغت الشَّرْبة عدة دنانير. ومات خلق كثير من العطش. وفيها ولِّيَ محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس. وفيها أمر الواثق بترك جبايةٍ أعشار سفن البحر. وفيها اشتدّ البرد في نِيسان حتى جَمد الماء لخمس خلون منه. * * *