page 4373, entry [1613]Open original source
ذكر الخبر عن سبب خلافته وكان بدء ذلك - فيما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه أعلم العباس بن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى ولده، فلم يزل ولدهُ يتوقّعون ذلك، ويتحدّثون به بينهم (١). وذكر عليّ بن محمد أن إسماعيل بن الحسن حدّثه عن رشيد بن كُريب، أنّ أبا هاشم خرج إلى الشام، فلقي محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، فقال: يا بن عمّ، إن عندي عِلْمًا أنبذه إليك فلا تطلعنّ عليه أحدًا؛ إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس، فيكم، قال: قد علمتُ فلا يسمعنَّه منك أحد (٢). قال عليّ: وأخبرنا سليمان بن داود، عن خالد بن عجلان، قال: لما خالف ابن الأشعث، وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتْق من سِجِسْتَان فليس عليك بأس؛ إنما كنا نتخوّف لو كان من خراسان. وقال عليّ: أخبرنا الحسن بن رُشيد وجبلة بن فرّوخ التاجيّ ويحيى بن طفيل والنعمان بن سريّ وأبو حفص الأزدي وغيرهم أن الإمام محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بن معاوية، ورأس المئة وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم يُقبِل أنصارنا من المشرق حتى تردَ خيولهم المغرب، ويستخرجوا ما كنز الجبّارون فيها. فلمّا قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقيَة، ونقضت البربر، بعث محمد بن عليّرجلًا إلى خُراسان، وأمره أن يدعوَ إلى الرضا، ولا يسمّي أحدًا (١). وقد ذكرنا قَبْلُ خبر محمد بن عليّ، وخبر الدّعاة الذي وجههم إلى خُراسان، ثم مات محمد بن عليّ وجعل وصيّه من بعده ابنه إبراهيم؛ فبعث إبراهيم بن محمد إلى خُراسان أبا سَلمة حفص بن سليمان مولى السَّبيع، وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبِلوا كتبه وقام فيهم، ثم رجع إليه فردّه ومعه أبو مسلم، وقد ذكرنا أسر أبي مسلم قَبْلُ وخبره. ثم وقع في يد مَرْوان بن محمد كتاب لإبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم، جواب كتاب لأبي مسلم يأمره بقتل كل مَن يتكلم بالعربيّة بخراسان، فكتب مَرْوان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبَلْقاء أن يسيرَ إلى الحُميمة (٢) ويأخذ إبراهيم بن محمد يوجِّه به إليه، فذكر أبو زيد عمر بن شبَّة أن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب حدّثه عن عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: إني مع أبي جعفر بالحُميمة ومعه ابناه محمد وجعفر، وأنا أرقّصهما، إذ قال لي: ماذا تصنع؟ أما ترى إلى ما نحن فيه! قال: فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد، قال: فقلت: دعْني أخرج إليهم، قال: تخرج من بيتي وأنت ابن عمار بن ياسر! قال: فأخذوا أبواب المسجد حين صلوا الصبح، ثم قالوا للشاميّين (٢) الذي معهم: أين إبراهيم بن محمد؟ فقالوا: هو ذا، فأخذوه؛ وقد كان مروان أمرهم بأخْذِ إبراهيم، ووصف لهم صفة أبي العباس التي كان يجدها في الكتب أنه يقتلهم؛ فلما أتوه بإبراهيم، قال: ليس هذه الصّفة التي وصفت لكم، فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، فردّهم في طلبه، ونُذروا، فخرجوا إلى العراق هُرّابًا. قال عمر: وحدّثني عبد الله بن كثير بن الحسن العبديّ، قال: أخبرني عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: بعث مَرْوان بن محمد رسولًا إلى الحُميمة يأتيهبإبراهيم بن محمد، ووصف له صفتَه (١) فقدم الرّسُول فوجد الصفة صفة أبي العباس عبد الله بن محمد، فلما ظهر إبراهيم بن محمد وأمن قيل للرسول: إنما أمِرت بإبراهيم؛ وهذا عبد الله! فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به، قال: فشخصت معه أنا وأناس من بني العباس ومواليهم، فانطلق بإبراهيم، ومعه أمّ ولد له كان بها معجبًا، فقلنا له: إنما أتاك رجل، فهلمّ فلنقتله ثم ننكفئ إلى الكوفة، فهمْ لنا شيعة، فقال: ذلك لكم، قلنا: فأمهِلْ حتى نصيرَ إلى الطريق التي تُخْرِجُنا إلى العراق. قال: فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعّب إلى العراق، وأخرى إلى الجزيرة، فنزلنا منزلًا؛ وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أمّ ولده، فأتينا للأمر الذي اجتمعنا عليه، فصرَخْنا به، فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده، وقالت: هذا وقت لم تكن تخرج فيه؛ فما هاجك! فالتوى عليها، فأبت حتى أخبرها، فقالت: أنشدك الله أن تقتلَه فتشأم أهلك! والله لئن قتلته لا يُبقي مروانُ من آل العباس أحدًا بالحُميمة إلّا قتله؛ ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل، ثم خرج إلينا وأخبرنا، فقلنا: أنت أعلم. قال عبد الله: فحدثني ابن لعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان، عن أبيه، قال: قلت لمروان بن محمد: أتتّهمني؟ قال: لا. قلتُ: أفيَحُطُّك صهرُه؟ قال: لا، قلت: فإني أرى أمره ينبغ عليك فأنكِحْه وأنكح إليه، فإن ظهر كنتَ قد أعلقتَ بينك وبينه سببًا لا يريبك معه، وإن كفيته لم يشنْك صهره. قال: ويحك! والله لو علمته صاحب ذلك لسبقتُ إليه، ولكن ليس بصاحب ذلك (٢). وذكر أن إبراهيم بن محمد حين أخِذ للمضيّ به إلى مروان نعى إلى أهل بيته حين شيّعوه نفسَه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد، وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العباس، وجعله الخليفة بعده؛ فشخص أبو العباس عند ذلك ومَنْ معه من أهل بيته؛ منهم عبد الله بن محمد وداود بن عيسى، وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو عليّ ويحيى بنمحمد وعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام؛ حتى قدموا الكوفة في صَفَر، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سَعْد مولى بني هاشم في بني أوْد، وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة. وأراد - فيما ذكر - أبو سلمة تحويلَ الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ جبلة بن فرُّوخ وأبا السريّ وغيرهما قالا: قدم الإمام الكوفة في ناس من أهل بيته، فاختفوا، فقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد، فألحّ عليه يسأله، قال: قد أكثرتَ السؤال، وليس هذا وقت خروجه فكانوا بذلك، حتى لقي أبو حُميد خادمًا لأبي العباس، يقال له سابق الخوارزميّ، فسأله عن أصحابه، فأخبره أنهم بالكوفة، وأنّ أبا سلمَة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبي الجَهْم، فأخبره خبرهم، فسرّح أبو الجهم أبا حُميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع وجاء معه إبراهيم ابن سلمَة (رجل كان معهم)، فأخبر أبا الجهم عن منزِلهم ونزول الإمام في بني أوْد، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حُميد وإبراهيم إلى موسى بن كعْب، وقصُّوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام بمئتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمَة، فسأله عن الإمام، فقال: ليس هذا وقت خروجه؛ لأن واسطًا لم تفتح بعد، فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن رِبْعيّ وسلمَة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشَراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حُميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام، فبلَغ أبا سلمة، فسأل عنهم فقيل: ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم. وأتى القومُ أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا: أيّكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة؛ فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم الآخرين؛ فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبتُ إلى إمامي. فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أنَّ أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده؛ فلما انتهىإليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحدٌ، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس. وخرج أبو العباس على بِرْذَوَن أبْلَق يوم الجمعة، فصلّى بالناس، فأخبرنا عَمارة مولى جبرئيل وأبو عبد الله السُّلميّ أن أبا سلمة لما سلَّم على أبي العباس بالخلافة، قال له أبو حُميد: على رَغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه! فقال له أبو العباس: مَهْ! (١). وذكر أنّ أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة، قام في أعلَاه، وصعد داود بن عليّ فقام دونه، فتكلم أبو العباس، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الِإسلام لنفسه تكرمة، وشرَّفه وعظَّمه، واختاره لنا وأيّده لنا، وجعلنا أهله وكهْفه وحصنه والقوّام به، والذابين عنه والناصرين له، وألزمَنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحمِ رسول الله ﷺ وقرَابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نَبْعته؛ جعله من أنفسنا عزيزًا عليه ما عَنِتْنَا، حريصًا علينا بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابًا يُتْلَى عليهم، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٥) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٦) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا، وفضلًا علينا، والله ذو الفضل العظيم.وزعمت السبئيّة الضُّلال، أن غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيّها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هَلَكتهم، وأظهر بنا الحقّ، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة، وتمَّ بنا النقيصة، وجمع الفُرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخوانًا على سرُر متقابلين في آخرتهم؛ فتح الله ذلك منّةً ومنحةً لمحمد ﷺ فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحوَوْا مواريث الأمم، فعدّلوا فيها ووضعُوها مواضعها، وأعطوْها أهلها، وخرجوا خماصًا منها. ثم وثب بنو حَرْب ومَرْوان، فابتزّوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنَا، وتدارك بنا أمّتنا، وولي نصرَنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألّا يأتيَكم الجوْر من حيث أتاكم الخيرُ، ولا الفسادُ من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودَّتنا. أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولمَ يُثنكِم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم؛ حتى أدركتُم زماننا، وأتاكم الله بدَوْلتِنا؛ فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا؛ وقد زدتُكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدُّوا، فأنا السفاح المبِيح، والثائر المبير. وكان موعوكًا فاشتدّ به الوعَك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال: الحمد لله شكرًا شكرًا شكرًا، الذي أهلَك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد ﷺ. أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزَعه، ورجع الحق إلى نصابه؛ في أهل بيت نبيِّكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف عليكم. أيها الناس، إنا والله ما خرجْنا في طلب هذا الأمرِ لنكثر لُجيْنًا ولا عقيانًا، ولا نحفرَ نَهْرًا، ولا نبني قصرًا؛ وإنما أخرَجنا الأنَفةُ من ابتزازهم حقَّنا،والغَضَبُ لبني عمنا، وما كرَثَنا من أموركم، وبَهظَنَا من شؤونكم، ولقد كانت أموركم تُرِمضُنا ونحن على فُرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخُرْقهم بكم، واستذلالهم لكم، واستئثارُهم بفَيْئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. لكم ذمة الله ﵎، وذمة رسوله ﵌، وذمة العبّاس ﵀؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامَّة منكم والخاصَّة بسيرة رسول الله ﷺ. تبًا تبًا لبني حَرْب بن أمية وبني مَرْوان! آثروا في مُدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدارَ الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغَشُوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنّتهم في البلاد التي بها استلذُّوا تسربُل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنَّة المعاصي، وركضوا في ميادين الغيّ، جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتًا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزِّقوا كل ممزّق، فبعدًا للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غرّه بالله الغرور، أرسل لعدوِّ الله في عنانه حتى عثر في فضل خِطامه، فظنَّ عدوّ الله أن لن نقدِر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مَكْر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلالَه، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفَنَا وعزّنا، وردّ إلينا حقنا وإرثنا. أيها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصرًا عزيزًا، إنما عاد إلى المنبر بعد الصَّلاة؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدّة الوَعْك، وادْعُوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدوِّ الرحمن خليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشابَّ المكهّل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى. فعج الناس له بالدعاء ثم قال: يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا لمظلومين مقهورين على حقِّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حَقَّنَا، وأفلج بهم حجّتنا، وأظهر بهمدولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، وإليه تتشوّفون، فأظهر فيكم الخليفةَ من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان، وعز الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة. فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تُخْدَعوا عن أنفسكم فإن الأسر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصرًا؛ وإنكم مصرُنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ﷺ إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم ﵇، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو العباس وداود بن عليّ أمامه؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البَيْعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم، حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب وجنّهم الليل فدخل (١). وذكر أن داود بن عليّ وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشُّراة فلقيَهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن عليّ وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ونفر من مواليهم بدَوْمة الجندل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ وما قِصّتكم؟ فقصّعليه أبو العباس قِصّتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها، ويظهروا أمرهم، فقال له داود: يا أبا العباس، تأتي الكوفة وشيخ بني مروان؛ مَرْوان بن محمد بحرّان مطلٌّ على العراق في أهل الشأم والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حلْبة العرب! فقال أبو الغنائم: من أحبَّ الحياة ذلَّ ثم تمثل بقول الأعشى: فما ميتَةٌ إن مِتُّها غيرَ عاجز ... بعارِ إذا ما غالتِ النفسَ غُولُها فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزَّاء أو نمت كرامًا، فرجعوا جميعًا، فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحُميمة يريدون الكوفة: إن نفرًا أربعة عشر رجلًا خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبَنا، لعظيمٌ همّهم كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. [٧/ ٤٢١ - ٤٢٩]. * * *