page 5512, entry [1948]Open original source
[ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الأفشين وحبسه] وفيها غضب المعتصم على الأفشين فحبسه. * ذكر الخبر عن سبب غضبه وحبسه إياه (٣). ذكر أن الأفشين كان أيام حربه بابك ومُقامه بأرض الخرّميّة؛ لا يأتيه هدية منأهل إرمينيَة إلا وجّه بها إلى أشْروسَنَة، فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله إلى المعتصم بخبره؛ فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمر بتعريف جميع ما يوجِّه به الأفشين من الهدايا إلى أشْروسنة؛ ففعل عبد الله بذلك؛ وكان الأفشين كلّما تهيّأ عنده مال حمَله أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين بقدْر طاقتهم؛ كان الرجل يحمل من الألف فما فوقه من الدنانير في وسطه؛ فأخبر عبد الملك بذلك؛ فبينا هو في يوم من الأيام، وقد نزل رُسل الأفشين معهمالهدايا نيسابور وجّه إليهم عبد الله بن طاهر، وأخذهم ففتّشهم، فوجد في أوساطهم همايين، فأخذها منهم، وقال لهم: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: هذه هدايا الأفشين؛ وهذه أمواله. فقال: كذبتم؛ لو أراد أخي الأفشين أن يرسل بمثل هذه الأموال لكتب إليّ يُعلمني ذلك لآمر بحراسته وبذْرَقتِه؛ لأن هذا مال عظيم؛ وإنما أنتم لصوص. فأخذ عبد الله بن طاهر المال، وأعطاه الجند قبلَه، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجّهتَ بمثل هذا المال إلى أشْروسنة، ولم تكتب إليّ تعلمني لأبَذْرقه؛ فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيتَه الجند مكان المال الذي يوجّهه إليّ أمير المؤمنين في كلّ سنة، وإن كان المال لك - كما زعم القوم. فإذا جاء المال من قِبَل أمير المؤمنين رددته إليك؛ وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين أحقّ بهذا المال؛ وإنما دفعته إلى الجند لأني أريد أن أوجّههم إلى بلاد الترك. فكتب إليه الأفشين يعلمه أن مالَه ومال أمير المؤمنين واحد، ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشروسنة؛ فأطلقهم عبدُ الله بن طاهر، فمضوا؛ فكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله بن طاهر وبين الأفشين. ثم جعل عبد الله يتتبَّع عليه، وكان الأفشين يسمع أحيانًا من المعتصم كلامًا يدلّ على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان، فطمع الأفشين في ولايتها، فجعل يكاتب مازيار، ويبعثه على الخلاف، ويضمَن له القيام بالدفع عنه عند السلطان؛ ظنًّا منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى أن يوجهه لمحاربته، ويعزل عبد الله بن طاهر ويولّيه خراسان؛ فكان من أمر مازيار ما قد مضى ذكره. وكان من أمر منكجور بأذْرَبيجان ما قد وصفنا قبل. فتحقّق عند المعتصم - بما كان من أمر الأفشين ومكاتبته مازيار بما كان يكاتبه به - ما كان اتهمه به من أمر مَنكجور؛ وأنّ ذلك كان عن رأي الأفشين وأمْره إياه به، فتغيّر المعتصم للأفشين لذلك؛ وأحسّ الأفشين بذلك، وعلم تغيُّر حاله عنده، فلم يَدْر ما يصنع، فعزم - فيما ذكر - على أن يهيّئ أطوافًا في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقوّاده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف؛ حتى يصير إلى بلاد أرمينيَة، ثم إلى بلاد الخزَر، فعسر ذلك عليه، فهيّأ سمًّا كثيرًا، وعزم على أن يعمل طعامًا ويدعو المعتصم وقُوَّاده فيسقيهم؛ فإنلم يجبه المعتصم استأذنه في قوّاد الأتراك، مثل أشناس وإيتاخ وغيرهم في يوم تشاغل أمير المؤمنين، فإذا صاروا إليه أطعمهم وسقاهم وسمَّهم؛ فإذا انصرفوا من عنده خرج من أوّل الليل، وحمل تلك الأطواف والآلة التي يعبرُ بها على ظهور الدوابّ حتى يجيء إلى الزّاب فيعبر بأثقاله على الأطراف، ويعبرُ الدوابُّ سباحةً كما أمكنه، ثم يرسل الأطواف حتى يعبُر في دِجْلة، ويدخل هو بلاد أرمينيَة؛ وكانت ولاية أرمينيَة إليه، ثم يصير هو إلى بلاد الخزَر مستأمنًا، ثم يدور من بلاد الخزَر إلى بلاد الترك، ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشْرُوسنة، ثم يستميل الخزَر على أهل الإسلام، فكان في تهيِئة ذلك، وطال به الأمر فلم يمكنه ذلك. وكان قوّاد الأفشين ينوبون في دار أمير المؤمنين كما ينوبُ القوّاد؛ فكان واجن الأشْرُوسنيّ قد جرى بينه وبين من قد اطّلع على أمر الأفشيْن حديث، فذكر له واجن أنّ هذا الأمر لا أراه يمكن ولا يتمّ؛ فذهب ذلك الرجل الذي سمع قول واجن، فحكاه للأفشين. وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الأفشين وخاصته ما قال الأفشين في واجن، فلما انصرف واجن من النوبة في بعض الليل أتاه فأخبره أنْ قد أُلْقِيَ ذلك إلى الأفشين، فحذر واجن على نفسه، في كب من ساعته في جوف الليل حتى أتى دار أمير المؤمنين؛ وقد نام المعتصم؛ فصار إلى إيتاخ، فقال: إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة، فقال له إيتاخ: أليس الساعة كنتَ ها هنا! قد نام أمير المؤمنين. فقال له وأجن: ليس يمكنني أن أصبر إلى غد، فدقّ إيتاخ الباب على بعض من يُعلم المعتصم بالذي قال واجن، فقال المعتصم: قل له ينصرف الليلة إلى منزله، ويبكّر عليّ في غد، فقال واجن: إن انصرفَت الليلة ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيّتْه الليلة عندك. فبيته إيتاخ عنده؛ فلما أصبح بكَّربه مع صلاة الغداة، فأوصله إلى المعتصم، فأخبره بجميع ما كان عنده؛ فدعا المعتصم محمد بن حمَّاد دَنْقَش الكاتب، فوجّهه يدعو الأفشين، فجاء الأفشين في سواد، فأمر المعتصم بأخذ سواده، وحبَسه، فحبِس في الجوسق؛ ثم بنى له حبسًا مرتفعًا، وسماه لؤلؤة داخل الجوسق، وهو يعرف إلى الآن بالأفشين. وكتب المعتضم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال للحسن بن الأفشين - وكانالحسن قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر في نوح بن أسد - يعلمه تحامله على ضياعه وناحيته، فكتب عبد الله بن طاهر إلى نوح بن أسد يعلمه ما كتب به أمير المؤمنين في أمره، ويأمره بجمع أصحابه والتأهّب له؛ فإذا قدم عليه الحسن بن الأفشين بكتاب ولايته استوثَق منه، وحمله إليه. فكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن الأفشين يُعلمه أنه عزل نوح بن أسد، وأنه قد ولّاه الناحية، ووجّه إليه بكتاب عزل نوح بن أسد. فخرج الحسن بن الأفشين في قلّة من أصحابه وسلاحه؛ حتى ورد على نوح بن أسد، وهو يظنّ أنه والي الناحية، فأخذه نوح بن أسد، وشدّه وثاقًا، ووجّه به إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، وكان الحبس الذي بُني للأفشين شبيهًا بالمنارة، وجعل في وسطها مقدار مجلسه؛ وكان الرجال ينُوبون تحتها كما تدور. وذُكِر عن هارون بن عيسى بن المنصور، أنه قال: شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبي دواد وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات، فأتَى بالأفشين ولم يكن بعد في الحبس الشديد، فأحضِر قوم من الوجوه لتبكيت الأفشين بما هو عليه، وّلم يترك في الدار أحدٌ من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور، وصُرف الناس. وكان المناظر له محمّد بن عبد الملك الزيات، وكان الذين أحضرُوا المازيار صاحب طبرستان والموبْذ والمرزبان بن تركش - وهو أحد ملوك السُّغد - ورجلان من أهل السُّغد؛ فدعا محمد بن عبد الملك بالرَّجُلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما محمد بن عبد الملك: ما شأنكما؟ فكشفا عن ظهورهما وهي عارية من اللَّحْم، فقال له محمد: تعرف هذين؟ قال: نعم؛ هذا مؤذن، وهذا إمام، بنَيا مسجدًا بأشْروسنَة، فضربتُ كلَّ واحد منهما ألفَ سوط؛ وذلك أن بيني وبين ملوك السُّغد عهدًا وشرطًا، أن أترك كلَّ قوم على دينهم وما هم عليه؛ فوثب هذان على بيت كان فيه أصنامهم - يعني أهل أشروسنة - فأخرجا الأصنام، واتّخذاه مسجدًا، فضربتهما على هذا ألفًا ألفًا لتعدّيهما، ومنعهما القوم من بيعتهم. فقال له محمد: ما كتاب عندك قد زيَّنْتَه بالذهب والجواهر والديباج، فيه الكفر بالله؟ قال: هذا كتاب ورثْتُه عن أبي، فيه أدب من آداب العجم؛وما ذكرت من الكفر؛ فكنت أستمتع منه بالأدب، وأترك ما سوى ذلك، ووجدتُه محلى، فلم تضطرني الحاجة إلى أخذ الحلية منه؛ فتركته على حاله؛ ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مَزْدَك في منزلك؛ فما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام. قال: ثم تقدم الموْبذ، فقال: إن هذا كان يأكل المخنوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنها أرطب لحمًا من المذبوحة؛ وكان يقتل شاة سوداء كلّ يوم أربعاء، يضرب وسطها بالسَّيف يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها. وقال لي يومًا: إني قد دخلت لهؤلاء القوم في كلّ شيء أكرهه؛ حتى أكلتُ لهم الزيت وركبت الجمل، ولَبست النعل؛ غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عني شعرة - يعني لم يَطَّلِ ولم يختتن. فقال الأفشين: خَبروني عن هذا الذي يتكلم بهذا الكلام، ثقةٌ هو في دينه؟ - وكان الموْبذ مجوسيًّا أسلم بعدُ على يد المتوكل ونادمه - قالوا: لا، قال: فما معنى قبولكم شهادة مَنْ لا تثقون به ولا تعدلونه! ثم أقبل على الموبذ، فقال: هل كان بين منزلي ومنزلك باب أو كوةَ تطلع عليّ منها وتعرف أخباري منها؟ قال: لا، قال: أفليس كنت أدخلك إليّ وأبثك سري وأخبرك بالأعجمية وميلي إليها وإلى أهلها؟ قال: نعم، قال: فلستَ بالثقة في دينك ولا بالكريم في عهدك؛ إذا أفشيت عليّ سرًّا أسررتُه إليك. ثم تنحّى الموبذ، وتقدّم المرزبان بن تركش، فقالوا للأفشين: هل تعرف هذا؟ قال: لا، فقيل للمرزبان: هي تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، قالوا له: هذا المرزبان، فقال له المرزبان: يا مُمَخْرق، كم تدافع وتموه! قال له الأفشين: يا طويلَ اللحية، ما تقول؟ قال: كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجدي. قال: فقل، قال: لا أقول، فقال المرزبان: أليس يكتبون إليك بكذا وكذا بالأشروسنية؟ قال: بلى، قال: أفليس تفسيره بالعربية "إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان"، قال: بلى! قال محمد بن عبد الملك: والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا! فما بقّيت لفرعون حين قال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾! قال: كانت هذه عادة القوم لأبي وجدّي، ولى قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد عليَّ طاعتهم. فقال لهإسحاق بن إبراهيم بن مصعب: ويحك يا خيذر كيف تحلِف بالله لنا فنصدّقك ونصدق يمينَك ونُجريك مجرى المسلمين، وأنت تدّعي ما ادّعى فرعون! قال: يا أبا الحسين، هذه سورة قرأها عُجيف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليّ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك! . قال: ثم قدِّم مازيار صاحب طبرِستان، فقالوا للأفشين: تعرف هذا؟ قال: لا، قالوا للمازيار: تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، فقالوا له: هذا المازيار؟ قال: نعم، قد عرفتُه الآن، قالوا: هل كاتبتَه؟ قال: لا، قالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه خاش إلى أخي قوهيار؛ أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرُك وغير بابك؛ فأما بابك فإنه بحمْقه قتيلُ نفسِه، ولقد جهدت أن اصرف عنه الموت فأبى حمقه إلا أن دلَّاه فيما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم مَنْ يرمُونك به غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس؛ فإن وجّهت إليه لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك , والعربيّ بمنزلة الكلب اطرَحْ له كسرة ثم اضرب رأسه بالدبوس؛ وهؤلاء الذباب - يعني المغاربة - إنما هم أكَلَة رأس، وأولاد الشياطين - يعني الأتراك - فإنما هي ساعة حتى تنفذ سهامُهم، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا يدّعي على أخيه وأخي دعوى لا تَجب عليّ، ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لأستميله إليّ ويثق بناحيتي كان غير مستنكَر؛ لأني إذا نصرتُ الخليفة بيدي، كنتُ بالحيلة أحرَى أن أنصره لآخذ بقفاه، وآتي به الخليفة لأحظَى به عنده، كما حظَى به عبد الله بنُ طاهر عند الخليفة. ثم نحّى المازيار. ولما قال الأفشين للمرزبان التركَشيّ ما قال، وقال لإسحاق بن إبراهيم ما قال، زجر ابن أبي دواد الأفشين، فقال له الأفشين: أنت يا أبا عبد الله ترفع طيلسانك بيدك، فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة، فقال له ابن أبي دواد: أمطهّر أنت؟ قال: لا، قال: فما منعك من ذلك، وبه تمام الإسلام، والطهور من النجاسة! قال: أوَ ليس في دين الإسلام استعمال التقيّة؟ قال: بلى، قال: خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت، قال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك من أن تكون في الحرب وتجزع من قطعقَلفة! قال: تلك ضرورة تعنيني فأصبر عليها إذا وقعتْ؛ وهذا شيء أستجلبه فلا آمنُ معه خروج نفسي، ولم أعلم أن في تركها الخروجَ من الإسلام، فقال ابن أبي دواد: قد بان لكم أمره يا بغا - لبغا الكبير أبي موسى التركّي - عليك به! . قال: فضرب بيده بغا على منطقته فجذَبها، فقال قد كنت أتوقّع هذا منكم قبل اليوم، فقلبَ بغا ذَيْل القبَاء على رأسه، ثم أخذَ بمجامع القبَاء من عند عنقه، ثم أخرجه من باب الوزيريّ إلى محبسه. * * * وفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وأترنجه بنت أشناس إلى سامراء. * * * وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (١).