Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

خبر مقتل زيد بن على

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4209, entry [1587]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: خبر مقتل زيد بن على
page 4209, entry [1587]Open original source
خبر مقتل زيد بن عليّ فمن ذلك مقتل زيد بن عليّ. ذكر الخبر عن ذلك: ذكرَ هشام عن أبي مخنف، أنّ زيد بن عليّ لما أمرَ أصحابه بالتأهّب للخروج والاستعداد، أخذ مَن كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك، فانطلق سليمان بن سُراقة البارقيّ إلي يوسف بن عمر، فأخبره خبره، وأعلمه أنه يختلف إلي رجل منهم يقال له عامر، وإلي رجل من بني تميم يقال له طُعْمَة؛ ابن أختٍ لبارق؛ وهو نازل فيهم، فبعث يوسف يطلب زيد بن عليّ في منزلهما فلم يوجد عندهما، وأخِذ الرّجلان، فأتيَ بهما، فلما كلَّمهما استبان له أمرُ زيد وأصحابه، وتخوّف زيد بن عليّ أن يُؤخذ، فتعجّل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، قال: وعلي أهل الكوفة يومئذ الحكَم بن الصلْت، وعلي شُرَطه عمرو بن عبد الرحمن، (رجل من القارة)؛ وكانت ثقيف أخواله؛ وكان فيهم ومعه عبيد الله بن العباس الكنديّ، في أناس من أهل الشأم، ويوسف بن عمر بالحيرة، قال: فلما رأي أصحابُ زيد بن عليّ الذين بايعوه أنّ يوسف بن عمر قدبلغه أمر زيد، وأنه يدسّ إليه، ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم، فقالوا: رحمَك الله! ما قولك، في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرًا، قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل هذا البيت إلّا أن وثبا علي سلطانكم فنزعاه من أيديكم! فقال لهم زيد: إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم أنّا كنا أحقّ بسلطان رسول الله ﷺ من الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا، قد وُلّوا فعَدَلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء! وإن كان أولئك لم يظلموك، فلمَ تدعو إلي قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: وإنّ هؤلاء ليسوا كأولئك؛ إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم؛ وإنما ندعوكم إلي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وإلي السنن أن تُحيا، وإلي البِدَع أن تُطفأ؛ فإن أنتم أجبتمونا سعِدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل، ففارقوه ونكثوا بيعتَه، وقالوا: سبق الإمام- وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن عليّ أخا زيد بن عليّ هو الإمام -وكان قد هلك يومئذ- وكان ابنه جعفر بن محمد حيًا، فقالوا: جعفر إمامنا اليومَ بعد أبيه؛ وهو أحق بالأمر بعد أبيه؛ ولا نتبَع زيد بن عليّ فليس بإمام. فسمّاهم زيد الرّافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذي سماهم الرافضة المغيرة (١) حيث فارقوه، وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مرّوا إلي جعفر بن محمد بن عليّ، فقالوا له: إن زيد بن عليّ فينا يبايع؛ أفتري لنا أن نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه، فهو والله أفضلُنا وسيدنا وخيرُنا فجاؤوا، فكتموا ما أمرهم به. قال: واستتبّ لزيد بن عليّ خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة. وبلغ يوسفَ بن عمر أنّ زيدًا قد أزمع علي الخروج، فبعث إلي الحكَم بن الصلت، فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرُهم فيه، فبعث الحكم إلي العُرَفاء والشُّرط والمناكب (٢) والمقاتلة، فأدخلهم المسجد، ثم نادي مناديه: ألا إنّ الأمير يقول: مَنْ أدركناه في رحلة فقد برئت منه الذّمّة؛ ادخلواالمسجد الأعظم، فأتي الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيدًا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج ليلًا، وذلك ليلة الأربعاء، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق، فرفعوا الهراديّ (١) فيها النيران ونادوا: يا منصور أمتْ، أمتْ يا منصور، فكلما أكلت النار هُرْديًّا رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتي طلع الفجر؛ فلما أصبحوا بعث زيد بن عليّ القاسم التِّنْعيّ ثم الحضرميّ ورجلًا آخر من أصحابه، يناديان بشعارهما، فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكنِديّ، فشدُّوا عليه وعلي أصحابه، فقتِل الرجل الذي كان مع القاسم التِّنعيّ، وارتُثّ القاسم، فأتِيَ به الحكم، فكلمه فلم يردّ عليه شيئًا، فأمر به فضربتْ عُنُقه على باب القصر؛ فكان أوّل مَنْ قتِل من أصحاب زيد بن عليّ هو وصاحبه، وأمر الحكم بن الصلت بدروب (٢) السوق فغلقت، وغلقت أبواب المسجد علي أهل الكوفة، وعلى أرباع الكوفة يومئذ؛ على رُبْع أهل المدينة إبراهيم بن عبد الله بن جرير البجليّ، وعلى مَذْحج وأسد عمرو بن أبي بذْل العبديّ، وعلى كِنْدة وربيعة المنذر بن محمد بن أشدث بن قيس الكنديّ، وعلى تميم همْدان محمد بن مالك الهمْدانيّ ثم الخَيْوانيّ. قال: وبعث الحكم بن الصّلت إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر، فأمر يوسف مناديه فنادي في أهل الشأم: مَنْ يأتي الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبَرهم؟ فقال جعفر بن العباس الكنديّ: أنا، فركب في خمسين فارسًا، ثم أقبل حتي انتهي إلي جبّانة سالم السَّلوليّ، فاستخبرهم، ثم رجع إلي يوسف بن عمر فأخبره، فلما أصبح خرج إلي تلّ قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس؛ وعلي شُرْطته يومئذ العباس بن سعيد المُزَنيّ، فبعث الرّيان بن سلَمة الإراشيّ في ألفين ومعه ثلثمئة من القِيقانيّة رُجّالًا معهم النُّشاب. وأصبح زيد بن عليّ، فكان جميعُ مَنْ وافاه تلك الليلة مئتي رجل وثمانيةعشر رجلًا، فقال زيد: سبحان الله! أين الناس! فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا والله ما هذا لمن بايَعنا بعذر، وسمع نصر بن خزيمة النداء، فأقبل إليه، فلقي عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصّلت في خيله من جُهينة عند دار الزّبير بن أبي حكمة في الطريق الذي يخرج إلي مسجد بني عدّي، فقال نصر بن خزيمة، يا منصور أمتْ؛ فلم يردّ عليه شيئًا، فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عمر بن عبد الرحمن، وانهزم مَن كان معه، وأقبل زيد بن عليّ من جبّانة سالم حتي انتهي إلي جبّانة الصائديّين، وبها خمسمئة من أهل الشأم، فحمل عليهم زيد بن عليّ فيمن معه فهزمهم، وكان تحت زيد بن عليّ يومئذ بِرْذَوْن أدْهَم بهيم؛ اشتراه رجل من بني نَهْد بن كهمس بن مروان النجّاريّ بخمسة وعشرين دينارًا، فلما قتِل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بن الصّلت. قال: وانتهي زيد بن عليّ إلي باب دار رجل من الأزْد، يقال له أنس بن عمرو -وكان فيمن بايعه- فنودي وهو في الدار فجعل يجيب، فناداه زيد يا أنَس: اخرج إليّ رحمك الله، فقد جاء الحق وزهقالباطل، إن الباطل كان زهوقًا، فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم! قال: ثم إنّ زيدًا مضي حتي انتهي الكُناسة، فحمل علي جماعة بها من أهل الشأم فهزمهم؛ ثم خرج حتي ظهر إلي الجبّانة ويوسف بن عمر علي التلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه حِزام بن مرة المزنيّ وزمزم بن سُلَيم الثعلبيّ؛ وهما علي المجفّفة، ومعه نحو من مئتي رجل؛ والله لو أقبل علي يوسف لقتله، والريّان بن سلَمة يتْبع أثر زيد بن عليّ بالكوفة في أهل الشأم. ثم إن زيدًا أخذ ذات اليمين علي مصلّي خالد بن عبد الله حتي دخل الكوفة، وكانت فرقة من أصحاب زيد بن عليّ حيث وجّه إلي الكُناسة قد انشعبتْ نحو جبّانة مِخْنف بن سُلَيم، ثم قال بعضهم لبعض: ألا ننطلق نحو جَبانةِ كنْدة! قال: فما زاد الرّجل علي أن تكلم بهذا الكلام. وطلع أهلُ الشأم؛ فلما رأوهم دخلوا زُقاقًا فمضَوْا فيه، وتخلّف رجل منهم، فدخل المسجد فصلي فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة، ثم إنهم صرَعُوه، فجعلوا يضربونه بأسيافهم؛ فنادي رجل منهم مقنَّع بالحديد: أن اكشفوا المِغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد؛ ففعلوا؛ وقتِل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل، وانصرف أهلالشأم؛ وقد اقتطعوا رجلًا، ونجا سائرهم، فذهب ذلك الرّجل حتي دخل دار عبد الله بن عَوْف، فدخل أهل الشأم عليه فأسروه، فذهب به إلي يوسف بن عمر فقتله. قال: وأقبل زيد بن عليّ، وقد رأي خِذلان الناس إيّاه، فقال: يا نصر بن خزيمة، أتخاف أن يكون قد جعلوها حسينيّة! فقال له: جعلني الله لك الفداء! أما أنا فوالله لأضربنّ معك بسيفي هذا حتي أموت؛ فكان قتاله يومئذ بالكوفة. ثم إن نصر بن خزيمة قال لزيد بن عليّ: جعلني الله لك الفداء! إنّ الناس في المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عَرْفطة، وبلغ عبيدَ الله بن العباس الكنديّ إقبالُه، فخرج في أهل الشأم، وأقبل زيد فالتقوْا علي باب عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فكعّ (١) صاحب لواء عبيد الله -وكان لواؤه مع سلمان مولاه- فلما أراد عبيد الله الحملة ورآه قد كعّ عنه، قال: احمل يا بن الخبيثة! فحمل عليهم، فلم ينصرف حتي خُضِّب لواؤه بالدّم. ثم إن عبيد الله برز فخرج إليه واصل الحنّاط، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحول: خذها منّي وأنا الغلام الحنّاط! وقال الآخر: قطع الله يدي إن كِلْتَ بقفيزٍ أبدًا. ثم ضربه فلم يصنع شيئًا، وانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابُه، حتي انتهوْا إلي دار عمرو بن حُرَيث، وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوْا إلى باب الفيل، فجعل أصحابُ زيد يُدخلون راياتِهم من فوق الأبواب، ويقولون: يا أهلَ المسجد، اخرجوا، وجعل نصر بن خُزَيمة يناديهم، ويقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذلّ إلى العزّ، اخرجوا إلى الدين والدنيا؛ فإنكم لستم في دين ولا دنيا، فأشرف عليهم أهلُ الشام، فجعلوا يرمُونهم بالحجارة من فوق المسجد -وكان يومئذ جمع كبير بالكوفة في نواحيها، وقيل في جبّانة سالم- وانصرف الريّان بن سلَمة إلى الحيرة عند المساء، وانصرف زيد بن عليّ فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق، فأتاه الريّان بن سلمة، فقاتله عند دار الرزق قتالًا شديدًا، فجرح من أهل الشأم وقتِل منهم ناس كثير،وتبعهم أصحاب زيد من دار الرّزق؛ حتى انتهوْا إلى المسجد؛ فرجع أهلُ الشأم مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنًّا؛ فلما كان من الغد غداة يوم الخميس، دعا يوسف بن عمر الريّان بن سَلمة، فلم يوجَد حاضرًا تلك الساعة. وقال بعضُهم: بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفَّفَ به، وقال له: أفٍّ لك من صاحب خيل! اجلس، فدعا العباس بن سعيد المُزنيّ صاحب شرطته، فبعثه في أهل الشأم، فسار حتى انتهى إلى زيد بن عليّ في دار الرزق، وثَمّ خشب للتجار كثير، فالطريق متضايق، وخرج زيد في أصحابه، وعلى مجنَّبتيه نصر بن خزيمة العبسيّ ومعاوية بن إسحاق الأنصاريّ، فلما رآهم العباس -ولم يكن معه رجال- نادي: يا أهلَ الشأم، الأرضَ والأرضَ! فنزل ناسٌ كثير ممن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في المعركة، وقد كان رجل من أهل الشأم من بني عَبْس يقال له نائل بن فَرْوة قال ليوسف بن عمر: والله لئن أنا ملأتُ عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنّه أو ليقتلنّي، فقال له يوسف: خذ هذا السيف، فدفع إليه سيفًا لا يمرّ بشيء إلا قطعه، فلما التقي أصحاب العباس بن سعيد وأصحاب زيد واقتتلوا، بصُر نائل بن فروة بنصر بن خزيمة، فأقبل نحوه، فضرب نصرًا فقطع فَخِذه، وضربه نصر ضربةً فقتله؛ فلم يلبث نصر أن مات، واقتتلوا قتالًا شديدًا. ثم إن زيد بن عليّ هزمهم وقتل من أهل الشأم نحوًا من سبعين رجلًا، فانصرفوا وهم بشرّ حال، وقد كان العباس بن سعيد نادي في أصحابه أن اركبوا؛ فإن الخيل لا تطيق الرجال في المضِيق فركبوا، فلما كان العشيّ عبّأهم يوسف بن عمر ثم سرّحهم، فأقبلوا حتى التقوْا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلي السَّبَخة، ثم شدّ عليهم بالسبَخة حتى أخرجهم إلي بني سُليم، ثم تبعهم في خيله ورجاله: حتى أخذوا علي المسنّاة (١). ثم إنّ زيدًا ظهر لهم فيما بين بارق ورُؤَاس، فقاتلهم هنالك قتالًا شديدًا. وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبي مالك بن مسروح، من بني سعد بن زيد، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان مسروح السعديّ تزوّجصفية بنت العباس بن عبد المطلب، فجعلت خيلُهم لا تثبُت لخيله ورجله، فبعث العباس إلي يوسف بن عمر يعلمه ذلك، فقال له: ابعث إليّ الناشبة، فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبيّ في القِيقانيّة والبُخاريّة؛ وهم ناشبة، فجعلوا يرمون زيدًا وأصحابه، وكان زيد حريصًا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السَّبَخة، فأبوْا عليه، فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاريّ بين يدي زيد بن عليّ قتالًا شديدًا، فقتل بين يديه، وثبت زيد بن عليّ ومَنْ معه حتى إذا جنح الليل رُمِيَ بسهم فأصاب جانب جَبهته اليسري، فتشبّث في الدّماغ، فرجع ورجع أصحابه؛ ولا يظنُّ أهلُ الشأم أنهم رجعوا إلا للمساء والليل. قال: فحدّثني سلمة بن ثابت الليثيّ -وكان مع زيد بن عليّ، وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ، هو وغلام لمعاوية بن إسحاق- قال: أقبلتُ أنا وصاحبي نقصُّ أثر زيد بن عليّ، فنجدهُ قد أنزل؛ وأدخل بيت حَرّان بن كريمة (مولى لبعض العرب في سكّة البريد في دُور أرْحَب وشاكر). قال سلمة بن ثابت: فدخلت عليه، فقلت له: جعلني الله فداك أبا الحسين! وانطلق أصحابهُ فجاؤوا بطبيب يقال له شُقَير (مولىً لبني رُؤاس) فانتزع النَّصل من جبهته، وأنا أنظر إليه، فوالله ما عدا أن انتزعه جعل يصيح، ثم لم يلبث أن قضى؛ فقال القوم: أين ندفُنه، وأين نواريه؟ فقال بعض أصحابه: نلبّسه درعَه ونطرحُه في الماء، وقال بعضهم: بل نحتزّ رأسَه ونضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: لا بل نحمله إلى العباسيّة فندفنه. قال سلمة: فأشرتُ عليهم أن ننطلق به إلي الحُفْرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها، فقبلوا رأي وانطلقنا، وحفرنا له بين حُفْرتَين، وفيه حينئذ ماء كثير؛ حتى إذا نحن أمكنّا له دفناه، وأجرينا عليه الماء، وكان معنا عبد له سنديٌّ، قال: ثم انصرفنا حتى نأتي جبّانة السبجع، ومعنا ابنه، فلم نزل بها، وتصدّع الناس عنا، وبقيت في رهط معه لا يكونون عشرة، فقلت له: أين تريد؟ هذا الصبح قد غشيك -ومعه أبو الصّبَّار العبديّ- قال: فقال: النّهرين، فظننتُ أنه يريد أن يتشطّط الفرات ويقاتلهم- فقلتُ له: لا تبرح مكانَك، تقاتلهم حتى تُقتل، أو يقضي الله ما هو قاض. فقال لي: أنا أريد نهرَيْ كربلاء. فقلت له: فالنّجاء قبل الصبح، فخرج من الكوفة، وأنا معه وأبو الصبّارورهط معنا، فلمّا خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذّنين، فصلينا الغَداة بالنُّخيلة، ثم توجَّهنا سراعًا قِبَل نِينَوَي، فقال لي: إني أريد سابقًا مولي بشر بن عبد الملك بن بِشْر، فأسرع السير، وكنتُ إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعَمُ الأرغفة فأطعِمها إياه، فيأكل ونأكل معه، فانتهينا إلي نِينَوَي وقد أظلمنا، فأتينا منزل سابق، فدعوتُ علي الباب، فخرج إلينا فقلت له: أما أنا فآتي الفيّوم، فأكون به؛ فإذا بدا لك أن ترسل إليّ فأرسل، قال: ثم إني مضيت وخلّفته عند سابق؛ فذلك آخر عهدي به. قال: ثم إن يوسف بن عمر بعث أهل الشأم يطلبون الجرحَي في دور أهل الكوفة، فكانوا يخرجون النساء إلي صحن الدار، ويطوفون البيت يلتمسون الجرحَي. قال: ثم دلّ غلام زيد بن علي السنديُّ يوم الجمعة علي زيد، فبعث الحكم بن الصَّلت العباسَ بن سعيد المزنيّ وابن الحكم بن الصَّلت، فانطلقا فاستخرجاه، فكرِه العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بن الصّلت، فتركه وسرّح بشيرًا إلى يوسف بن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بن عليّ مع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عَقيل، فقال أبو الجُويرية مولي جُهَينة: قُلْ للذينَ انتهكوا المحارمْ ... ورفعوا الشَّمْعَ بصَحْرا مالِمْ كيف وَجَدْتُمْ وقعةَ الأَكارمْ ... يا يوسفَ بنَ الحكمِ بن القاسم! قال: ولما أتي يوسفَ بن عمر البشيرُ، أمر يزيد فصلب بالكُناسة، هو ونصر بن خُزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ وزياد النهديّ؛ وكان يوسف قد نادي: مَن جاء برأسٍ فله خمسمئة درهم، فجاء محمد بن عبّاد برأس نصر بن خُزيمة، فأمر له يوسف بن عمر بألف درهم، وجاء الأحول مولي الأشعريّين برأس معاوية بن إسحاق؛ فقال: أنت قتلتَه؟ فقال: أصلح الله الأمير! ليس أنا قتلته؛ ولكني رأيتُه فعرفته، فقال: أعطوه سبعمئة درهم، ولم يمنعه أن يتمّ له ألفًا، إلّا أنه زَعم أنه لم يقتله. وقد قيل: إنّ يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلي الكوفة بعدما شخص إلّا بإعلام هشام بن عبد الملك إياه. وذلك أن رجلًا من بني أمية كتب -فيما ذكر- إلى هشام، يذكر له أمر زيدٍ، فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجهّله، ويقول: إنك لغافل، وزيد غارز ذَنبه بالكوفة يبايَع له فألححْ فيطلبه، فأعطِه الأمان فإن لم يقبل فقاتله، فكتب يوسف إلي الحَكم بن الصّلت من آل أبي عَقيل وهو خليفته علي الكوفة بطلبه، فطلبه فخفيَ عليه موضعَهُ، فدسّ يوسف مملوكًا خُراسانيًّا ألكَن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأميره أن يلطف لبعض الشّيعة فيخبره أنه قد قدم من خُراسان حبًّا لأهل البيت، وأنّ معه مالًا يريد أن يقوّيَهم به؛ فلم يزل المملوك يلقَي الشيعة، ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه علي زيد، فخرج فدَلّ يوسف علي موضعه، فوجّه يوسف إليه الخيل، فنادي أصحابه بشعارهم، فلم يجتمع إليه منهم إلا ثلثمئة أو أقلّ، فجعل يقول: كان داود بن عليّ أعلم بكم؛ قد حذّرني خِذلانكم فلم أحذر! . وقيل: إنّ الذي دَلّ علي موضع زيد الذي كان دُفن فيه -وكان دفن في نهر يعقوب فيما قيل، وكان أصحابُه قد سَكروا (١) النهر ثم حفروا له في بطنه، فدفنوه في ثيابه، ثم أجْروا عليه الماء- عَبْدٌ قصَّار كان به، فاستجعل جُعلًا علي أن يدلَّهم علي موضعه، ثم دلّهم، فاستخرجوه، فقطعوا رأسَه، وصلبوا جسده، ثم أمروا بحراسته لئلا يُنزل، فمكث يُحرَس زمانًا. وقيل إنه كان فيمن يحرُسه زهير بن معاوية أبو خيثمة، وبُعث برأسه إلي هشام فأمر به فنصِب علي باب مدينة دمشق، ثم أرسِل به إلي المدينة، ومكث البَدَن مصلوبًا حتى مات هشام، ثم أمر به الوليد فأنزِل وأحرق، وقيل: إن حكيم بن شريك كان هو الذي سعي بزيد إلي يوسف. فأما أبو عبيدة معمر بن المثني فإنه قال في أمر يحيي بن زيد: لما قُتِل زيد عَمد رجلٌ من بني أسد إلي يحيي بن زيد، فقالي له: قد قتِل أبوك، وأهلُ خراسان لكم شيعةٌ، فالرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف لي بذلك؟ قال: تتواري حتى يكفّ عنك الطلب ثم تَخرج، فواراه عنده ليلة، ثم خاف فأتي عبد الملك بن بشر بن مَرْوان، فقال له: إن قَرابة زيد بك قريبة، وحقّه عليك واجب، قال له: أجَل؛ ولقد كان العفو عنه أقربَ إلي التقوي، قال: فقد قتل وهذا ابنه غلامًا حَدَثًا لا ذنب له؛ وإن علم يوسف بن عمر بمكانه قتله، فتُجيره وتواريه عندك، قال: نعم وكرامة، فأتاه به فواراه عنده، فبلغ الخبر يوسف، فأرسل إلي عبد الملك:قد بلَغني مكان هذا الغلام عندك، وأعطي الله عهدًا لئن لم تأتني به لأكتبنّ فيك إلي أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: أتاك الباطل والزور؛ أنا أواري مَنْ ينازعني سلطاني ويدّعي فيه أكثر من حقي! ما كنت أخشاك علي قبول مثل هذا عليّ ولا الاستماع من صاحبه، فقال: صدق والله ابن بِشْر؛ ما كان ليواري مثل هذا، ولا يستر عليه؛ فكفّ عن طلبه؛ فلما سكن الطلبُ خرج يحيي في نفر من الزيدّية إلي خُراسان (١). وخطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة، إن يحيَي بن زيد يتنقّل في حِجال نسائكم كما كان يفعل أبوه؛ والله لو أبدي لي صفحته لعرقتُ خصيَيه كما عرقت خصيَي أبيه. وذكر عن رجل من الأنصار قال: لما جيء برأس زيد فصُلب بالمدينة في سنة ثلاث وعشرين مئة، أقبل شاعر من شعراء الأنصار فقام بحياله، فقال: ألا يا ناقِضَ الميثا ... قِ أَبشرْ بالذي ساكا نقَضتَ العهْدَ والميثا ... قَ قِدْمًا كان قدْماكا لقد أخلَفَ إِبليس الّـ ... ـذي قد كان مَنّاكا قال: فقيل له: ويلك! أتقول هذا لمثل زيد! فقال: إن الأمير غضبان فأردتُ أن أرضيَه، فردَّ عليه بعض شعرائهم: ألا يا شاعرَ السوْءِ ... لقد أَصْبَحْت أفَّاكا أَشَتْمُ ابنِ رسول اللـ ... ـه يُرْضِي مَنْ تَوَلاكا ألَا صَبّحَكَ اللهُ ... بخِزيٍ ثم مَسّاكا ويوم الحشر لا شكَّ ... بأَن النَّارَ مثواكا وقيل: كان خِراش بن حَوْشب بن يزيد الشيباني علي شُرَط يوسف بن عمر؛ فهو الذي نَبَشَ زيدًا، وصلَبه، فقال السيّد: بتّ ليلي مُسهدَا ... ساهِرَ الطَّرفِ مُقصَدا ولقد قلتُ قولةً ... وأطَلتُ التَّبلّدالَعَن اللهُ حَوْشَبًا ... وخِراشًا ومزْيَدا ويزيدًا فإِنه ... كان أعْتَى وأعْندا ألفَ ألف وألفَ أَلـ ... ـفٍ من اللعْن سَرمدا إنهم حاربوا الإِلـ ... ـه وآذوْا محمدا شركوا في دَمِ المطـ ... ـهَّرِ زيد تعَنُّدا ثم عالوه فوق جِذْ ... عٍ صريعًا مُجَرَّدا يا خِراشَ بنَ حوشَبٍ ... أنت أشقَى الورَى غدَا قال أبو مخنف: ولما قتل يوسف زيدَ بن عليٍّ أقبل حتى دخل الكوفة فصعِد المنبر، فقال: يا أهلَ المدَرة الخبيثة، إني والله ما تقرَن بي الضَّعْبَة، ولا يقعقَع لي بالشّنان، ولا أخَوّف بالذنب، هيهات! حُبِيت بالساعد الأشدّ، أبشروا يا أهلَ الكوفة بالصَّغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق؛ ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم، أمَا والله ما علوت منبري إلا أسمعتُكم ما تكرهون عليه، فإنكم أهلُ بغي وخلاف، ما منكم إلا مَن حارب الله ورسوله؛ إلا حكيم بن شريك المحاربيّ؛ ولقد سألت أميرَ المؤمنين أن يأذن لي فيكم؛ ولو أذن لقتلتُ مقاتلتكم، وسبيت ذراريّكم (١). [٧/ ١٨٠ - ١٩١]. وفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ. وفيها وجّه يوسف بن عمر بن شُبرمة علي سِجِسْتان، فاستقضي ابنَ أبي ليلي [٧/ ١٩١].
Parsing and provenance details
Local passage ID
340463
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1587:918302
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate