page 4990, entry [1745]Open original source
ذكر الخبر عن خروجه ومقتله: ذكر عن محمد بن موسى الخوارزميّ أنه قال: كان بين موت المهديّ وخلافة الهادي ثمانية أيام. قال: ووصل إليه الخبر وهو بجُرجان، وإلى أن قدم مدينة السّلام إلى خروج الحسين بن عليّ بن الحسن، وإلى أن قتل الحسين، تسعة أشهر وثمانية عشر يومًا. وذكر محمد بن صالح، أنّ أبا حفص السُّلمِي حدّثه، قال: كان إسحاق بن عيسى بن على على المدينة، فلما مات المهديّ، واستخلف موسى، شخص إسحاق وافدًا إلى العراق إلى موسى، واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن إسحاق بن عيسى بن عليّ استعفى الهاديَ وهو على المدينة، واستأذنه في الشُّخوص إلى بغداد، فأعفاه، وولّى مكانَه عمر بن عبد العزيز وأن سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة - كما ذكر الحسين بن محمد عن أبي حفص السُّلمِيّ - أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندُب الشَاعر الهذليّ وعمر بن سلّام مولى آل عمر على شراب لهم، فأمر بهم فضربوا جميعًا، ثم أمر بهم فجُعل في أعناقهم حبال وطِيف بهم في المدينة، فكلِّم فيهم، وصار إليه الحسين بن عليّ فكلمه، وقال: ليس هذا عليهم وقد ضربتهم، ولم يكن لك أن تضربهم، لأنّ أهل العراق لا يروْن به بأسًا، فلمَ تطوف بهم! فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردّهم، وأمر بهم إلى الحَبْس، فحبِسوا يومًا وليلة، ثم كلِّم فيهم فأطلقهم جميعًا، وكانوا يُعرَضون، ففُقد الحسن بن محمد، وكان الحسين بن عليّ كفيله.قال محمد بن صالح: وحدّثني عبد الله بن محمد الأنصاريّ أن العُمَريّ كان كَفَّل بعضهم من بعض، فكان الحسين بن عليّ بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وكان قد تزوّج مولاةً لهم سوداء ابنة أبي لَيث مولى عبد الله بن الحسن، فكان يأتيها فيُقيم عندها، فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وعرضهم خليفةُ العمريّ عشيَّة الجمعة، فأخذ الحسين بن عليّ ويحيى بن عبد الله، فسألهما عن الحسن بن محمد، فغلَّظ عليهم بعضَ التغليظ، ثم انصرف إلى العمريّ فأخبره برهم، وقال له: أصلحك الله! الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث، فقال: ائتني بالحسين ويحيى، فذهب فدعاهما، فلما دخلا عليه، قال لهما: أين الحسن بن محمد؟ قالا: والله ما ندري، إنما غاب عنا يوم الأربعاء، ثم كان يوم الخميس، فبلغنا أنه اعتل، فكنّا نظن أنّ هذا اليوم لا يكون فيه عرْض، فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه، فحلف يحيى بن عبد الله ألَّا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره، حتى يعلم أنه قد جاءه به. فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسنًا! حلفتَ له بشيء لا تقدر عليه. قال: إنما حلفتُ على حسن، قال: سبحان الله! فعلى أيّ شيء حلفت! قال: والله لا نمتُ حتى أضرب عليه باب داره بالسيف. قال: فقال حسين: تَكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة، قال: قد كان الذي كان فلا بدّ منه. وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بِمنًى أو بمكة في الموسم - فيما ذكروا - وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم - وممن كان بايع الحسين - مُتمكِّنين في دار، فانطلقوا فعملوا في ذلك من عشيَّتهم ومن ليلتهم، حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا. وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مَرْوان على العمريّ، فلم يجده فيها، فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضًا فيها، وتوارى منهم، فجاءوا حتى اقتحموا المسجد حين أذّنوا بالصبح، فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء، وجعل الناس يأتون المسجد، فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلُّون، فلما صلّى الغداة جعل الناس يأتونه، ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ للمرتضى من آل محمد. وأقبل خالد البربريّ، وهو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة، وأقبل فيمَنمعه، وجاء العمريّ ووزير ابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشرويّ، ومعهم ناس كثير، فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حِمار، واقتحم خالد البربري الرّحبة، وقد ظاهر بين درعين، وبيده السيف وعمود في منطقته، مصلِتًا سيفه، وهو يصيح بحسين: أنا كسكاس، قتلني الله إن لم أقتلك! وحمل عليهم حتى دنا منهم، فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن: يحيى وإدريس، فضربه يحيى على أنف البيْضة فقطعها وقطع أنفه، وشرقت عيناه بالدّم فلم يبصر، فبرك يذبِّب عِن نفسه بسيفه وهو لا يبصر، واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرَعه، وعَلواه بأسيافهما حتى قتلَاه، وشدّ أصحابهما على درعيْه فخلعوهما عنه، وانتزعوا سيفه وعموده، فجاءوا به. ثم أمروا به فجُرّ إلى البلاط، وحملوا على أصحابه فانهزموا. قال عبد الله بن محمد: هذا كله بعيني. وذكر عبد الله بن محمد أن خالدًا ضَرب يحيى بن عبد الله، فقطع البُرْنس، ووصلت ضربته إلى يد يحيى فأثّرت فيها، وضربه يحيى على وجهه، واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خَلْفه، فضربه على رِجْليه، واعتورُوه بأسيافهم فقتلوه. قال عبد الله بن محمد: ودخل عليهم المسوّدة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره، وشدَّت المبيّضة فأخرجوهم، وصاح بهم الحسين: ارفقوا بالشيخ - يعني الحسين بن جعفر - وانتُهب بيت المال، فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار، فضلت من العطاء - وقيل: إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك، يفرض بها من خُزاعة - قال: وتفرّق الناس، وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابَهم، فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس، فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزّوراء، وجعل المسوّدة يحملون على المبيّضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل، وتحمل المبيّضة عليهم حتى يُبلَغ بهم الزَّوراء. وفشت الجراحات بين الفريقين جميعًا، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا، فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحَد، جاء الخبر بأن مباركًا التركيّ ينزل بئر المطَّلب، فنشط الناس، فخرجوا إليه فكلّموه أن يجيء، فجاء من الغد حتى أتى الثّنيَة، واجتمع إليه شيعة بني العبس ومن أراد القتال، فاقتتلوا بالبلاط أشدّ قتال إلى انتصاف النهار، ثم تفرّقوا. وجاء هؤلاءإلى المسجد، ومضى الآخرون إلى مبارك التركيّ، إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنيَّة يقيل فيها، وواعد الناس الرّواح، فلما غفلوا عنه، جلس على رَوَاحله فانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فناوشوهم شيئًا من القتال إلى المغرب، ثم تفرَّقوا، وأقام حسين وأصحابه أيامًا يتجهَّزون. وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يومًا، ثم خرج يوم أربعة وعشرين لستّ بقِين من ذي القعدة، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا، وعاد النّاس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فجعلوا يدعون الله عليهم، ففعل الله بهم وفعل. قال محمد بن صالح: فحدّثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجُمَحيّ، أنّ حسينًا لما انتهى إلى السوق متوجِّهًا إلى مكة التفت إلى أهل المدينة، وقال: لا خلف الله عليكم بخير! فقال الناس وأهل السوق: لا بل أنت، لا خلف الله عليك بخير، ولا ردّك! وكان أصحابه يُحدِثون في المسجد، فملؤوه قذرًا وبولًا، فلما خرجوا غسل الناس المسجد. قال: وحدّثني ابن عبد الله بن إبراهيم، قال: أخذ أصحاب الحسين ستورَ المسجد، فجعلوها خَفاتِين لهم، قال: ونادى أصحابُ الحسين بمكة: أيما عبدٍ أتانا فهو حرّ، فأتاه العبيد، وأتاه عبد كان لأبي، فكان معه، فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبِي فكلمه، وقال له: عمدتَ إلى مماليك لم تملكْهم فأعتقتَهم، بم تستحلّ ذلك! فقال حسين لأصحابه: اذهبوا به، فأيّ عبد عرَفه فادفعوا إليه، فذهبوا معه، فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا. وانتهى خبر الحسين إلى الهادي، وقد كان حجّ في تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم محمد بن سليمان بن عليّ والعباس بن محمد وموسى بن عيسى، سوى من حجّ من الأحداث. وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر، فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب، فقيل له: عمَّك العباس بن محمد! قال: دعوني، لا والله لا أخدَع عن ملكي، فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن عليّ على الحرب، فلقيَهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحجّ. وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدّة من السلاح والرجال، وذلك لأن الطريق كان مخوفًا معوِرًا من الأعراب، ولم يحتشد لهم حسين، فأتاه خبرهم، فهم بصوبه، فخرج بخدَمه وإخوانه. وكان موسى بن عليّ بن موسى قد صارببطْن نخل، على الثلاثين من المدينة، فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواريه، وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم، وساروا إلى مكة فدخلوا، فأقبل محمد بن سليمان، وكانوا أحرموا بعُمْرة، ثم صاروا إلى ذي طُوًى، فعسكروا بها، ومعهم سليمان بن أبي جعفر، فانضمّ إليهم من وافَى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقُوّادهم. وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحجّ وكثروا جدًّا. ثم قدّم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافرًا ما بين فَرس إلى بغل، وهو على نجيب عظيم، وخلفه أربعون راكبًا على النجائب عليها الرِّحال وخلْفهم مائتا راكب على الحمير، سوى مَنْ كان معهم من الرّجالة وغيرهم، وكثروا في أعين الناس جدًّا وملؤوا صدورهم فظنّوا أنهم أضعافهم، فطافوا بالبيت، وسعَوْا بين الصَّفا والمرْوة، وأحلّوا من عمرتهم، ثم مضوا فأتوا ذا طُوىً ونزلوا، وذلك يوم الخميس. فوجَّه محمد بن سليمان أبا كامل - مولًى لإسماعيل بن عليّ - في نيِّف وعشرين فارسًا، وذلك يوم الجمعة فلقيهم. وكان في أصحابه رجل يقال له زيد، كان انقطع إلى العبّاس، فأخرجه معه حاجًّا لما رأى من عبادته، فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه، وانقلب إليهم، وذلك ببطن مرّ، ثم ظفروا به بعد ذلك مشدّخًا بالأعمدة، فلما كان ليلة السبت وجّهوا خمسين فارسًا، كان أوّل مَنْ ندبوا صباح أبو الذّيال، ثم آخر ثم آخر، فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامسًا، فأتوا المفضّل مولى المهديّ، فأرادوا أن يصيِّروه عليهم، فأبى وقال: لا، ولكن صيِّروا عليهم غيري وأكون أنا معهم، فصيّروا عليهم عبد الله بن حُميد بن رُزين السمرقنديّ - وهو يومئذ شابّ ابن ثلاثين سنة - فذهبوا وهم خمسون فارسًا، وذلك ليلة السبت. فدنا القوم، وزحفت الخيل، وتعبّأ الناس، فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة، ومحمد بن سليمان في الميمنة، وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشدّ ثلاثة من موالي سليمان بن عليّ - أحدهم زنجويه غلام حسان - فجاءوا برأس فطرحُوه قُدّام محمد بن سليمان - وقد كانوا قالوا: مَنْ جاء برأس فله خمسمائة درهم - وجاء أصحاب محمد فعَرْقَبوا الإبل، فسقطت محاملها. فقتلوهم وهزموهم، وكانوا خرجوا من تلك الثَّنايا، فكان الذين خرجوا مِمَا يلي محمد بن سليمان أقلّهم، وكان جلُّهم خرجوا مما يلي موسى بن عيسىوأصحابه، فكانت الصدمة بهم، فلما فرغ محمد بن سليمان ممّن يليه وأسْفروا، نظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى، فإذا هم مجتمعون كأنهم كبّة غَزْل، والتفّت الميمنة والقلب عليهم، وانصرفوا نحو مكّة لا يدرون ما حال الحسين، فما شعروا وهم بذي طُوىً أو قريبًا منها إلا برجل من أهل خراسان، يقول: البشرى البشرى! هذا رأس حُسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولًا، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكان الناس نادوا بالأمان حين فرغوا، فجاء الحسن بن محمد أبو الزّفت مغمِضًا إحدى عينيه، قد أصابها شيء في الحرب، فوقف خلف محمد والعباس، واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس. فأمر به فقتِل، فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضبًا شديدًا. ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق، واحتُزَّت الرؤوس، فكانت مائة رأس ونيِّفًا، فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية. وأخذت أخت الحسين، وكانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان، واختلطت المنهزمة بالحجاج، فذهبوا، وكان سليمان بن أبي جعفر شاكيًا فلم يحضر القتال، ووافى عيسى بن جعفر الحجّ تلك السنة، وكان مع أصحاب حسين رجلٌ أعمى يقصّ عليهم فقتِل، ولم يقتَل أحد منهم صبرًا. قال الحسين بن محمد بن عبد الله: وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة، ومولى لبني عجْل وآخر. قال محمد بن صالح: حدّثني محمد بن داود بن عليّ، قال: حدّثنا موسى بن عيسى، قال: قدمتُ معي بستّة أسارى فقال لي الهادي، هيه! تقتل أسيري! فقلت: يا أمير المؤمنين، إني فكرت فيه فقلت، تجيء عائشة وزينب إلى أمّ أمير المؤمنين، فتبكيان عندها وتكلّمانها، فتكلّم له أمير المؤمنين فيطلقه. ثم قال: هاتِ الأسرى، فقلت: إني جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعَتاق، فقال: ائتني بهم وأمر باثنين فقتلا، وكان الثالث منكرًا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، هذا أعلم الناس بآل أبي طالب، فإن استبقيتَه دَلّك على كل بغية لك، فقال: نعم والله يا أميرَ المؤمنين، إني أرجو أن يكون بقائي صنعًا لك، فأطرق ثم قال: والله لإفلاتُك من يدي بعد أن وقعتَ في يدي لشديد، فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخّر، وأمره أن يكتب له طلبته، وأمّا الآخر فصفح عنه، وأمر بقتلعذافر الصيرفي وعليّ بن السابق القلاس الكوفيّ، وأن يصلبَا، فصلبوهما بباب الجسر، وكانا أُسِرا بفَخّ. وغضب على مبارك التركيّ، وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدوابّ، وغضب على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد، وأمر بقبض أمواله. وقال عبد الله بن عمرو الثلجيّ: حدّثني محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشميّ، قال: حدثّني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، من وقعة فَخّ في خلافة الهادي، فوقع إلى مصر، وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور، وكان رافضيًا خبيثًا، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طَنْجة بمدينة يقال لها وَليلة، فاستجاب له مَنْ به وبأعراضها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلَبه. ويقال: إنّ الرَّشيد الذي ضرب عنقه، وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليماميّ مولى المهديّ، وكتب له كتابًا إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقيَّة، فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبِّب، وأنه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنِس به واطمأنّ إليه، وأقبل الشمّاخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له فنزل عنده بكلّ منزلة. ثم إنه شكا إليه علّةً في أسنانه، فأعطاه سنونًا مسمومًا قاتلًا، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته، فلما طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون، وجعل يردّه في فيه، ويكثِّر منه، فقتله. وطُلِب الشمّاخ فلم يُظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمة الأخبار بموت إدريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرّشيد بذلك، فولَّى الشمّاخ بريد مصر وأجاره، فقال في ذلك بعض الشعراء - أظنه الهنازيّ: أَتَظنّ يا إِدْريسُ أَنَّكَ مُفْلِتٌ ... كيْدَ الخليفةِ أَوْ يُفيدُ فِرارُ فَليُدْرِكنَّكَ أَوْ تحِلَّ بِبَلْدَةٍ ... لا يَهْتَدِي فيها إِلَيك نهارُ إنَّ السُيوفَ إِذا انتضاها سُخْطُهُ ... طالتْ وقَصَّرَ دُونها الأَعمارُ مَلِكٌ كأَنَّ المَوْتَ يَتْبَعُ أَمْرَهُ ... حتى يقال: تُطيعُهُ الأَقدارُ وذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن الحسين بن عليّ لما خرج بالمدينة وعليها العُمَريّ لم يزل العمري متخفِّيًا مقامَ الحسين بالمدينة، حتى خرج إلىمكة. وكان الهادي وجَّه سليمان بن أبي جعفر لولاية الموسم، وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحجّ العباس بن محمد وموسى بن عيسى وإسماعيل بن عيسى بن موسى في طريق الكوفة، ومحمد بن سليمان وعدّة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة، ومن الموالي مبارك التركي والمفضل الوصيف وصاعد مولى الهادي - وكان صاحب الأمر سليمان - ومن الوجوه المعروف يقطين بن موسى وعبيد بن يقطين وأبو الوزير عمر بن مطرّف، فاجتمعوا عند الذي بلغهم من توجّه الحسين ومَنْ معه إلى مكة، ورأسوا عليهم سليمان بن أبي جعفر لولايته، وكان قد جُعل أبو كامل مولى إسماعيل على الطلائع، فلقوه بفخّ، وخلَّفوا عبيد الله بن قُثَم بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها، وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الأمان على ما أحدثوا، وضمن لهم الإحسان إليهم والصلة لأرحامهم، وكان رسولهم في ذلك المفضّل الخادم، فأبوْا قبول ذلك، فكانت الوقعة، فقتل مَنْ قتل، وانهزم الناس، ونودي فيهم بالأمان، ولم يُتبَع هارب، وكان فيمن هرب يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، فأما إدريس فلحق بتاهَرْت من بلاد المغرب، فلجأ إليهم فأعظموه، فلم يزل عندهم إلى أن تُلُطِّف له، واحتِيل عليه، فهلك، وخلفه ابنه إدريس بن إدريس، فهم إلى اليوم بتلك الناحية مالكين لها، وانقطعت عنهم البعوث. قال المفضل بن سليمان: لما بلغ العمريَّ وهو بالمدينة مقتلُ الحسين بفخّ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممنّ خرج مع الحسين، فهدمها وحرَّق النخل، وقبض ما لم يحرقه، وجعله في الصوافي المقبوضة. قال: وغضب الهادي على مبارك التركيّ لِما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة، وأمر بقبض أمواله وتصييره في سياسة دوابه، فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادي، وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبي الزفت، وتَرْكه أن يقدم به أسيرًا، فيكون المحكّم في أمره، وأمَرَ بقبض أمواله، فلم تزل مقبوضة إلى أن تُوفِّيَ موسى. وقدم على موسى ممن أسِر بفَخ الجماعة، وكان فيهم عذافر الصيرفيّ وعليّ بن سابق القلّاس الكوفيّ، فأمر بضرب أعناقهما وصلْبهما بباب الجسر ببغداد، ففُعلِ ذلك. قال: ووجّه مهرويه مولاه إلى الكوفة، وأمره بالتغليظ عليهم لخروج مَنْ خرج منهم مع الحسين.وذكر عليّ بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: حدّثني يوسف الْبَرْم مولى آل الحسن - وكانت أمّه مولاة فاطمة بنت حسن - قال: كنت مع حسين أيام قدم على المهديّ، فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، ووالله ما خرج من الكوفة وهو يملك شيئًا يلبسه إلا فروًا ما تحته قميص وإزار الفراش، ولقد كان في طريقه إلى المدينة، إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم في يومهم. قال عليّ: وحدثني السريّ أبو بشر، وهو حليف بني زهرة، قال: صلَّيتُ الغداة في اليوم الذي خرج فيه الحسين بن عليّ بن الحسن صاحب فخّ، فصلَّى بنا حسين، وصعد المنبر منبر رسول الله ﷺ، فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدَلها من بين يديه ومن خلْفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه، إذ أقبل خالد البربريّ في أصحابه، فلما أراد أن يدخل المسجد بَدَره يحيى بن عبد الله، فشدّ عليه البربريّ، وإني لأنظر إليه، فبدرَه يحيى بن عبد الله، فضربه على وجهه، فأصاب عينيه وأنفه، فقطع البيضة والقلنسوة، حتى نظرتُ إلى قحفْه طائرًا عن موضعه، وحمل على أصحابه فانهزموا. ثم رجع إلى حسين، فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دمًا، فتكلّم حسين، فحمد الله وأثنى عليه، وخطب الناس، فقال في آخر كلامه: يا أيها النَّاس، أنا ابن رسول الله في حرم رسول الله، وفي مسجد رسول الله، وعلى منبر نبيّ الله، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فإن لم أفِ لكم بذلك فلا بيعةَ لي في أعناقكم. قال: وكان أهل الزيارة في عامهم ذلك كثيرًا، فكانوا قد ملؤوا المسجد، فإذا رجل قد نهض، حسن الوجه، طويل القامة، عليه رداءٌ ممشّق، أخذ بيد ابن له شابّ جميل جَلْد، فتخطَّى رقاب الناس، حتى انتهى إلى المنبر، فدنا من حسين، وقال: يا بنَ رسول الله، خرجتُ من بلد بعيد وابني هذا معي، وأنا أريد حجّ بيت الله وزيارة قبر نبيه ﷺ، وما يخطر ببالي هذا الأمر الّذي حدث منك، وقد سمعتُ ما قلتَ، فعندك وفاء بما جعلت على نفسك؟ . قال: نعم، قال: ابسط يدَك فأبايعك، قال: فبايعه، ثم قال لابنه: ادن فبايِعْ. قال: فرأيتُ والله رؤوسهما في الرؤوس بمنىً، وذلك أني حججت في ذلك العام. قال: وحدّثني جماعة من أهل المدينة أنّ مباركًا التركيّ أرسل إلى حسين بنعليّ: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أيسر عليّ من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة، ولكن لابدّ من الإعذار، فبَيّتْني فإني منهزم عنك. فأعطاه بذلك عهدَ الله وميثاقه. قال: فوجَّه إليه الحسين - أو خرج إليه - في نفر يسير، فلما دنوْا من عسكره صاحوا وكبَّرُوا، فانهزم أصحابه حتى لحق بموسى بن عيسى. وذكر أبو المِضْرَحيّ الكلابيّ، قال: أخبرني المفضّل بن محمد بن المفضّل بن حسين بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب، أنّ الحسين بن عليّ بن حسن بن حسن، قال يومئذ في قوم لم يخرجوا معه - وكان قد وعدوه أن يوافوه، فتخلّفوا عنه - متمثِّلًا: من عاذَ بالسّيفِ لَاقَى فُرْصَةً عجَبًا ... مَوْتًا على عجل أو عاش منتصِفا لا تَقرَبوا السَّهلَ إنَّ السَّهلَ يُفسِدُكم ... لَن تُدْركوا المجدَ حتى تضربُوا عُنفا وذكر الفضل بن العباس الهاشميّ أن عبد الله بن محمد المنقريّ حدّثه عن أبيه، قال: دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرَفه من فَخّ، فوجده خائفًا يلتمس عذرًا مِن قتل مَن قتل، فقال له: أصلح الله الأمير! أنشدك شعرًا كتبَ به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن عليّ ﵁؟ قال: أنشدني، فأنشده، فقال: يا أَيّها الراكبُ الغادِي لِطيّتِهِ ... على عُذَافرَةٍ في سَيْرِها قُحَمُ أَبلغْ قرَيشًا على شَحْط المَزارِ بها ... بيْني وبيْنَ الحُسْين اللهُ والرَّحِمُ وَمَوْقِفٍ بِفناء البيْتِ أنْشُدُهُ ... عهْدَ الإِلهِ وَمَا تُرْعَى له الذِّمَمُ عنَّفتمُ قَوْمكم فَخْرًا بأُمِّكُمُ ... أمّ حَصَانٌ لعَمْري بَرَّةٌ كرَمُ هي التي لا يُداني فَضلَها أَحَدٌ ... بنتُ النبيِّ وَخَيْرِ الناسِ قَدْ علموا وفَضلها لكمُ فضلٌ وغيْرُكمُ ... مِنْ قَومكمْ لَهُمُ مِن فضلها قِسَمُ إني لأَعلَمُ أو ظنًّا كعالِمِهِ ... والظنّ يَصْدُقُ أَحيانًا فَيَنْتَظِمُ أَن سوفَ يَتْرُككمْ ما تطلبونَ بها ... قتْلَى تهاداكمُ العِقبان والرّخَمُ يا قَومَنا لا تُشِبّوا الحَربَ إِذ خَمَدَت ... ومَسِّكوا بحِبالِ السِّلْمِ واعْتَصِموا لا ترْكبوا البَغْي إنَّ البغْيَ مَصْرَعَةٌ ... وَإِنَّ شاربَ كأْسِ البغْيِ يتَّخِمُ قَدْ جَرَّبَ الحَرْبَ من قَدْ كان قبلكمُ ... مِنَ القرونِ وقَد بادتْ بهَا الأُمَمُفأَنْصفوا قومكم لا تهلَكوا بذَخًا ... فَرُبَّ ذي بَذخٍ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ قال: فسرِّيَ عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه. وذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى أنّ العلاء حدّثه أن الهاديَ أمير المؤمنين لمّا ورد عليه خلعُ أهل فخّ خَلا ليله يكتب كتابًا بخطّه، فاغتمّ بخلوته مواليه وخاصّته، فدسُّوا غلامًا له، فقالوا: اذهب حتى تنظر إلى أي شيء انتهى الخبر، قال: فدنا من موسى، فلما رآه قال: ما لك؟ فاعتلّ عليه، قال: فأطرق ثم رفع رأسه إليه، فقال: رَقَدَ الأُلَى ليس السُّرَى مِنْ شَأْنِهمْ ... وكفَاهُمُ الإِدْلاجَ من لم يَرْقُدِ وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهليّ، قال: حدثّنا الأصمعيّ، قال: قال محمد بن سليمان ليلة فخّ لعمرو بن أبي عمرو المدنيّ - وكان يرمي بين يديه بين الهدفين: ارمِ، قال: لا والله لا أرمي ولدَ رسول الله ﷺ، إني إنّما صحِبتك لأرمي بين يديك بين الهدَفيْن، ولم أصحبك لأرمي المسلمين. قال: فقال المخزوميّ: ارْمِ، فرمى فما مات إلا بالبَرَص (١). قال: ولما قتِل الحسين بن عليّ وجاء برأسه يقطين بن موسى، فوُضِع بين يدي الهادي، قال: كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقلّ ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم. قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئًا. وقال موسى الهادي: لما قُتل الحسين متمثِّلًا: قدْ أَنصف القارَةَ مَنْ راماها ... إنا إذا ما فِئةً نلقاها *نَرُدُّ أولاها على أخراها*