page 3963, entry [1473]Open original source
ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلّب وفي هذه السنة تُوُفِّي المغيرةُ بنُ المهلّب بخُراسانَ. ذكَر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضل بن محمَّد، قال: كان المغيرةُ بنُ المهلب خليفةَ أبيه بمَرْو على عَمله كله، فمات في رجَب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد، وعلمَه أهلُ العسكر فلم يُخبِروا المهلّب، وأحبّ يزيد أن يبلّغه، فامرالنساء فصرَخْن، فقال المهلّب: ما هذا؟ فقيل: مات المغيرة، فاسترْجعَ وجَزِع حتى ظهر جزَعُه عليه، فلَامه بعضُ خاصّته، فدعا يزيدَ فوجّهَه إلى مَرْوَ، فجعل يُوصِيه بما يَعمَل ودموعه تَنْحدِر على لحيته، وكتب الحجّاج إلى المهلب يعزّيه عن المغيرة، وكان سيدًا، وكان المهلب يومَ مات المغيرة مقيمًا بكِسّ وراء النهر لحرْب أهلِها. قال: فسار يزيدُ في ستين فارسًا - ويقال: سبعين - فيهم مُجّاعة بن عبد الرحمن العَتَكيّ، وعبد الله بن مُعمّر بن سُمير اليَشكريّ، ودينار السجِسْتانيّ، والهيثم بن المنخّل الجُرْموزيّ، وغَزوان الإسكاف صاحب زَمّ - وكان أسلَمَ على يد المهلب - وأبو محمَّد الزّميّ، وعطية - مولى لعتيك - فلقيَهم خمسمئة من الترك في مَفازةِ نَسَفَ، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجّار؛ قالوا: فأين الأثقال؟ قالوا: قدّمناها؛ قالوا: فأعطُونا شيئًا، فأبى يَزيد، فأعطاهم مُجّاعة ثوبًا وكرابيسَ وقَوسًا، فانصرَفوا ثمّ غَدرُوا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنتُ أعلمُ بهم فقاتِلوهم، فاشتدّ القتال بينهم، ويزيدُ على فرس قريب من الأرض، ومعه رجلٌ من الخَوارج كان يزيدُ أخَذه، فقال: استَبْقني؛ فمنّ عليه، فقال له: ما عندَك؟ فحمَل عليهم حتى خالطهم، وصار من ورائِهم وقد قَتَل رَجلأ، ثمّ كرّ فخالطهم حتى تقدّمهم وقَتَل رجلًا ثمّ رجع إلى يزيدَ، وقتَل يزيدُ عظيمًا من عظمائهم، ورُمى يزيدُ في ساقه، واشتدّت شوكتهم، وهرب أبو محمَّد الزّميّ، وصبر لهم يزيدُ حتى حاجَزوهم، وقالوا: قد غَدرنا، ولكن لا ننصرف حتى نموتَ جميعًا أو تموتوا أو تُعطونا شيئًا، فحلف يزيدُ لا يعطيهم شيئًا، فقال مُجّاعة: أذكّرك اللهَ، قد هلك المغيرة، وقد رأيتَ ما دخل على المهلب من مصابه، فأنشُدك الله أن تصابَ اليومَ! قال: إنَّ المغيرة لم يَعْدُ أجلَه، ولستُ أعدو أجَلي، فرمى إليهم مُجَّاعة بِعمامة صفراءَ فأخذوها وانصَرَفوا، وجاء أبو محمَّد الزّميّ بفوارسَ وطعام، فقال له يزيد: أسلَمتنا يا أبا محمَّد؛ فقال: إنما ذهبتُ لأجيئكم بمَدَد وطعام، فقال الراجز: يزيدُ يا سَيفَ أَبي سعيدْ ... قد علمَ الأقوامُ والجنودْ والجمعُ يَوم المجمع المشهودْ ... أنك يوم التُّركِ صَلبُ العودْوقال الأشقريّ: والتُّرك تعلمُ إذ لَاقى جُموعَهُمُ ... أنْ قد لقوهُ شِهابًا يَفرِج الظُّلمَا بفِتيَةٍ كأُسُودِ الغابِ لم يَجِدوا ... غيرَ التأسِّي وغيرَ الصبرِ مُعْتَصَمَا نرى شَرائجَ تَغشى القومَ من علقٍ ... وما أَرى نبوةً منهمْ ولا كَزَما وتحتَهُمْ قرَّحٌ يَرْكبْنَ ما ركِبوا ... من الكريهة حتى ينْتلعن دَمَا في حازَّةِ الموتِ حتى جنَّ لَيْلُهُمُ ... كِلَا الفريقين ما وَلَّى ولا انهزما (١) (٦/ ٣٥٠ - ٣٥٢). * * * وفي هذه السنة صالَح المهلب أهل كسّ على فِدْية، ورحلَ عنها يريد مَرْوَ. ذكر الخبر عن سبب انصراف المهلَّب عن كِسّ: ذكر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد، أن المهلب اتّهم قومًا من مُضرَ فحبسهم وقَفَل من كِسّ وخَلّفهم، وخَلّف حريث بنَ قُطْبة مولَى خُزاعة، وقال: إذا استوفيتَ الفِدْية فرُدَّ عليهم الرُّهُن، وقطع النَّهر فلما صار ببَلْخَ أقام بها وكَتَب إلى حُرَيث: إني لستُ آمن إن رددت عليهم الرّهُن أن يغيروا عليك، فإذا قبضتَ الفِديَة فلا تخلّى الرُّهُن حتى تقدم أرض بَلْخ. فقال حُرَيث لِملك كِسّ: إنَّ المهلب كتب إليّ أن أحبس الرُّهُن حتى أقدم أرض بَلْخ، فإن عَجّلت لي ما عليك سلّمتُ إليك رهائنَك، وسرت فأخبرتُه أن كتابه ورد، وقد استوفيتُ ما عليكم، ورددتُ عليكم الرهُن؛ فعجِّل لهم صُلحَهم، وردّ عليهم من كان في أيديهم منهم، وأقبَل، فعرَضَ لهم الترك، فقالوا: افْدِ نفسَك ومن معك، فقد لقينا يزيدَ بن المهلّب ففَدَى نفسِه، فقال حُرَيث: ولَدَتْني إذًا أمّ يزيد! وقاتَلَهم فقَتَلهم، وأسرَ منهم أسرَى ففدوْهم، فمنّ عليهم وخلّاهم، وردّ عليهم الفِداء، وبلِغ المهلّبَ قولُه: ولدتْني أمّ يزيدَ إذًا، فقال: يأنف العبدُ أن تَلده رَحِمهُ! وغَضِب.فلما قدم عليه بَلَخَ قال له: أين الرّهُن؟ قال: قبضتُ ما عليهم وخلَّيتهُم، قال: ألم أكتبْ إليك ألَّا تخلّيَهم! قال: أتاني كتابُك وقد خليتُهم، وقد كُفيتُ ما خفتَ؛ قال: كذبتَ، ولكنك تقرّبت إليهم وإلى مَلكِهم فأطلعتَه على كتابي إليك، وأمَرَ بتجريده، فجَزِع من التجريد حتى ظنّ المهلبُ أن به برصًا، فجرّده وضَرَبه ثلاثين سَوْطًا، فقال حُرَيث: وَدِدتُ أنَّه ضربني ثلاثمئة سَوْط ولم يجرّدني، أنَفًا واستِحياء من التجريد، وحلف ليَقتلنّ المهلّب. فرَكِب المهلب يومًا ورَكِب حُرَيث، فأمر غلامين له وهو يَسيرُ خلفَ المهلّب أن يضرباه، فأبى أحدُهما وتَرَكه وانصرف، ولم يجترئ الآخر لمّا صار وحده أن يُقدمَ عليه، فلما رجع قال لغلامه: ما منعك منه؟ قال: الإشفاق والله عليك، وواللهِ ما جزعتُ على نفسي، وعلمتُ أنا إنْ قتلناه أنك ستُقتَل ونقتَل، ولكن كان نظري لك، ولو كنت أعلم أنك تسلم مِنْ القَتل لقتلتُه. قال: فترك حُرَيث إتيانَ المهلّب، وأظهر أنَّه وَجِعٌ، وبلغ المهلّب أنَّه تمارَض وأنه يريد الفتك به، فقال المهلب لثابت بن قطبة: جئني بأخيك، فإنما هو كبعض ولدي عِندْي، وما كان ما كان منّي إليه إلَّا نظرًا له وأدبًا، ولربما ضربتُ بعضَ ولدي أؤدِّبه، فأتى ثابت أخاه فناشَدَه، وسأله أن يركَبَ إلى المهلب، فأبى وخافَه، وقال: واللهِ لا أجيئُه بعدما صَنَع بي ما صَنَع، ولا آمنُه ولا يأمنُني، فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له: أما إنْ كان هذا رأيُك فأخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم، وخاف ثابت أن يَفتِك حريثٌ بالمهلّب فيُقتلون جميعًا؛ فخرجا في ثلاثمئة من شاكريّتهما والمنقطِعين إليهما من العرب (١). (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣).