page 5359, entry [1882]Open original source
خبر الظفر بنصر بن شبث (٥) فمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبَث وتضييقه عليه؛ حتى طلب الأمان، فذُكر عن جعفر بن محمد العامويّ أنه قال: قال المأمون لثُمامة: ألا تدلّني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة، يؤدّي عنّي ما أوجّهه به إلى نصر بن شبَث؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، رجل من بني عامر يقال له جعفر بن محمد، قال له: أحضرنيه، قال جعفر: فأحضرني ثمامة، فأدخلني عليه، فكلّمني بكلام كثير، ثم أمرني أن أبلغه نصر بن شبَث. قال:فأتيت نصْرًا وهو بكفر عَزُون بسَروج، فأبلغته رسالتَه، فأذعن وشرط شروطًا، منها ألا يطأ له بساطًا. قال: فأتيتُ المأمون فأخبرته، فقال: لا أجيبه والله إلى هذا أبدًا، ولو أفضيت إلى بيع قميصي حتى يطأ بساطي؛ وما باله ينفر منّي! قال: قلتُ لجرْمه وما تقدّم منه. فقال: أتراه أعظم جُرْمًا عندي من الفضل بن الربيع ومن عيسى بن أبي خالد! أتدري ما صنع بي الفضل! أخذ قوّادي وجنودي وسلاحي وجميع ما أوْصى به لي أبي. فذهب به إلى محمد وتركني بمروْ وحيدًا فريدًا وأسلمني، وأفسد عليّ أخي؛ حتى كان من أمره ما كان؛ وكان أشدّ عليّ من كل شيء. أتدري ما صنع بي عيسى بن أبي خالد! طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب عليّ دياري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني، ودعاه باسمي. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قال: تكلم، قلتُ: الفضل بن الربيع رضيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالكم، وحال سلفكم حاله، ترجع عليه بضروب كلّها تردّك إليه، وأما عيسى بن أبي خالد فرجُلٌ من أهل دولتك، وسابقتُه وسابقة مَنْ مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك؛ وهذا رجل لم تكن له يد قطّ فيُحْملُ عليها، ولا من مضى من سلفه؛ إنما كانوا من جند بني أمية. قال: إن كان ذلك كما تقول، فكيف بالحَنَق والغيظ؛ ولكني لستُ أقلع عنه حتى يطأ بساطي، قال: فأتيت نصرًا فأخبرته بذلك كلّه، قال: فصاح بالخيل صيحة فجالت، ثم قال: ويلي عليه! هو لم يقْوَ على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعني الزّط - يقوى على حَلْبة العرب! فذُكر أن عبد الله بن طاهر لما جادّه القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه، وتحوّل من معسكره إلى الرّقّة سنة تسع ومائتين، وصار إلى عبد الله بن طاهر، وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك بعد أن هزم عبد الله بن طاهر جيوشَه كتابًا يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته، فلم يقبل، فكتب عبد الله إليه - وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بن مسعدة: أما بعد؛ فإنك يا نصر بن شبَث قد عرفتَ الطاعة وعزّها وبَرْد ظلِّها وطيب مَرْتعها وما في خلافها من النّدم والخَسار، وإن طالت مدّة الله بك، فإنه إنما يُملى من يلتمس مظاهرة الحجّة عليه لتقع عبَرُه بأهلها على قَدْر إصرارهمواستحقاقهم. وقد رأيتُ إذكارَك وتبصيرك لما رجوتُ أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك؛ فإنّ الصدق صدق والباطل باطل؛ وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يُعنَوْن به، ولم يعاملك من عمّال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا أحرصَ على استنقاذك والانتياش لك من خطائك مني، فبأيّ أوّل أو آخر أو سِطَةٍ أو إمْرة إقدامُك يا نصر على أمير المؤمنين! تأخذ أموالَه، وتتولى دونه ما ولّاه الله، وتريد أن تبيت آمنًا أو مطمئنًا، أو وادعًا أو ساكنًا أو هادئًا! فوَعالِمِ السرّ والجهرِ، لئن لم تكن للطاعة مراجعًا وبها خانعًا، لتستوبلنّ وخَمَ العاقبة؛ ثم لأبدأنَّ بك قبل كلّ عمل، فإنّ قرون الشيطان إذا لم تُقطَع كانت في الأرض فتنة وفسادًا كبيرًا، ولأطأنَّ بمن معي من أنصار الدولة كواهلَ رعاع أصحابك، ومَنْ تأشَّب إليك من أداني البلدان وأقاصيها وطَغامها وأوباشها، ومَن انضوى إلى حوْزتك من خُرّاب الناس، ومن لفظه بلدهُ، ونفته عشيرته؛ لسوء موضعه فيهم. وقد أعذَرَ من أنذَر. والسلام. وكان مقام عبد الله بن طاهر على نصر بن شبَث محاربًا له - فيما ذكر - خمس سنين حتى طلب الأمان؛ فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيّقَ عليه، وقتل رؤساء مَنْ معه، وأنه قد عاذ بالأمان وطلبه، فأمره أن يكتب له كتاب أمان، فكتب إليه، أمانًا نسختُه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد؛ فإنّ الإعذار بالحقّ حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العزّ؛ ولا يزال المعذِر بالحق، المحتجّ بالعدل في استفتاح أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين؛ حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ويمكّن وهو خير الممكّنين؛ ولستَ تعدو أن تكون فيما لهجتَ به أحد ثلاثة: طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهوّرًا يطلبُ الغَلَبة ظلمًا؛ فإن كنت للدين تسعى بما تصنع، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقًّا، فلعمري ما همّته الكبرى، ولا غايته القصوى إلّا الميل مع الحقّ حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال؛ وإن كنت للدنيا تقصد، فأعلم أمير المؤمنين غايتَك فيها؛ والأمر الذي تستحقها به؛ فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعلَه بك.فلعمري ما يستجيز مَنْع خلق ما يستحقه وإن عظُم، وإن كنت متهوّرًا فسيكفي الله أميرَ المؤمنين مؤنتَك. ويعجّل ذلك كما عجّل كفايته مؤن قوم سلكوا مثلَ طريقك كانوا أقوى يدًا، وأكثف جندًا. وأكثر جمعًا وعددًا ونصرًا منك فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين. وأنزل بهم من حوائج الظالمين. وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ؛ وضمانه لك في دينه وذِمّتِه الصفح عن سوالف جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك ما تستأهل من منازل العزّ والرفعة إن أتيتَ وراجعتَ، إن شاء الله. والسلام. ولما خرج نصر بن شبث إلى عبد الله بن طاهر بالأمان هدم كيسوم وخرّبها (١). * * * وفي هذه السنة ولّى المأمون صدقة بن عليّ المعروف بزريق أرمينيّة وأذْرَبيجان ومحاربة بابك، وانتدب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد بن فرزندي الإسكافي، ثم رجع أحمد بن الجنيد بن فرزندي إلى بغداد، ثم رجع إلى الخُرّميّة، فأسره بابك، فولّى إبراهيم بن الليث بن الفضل التجيبيّ أَذْرَبيجان (٢). * * * وحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن عليّ، وهو والي مكة (٣). وفيها مات ميخائيل بن جورجس صاحب الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل (٤).