page 4944, entry [1724]Open original source
نسخة كتاب المهديّ إلى والي البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإنّ أحقّ ما حَمَل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصّهم وعوامّهم في أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما في كتاب الله والاتباع لسنة رسول الله ﷺ، والصّبر على ذلك، والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم، للذي فيه من إقامة حدود الله ومعرفة حقوقه، واتّباع مرضاتِه، وإحراز جَزائه وحسن ثوابه، ولما في مخالفة ذلك والصدود عنه وغلبةالهَوى لغيره من الضلال والخسار في الدُّنيا والآخرة. وقد كان من رأي معاوية بن أبي سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد عبد آل علاج من ثقيف، وادّعائه ما أباه بعد معاوية عامّة المسلمين وكثير منهم في زمانه، لعلمهم بزياد وأبي زياد وأمه من أهل الرضا والفضل والوَرع والعلم، ولم يَدْعُ معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتّباع سنة هادية، ولا قدوة من أئمة الحقّ ماضية، إلَّا الرغبة في هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسنة. والعُجْب بزياد في جَلَده ونفاذه، وما رجا من معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه في سيرته وآثاره وأعماله الخبيثة. وقد قال رسول الله ﷺ: "الولد للفراش وللعاهر الحَجْر"، وقال: "مَن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله منه لا صرفًا ولا عدلًا". ولعمري ما وُلد زياد في حجْر أبي سفيان ولا على فراشه، ولا كان عُبيد عبدًا لأبي سفيان، ولا سميّة أمةً له، ولا كانا في مُلكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب. ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نَصْر بن الحجاج بن عُلاط السُّلمي ومَنْ كان معه من موالي بني المغيرة المخزوميّين وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعدّ لهم معاوية حجَرًا تحت بعض فرشه فألقاه إليهم، فقالوا له: نسوغّ لك ما فعلت في زياد، ولا تسوّغ لنا ما فعلنا في صاحبنا، فقال: قضاء رسول الله ﷺ خير لكم من قضاء معاوية. فخالف معاوية بقضائه في زياد واستلحاقه إياه وما صنَع فيه وأقدم عليه، أمرَ الله جل وعزّ وقضاء رسول الله ﷺ واتّبع في ذلك هواه رغبة عن الحقّ ومجانبة له، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وقال لداود ﵊ وقد أتاه الحكم والنّبوة والمال والخلافة: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) الآية إلى آخرها. فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينَه، وأن يعيذه من غلبةالهوى، ويوفّقه في جميع الأمور لما يحب ويرضى؛ إنَّه سميع قريب. وقد رأى أمير المؤمنين أن يردّ زيادًا ومَنْ كان من ولده إلى أمّهم ونسبهم المعروف ويلحِقهم بأبيهم عبيد؛ وأمهم سميّة، ويتّبع في ذلك قول رسول الله ﷺ، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكان أمير المؤمنين أحَقَّ مَنْ أخذ بذلك وعمل به؛ لقرابته من رسول الله ﷺ واتّباعه آثاره وإحيائه سنَّته، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جلّ وعزّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (١). فاعلم أن ذلك من رأي أمير المؤمنين في زياد، وما كان من ولد زياد فألحقْهم بأبيهم زياد بن عبيد، وأمهم سميّة، واحملهم عليه، وأظهره لمن قِبلَك من المسلمين حتَّى يعرفوه ويستقيم فيهم؛ فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضي البصرة وصاحب ديوانهم بذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب معاوية بن عبيد الله في سنة تسع وخمسين ومائة. فلما وصل الكتاب إلى محمَّد بن سليمان وقّع بإنقاذه، ثم كُلِّم فيهم، فكفّ عنهم؛ وقد كان كتب إلى عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان النميريّ بمثل ما كتب به إلى محمَّد، فلم ينفذه لموضعه من قيس، وكراهته أن يخرج أحد من قومه إلى غيرهم. * * * وشخص مع المهديّ في هذه السنة ابنه هارون وجماعة من أهل بيته؛ وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود، على منزلته التي كانت له عنده، فأتاه حين وافى مكة الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي استأمن له يعقوب من المهدي على أمانه، فأحسن المهديّ صلته وجائزته، وأقطعه مالًا من الصّوافِي بالحجاز (٢).وفيها نزع المهديّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة؛ وذلك أن حَجَبة الكعبة - فيما ذكر - رفعوا إليه أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر أن يُكشف عنها ما عليها من الكسوة حتَّى بقيت مجرّدة، ثم طُلِي البيت كله بالخَلُوق، وذُكر أنهم لما بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجًا ثخينًا جيدًا، ووجدوا كسوة مَنْ قبله عامّتها من متاع اليمن (١). وقسم المهديّ في هذه السنة بمكة في أهلها - فيما ذكر - مالًا عظيمًا، وفي أهل المدينة كذلك؛ فذكر أنَّه نُظر فيما قسم في تلك السفرة فوُجد ثلاثين ألف ألف درهم، حُملت معه، ووصلت إليه من مصر ثلثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فقسّم ذلك كلّه. وفرّق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسّع في مسجد رسول الله ﷺ، وأمر بنزع المقصورة التي في مسجد رسول الله ﷺ فنزعت، وأراد أن ينقص منبر رسول الله ﷺ فيعيده إلى ما كان عليه، ويلقي منه ما كان معاوية زاد فيه؛ فذكر عن مالك بن أنس أنَّه شاور في ذلك، فقيل له: إن المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية، وفي الخشب الأوَّل وهو عتيق، فلا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن يتكسّر، فتركه المهديّ. وأمر أيَّام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرسًا له بالعراق وأنصارًا، وأجرى عليهم أرزاقًا سوى أعطياتِهم، وأقطعهم عند قدومهم معه ببغداد قطيعة تعرف بهم. وتزوج في مقامه بها برقيَّة بنت عمرو العثمانية (٢). وفي هذه السنة حمل محمَّد بن سليمان الثلج للمهديّ، حتَّى وافى به مكّة، فكان المهديّ أوّل من حُمل له الثلج إلى مكّة من الخلفاء (٣). وفيها ردّ المهديّ على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التي كانت مقبوضة عنهم. * * *