page 5432, entry [1924]Open original source
[ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الأفشين وبابك] ذُكر أنَ سبب ذلكَ أن المعتصم وجَّهَ مَع بُغا الكبير بمال إلى الأفشين عَطاءً لجندهِ وللنفقات، فقدم بُغَا بذلكَ المالَ إلى أَردَبيل، فلمَّا نزل أردبيل بلغَ بابك وأصحابه خبرهُ، فتهيَّأ بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الأفشين، فقدم صالح الجاسوس على الأفشين، فأخبره أنّ بُغا الكبير قد قدمَ بمال، وأن بابك وأصحابه تهيَّئوا ليقتطعوه قبل وصوله إليك. وقيل: كان مجيء صالح إلى أبي سعيد، فوجَّهَ بهِ أبو سعيد إلى الأفشين وهيأ بابك كمينًا في مواضع، فكتب الأفشين إلى أبي سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك، فمضى أبو سعيد متنكرًا هو وجماعة من أصحابه، حتى نظروا إلى النيران والوقود في المواضع التي وصفها لهم صالح، فكتب الأفشين إلى بُغا؛ أن يقيم بأَردَبيل حتى يأتيه رأيَهُ، وكتب أبو سعيد إلى الأفشين بصحَّة خبر صالح، فوعد الأفشين صالحًا وأحسن إليه، ثم كتب الأفشين إلى بُغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويشدَّ المالَ على الإبل ويُقْطرها ويسير متوجِّهًا من أَردبيل؛ كأنهُ يريد برْزَنْد؛ فإذا صارَ إلى مَسلحة النهر، أو سارَ شبيهًا بفرسخين، احتبسَ القطار حتى يجوزَ مَن صحب المال إلى بَرْزند فإذا جَازَت القافلةُ رجع بالمالِ إلى أردبيل. ففعل ذلكَ بُغا، وسارت القافلةُ حتى نزلت النهر، وانصرف جواسيس بابك إليهِ يعلمونه أنَّ المال قد حُمل، وعاينوه محمولًا حتى صارَ إلى النهر، ورجعَ بُغا بالمال إلى أردبيل، وركب الأفشينُ في اليوم الذي وعد فيه بُغا عند العصر من برزند، فوافى خشَّ مع غروب الشمس، فنزل معسكرًا خارج خندق أبي سعيد؛ فلما أصبح ركب في سرِّ، لم يضرب طبلًا ولا نَشرَ علمًا، وأمر أن يلفّ الأعلامُ، وأمر الناسَ بالسكوت، وجدَّ في السير، ورحلت القافلةُ التي كانت توجَّهت في ذلكَ اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوي، ورحل الأفشين من خشّ يريد ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق، ولم يعلم الهيثم [بمن كانَ معه]فرحل بمَن كان معهُ من القافلة يريد بها النهر. وتعبَّأَ بابك في خَيلهِ ورجالهِ وعساكره، وصار على طريق النهر، وهو يظنُّ أن المالَ موافيه، وخرجَ صاحب النهر ببذَرق مَنْ قِبَله إلى الهيثم، فخرجت عليه خيل بابك؛ وهم لا يشكّون أنَّ المال معه، فقاتلهم صاحبُ النهر، فقتلوه وقتلوا مَنْ كانَ معهم من الجند والسابلة، وأخذوا جمِيعَ ما كان معهم من المتاع، وغيره، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمَه، وأخذوا لباسَ أهل النهر ودراريعهم وطراداتهم وخفاتينَهم فلبسوها، وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معهُ أيضًا، ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاءوا كأنهم أصحاب النهر، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذي كانَ يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غير موضِع صاحب النهر، وجاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكرَ ما رأى، فوجَّهَ ابن عَمٍّ لهُ، فقال لهُ: اذهب إلى هذا البغيض، فقل له: لأيِّ شيءٍ وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم، فلما رأى القومَ أنكرهم لما دنا منهم فرجعَ إلى الهيثم فقال له: إنَّ هؤلاء القومُ لستُ أعرفهم، فقال له الهيثم: أَخزاك الله! ما أجبنَكَ! ووجهَ خمسة فرسان من قبله، فلما جاءوا وقربوا من بابك، خرج من الخُرّمية رجلان فتلقَّوهما وأنكروهما، وأعلموهما أنهم قد عرفوهما، ورجعوا إلى الهيثم ركضًا، فقالوا: إِنَّ الكافرَ قد قتل علويه وأصحابه، وأخذوا أعلامهم ولباسهم، فرحل هيثم منصرفًا، فأتى القافلةَ التي جاء بها معه، وأمرهم أن يركضوا ويرجعوا، لئلا يُؤخذوا، ووقفَ هو في أصحابه، يسير بهم قليلًا قليلًا، ويقف بهم قليلًا، ليشغل الخرميّة عن القافلة، وصار شبيهًا بالحامية لهم؛ حتى وصلت القافلة إلى الحصن الذي يكونُ فيهِ الهيثم - وهو أرشق - وقال لأصحابه: مَنْ يذهب منكم إلى الأمير وإلى أبي سعيد فيعلمهما وله عشرة آلاف درهم وفرس بدل فرسهِ إن نَفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه؟ فتوجَّهَ رجلانِ من أصحابهِ على فرسينِ فارهين يركضانِ، ودخل الهيثم الحصنَ، وخرجَ بابكَ فيمن معه، فنزل بالحصن، وضع له كرسي وجلس على شرف بحيال الحصن، وأرسل إلى الهيثم: خلِّ عَن الحصن وانصرف حتى اهدمه. فأبى الهيثم وحاربه. وكان مع الهيثم في الحصن ستمائة راجل وأربعمائة فارس، وله خندق حصين، فقاتله، وقعد بابك فيمن معه، ووضع الخمر بين يديه ليشربها، والحرب مشتبكة كعادته، ولقىالفارسان الأفشين على أقلِّ من فرسخ من أرشق، فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدَّمته: أرى فارسين يركُضان ركضًا شديدًا، ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الإعلام واركضوا نحو الفارسين، ففعل أصحابه ذلك، وأسرعوا السير، وقال لهم: صيحوا بهما لبيكَ لبيك! فلم يزل الناس في طَلقٍ واحدٍ متراكضينَ، يكسرُ بعضهم بعضًا حتى لحقوا بابك؛ وهو جالسٌ، فلم يتدارك أن يتحوَّل ويركب حتى وافتهُ الخيل والناس، واشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير، ودخل مُوقان، وقد تقطَّع عنه أصحابه، وأقامَ الأفشين في ذلك الموضع، وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند، فأقام بابك بمُوقان أيامًا. ثم إنه بعث إلى البذ، فجاءه في الليل عسكر فيهِ رجَّالة، فرحل بهم من موقان حتى دخل البذ، فلم يزل الأفشين معسكرًا ببرزَند، فلما كان في بعض الأيام مرَّت به قافلة من خُش إلى بَرزند، ومعها رجلٌ من قِبَل أبي سعيد يسمى صالح آب كش - تفسيره السقاء - فخرج عليه أصبهبذ بابك، فأخذ القافلةَ وقتل مَنْ فيها، وقتل مَنْ كانَ مع صالح، وأفلتَ صالح، بلا خف مع من أفلت، وقُتِلَ جميعُ أهل القافلة، وانتُهِبَ متاعهم، فقحط عسكر الأفشين من أجل تلك القافلةِ التي أخذت من الآب كش؛ وذلكَ أنها كاتت تحمل الميرة، فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمرهُ بحمل الميرة تعجيلها عليه؛ فإنَّ الثاسَ قد قحطوا وجاعوا، فوجه إليه صاحب المراغة بقافلة ضخمة، فيها قريب من ألف ثَوْر سوى الحمرُ والدوابّ وغير ذلك، تحمل الميرة، ومعها جند يُبذرقونها، فخرجت عليهم أيضًا سريَّةُ لبابك، كان عليها طَرْخَان - أو آذين - فاستباحوها عن آخرها بجميعِ ما فيها، وأصابَ الناس ضيق شديد؛ فكتب الأفشين إلى صاحب السيروَان أن يحمل إليه طعامًا فحمل إليها طعامًا كثيرًا، وأغاثَ الناسَ في تلكَ السنة وقدم بُغا على الأفشين بمالٍ ورجال.