Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

مسير الحسين الى الكوفه

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 3782, entry [1443]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: مسير الحسين الى الكوفه
page 3782, entry [1443]Open original source
ذكر مسير الحسين إلى الكوفة وفي هذه السنة كان خروج الحسين ﵇ من مكّة متوجِّهًا إلى الكوفة. * ذكر الخبر عن مسيره إليها وما كان أمره في مسيره ذلك: قال هشام عن أبي مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، قال: لما قدمتْ كتُب أهل العراق إلى الحسين وتهيّأ للمسير إلى العراق، أتيتُه فدخلتُ عليه وهو بمكة، فحمِدت الله وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني أتيتك يا بن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة، فإن كنتَ ترى أنك تستنصحني وإلا كففتُ عما أريد أن أقول؛ فقال: قل، فوالله ما أظنك بسيّئ الرأي، ولا هو للقبيح من الأمر والفعل؛ قال: قلت له: إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفقٌ عليك من مسيرك؛ إنك تأتي بلدًا فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوتُ الأموال، وإنما الناسُ عَبيدٌ لهذا الدرهم والدينار، ولا آمَنُ عليك أن يقاتلك من وعدك نصرَه، ومن أنت أحبّإليه ممن يقاتلك معه؛ فقال الحسين: جزاك الله خيرًا يا بن عمّ؛ فقد واللهِ علمتُ أنك مشيتَ بنُصح، وتكلّمت بعقل، ومهما يُقضَ من أمر؛ يكن، أخذتُ برأيك أو تركتُه، فأنت عندي أحمدُ مُشيرٍ، وأنصَح ناصح. قال: فانصرفتُ من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، فسألني: هل لقيتَ حسينًا؟ فقلت له: نعم؛ قال: فما قال لك، وما قلت له؟ قال: فقلت له: قلت كذا وكذا، وقال كذا وكذا؛ فقال: نصحتَه وربِّ المَرْوَة الشَّهباء، أما وربّ البنيَّة إنّ الرأي لما رأيتَه قَبِلهُ أو تركه، ثم قال: رُبَّ مستنصَحٍ يَغُشُّ ويُرْدِي ... وظَنينٍ بالغَيْبِ يُلْفَى نَصِيحَا (٥: ٣٨٢) (١). قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب الوالبيّ عن عقبة بن سِمْعان: أن حسينًا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يا بن عمّ، إنك قد أرجف الناسُ أنك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعتُ المسير في أحد يومَّيَ هذين إن شاء الله تعالى؛ فقال له ابن عبّاس: فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبِرْني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرَهم، وضبطوا بلادهم، ونَفوْوا عَدُوَّهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسرْ إليهم، وإن كانوا إنما دَعَوْك إليهم وأميرُهم عليهم قاهر لهم، وعمّاله تَجبِي بلادَهم، فإنهم إنما دعَوك إلى الحرب والقتال، ولا آمَن عليك أن يغرُّوك ويكذبوك، ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك؛ فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون. قال: فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير فحدَّثه ساعةً، ثم قال: ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القوم وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، ووُلاة هذا الأمر دونهم! خبّرْني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: واللهِ لقد حدّثتُ نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إليَّ شِيعتي بها وأشرافُ أهلِها، وأستخير الله، فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثلُ شيعتك ما عدلتُ بها؛ قال: ثم إنه خَشيَ أن يتّهمه، فقال: أما إنك لو أقمتَ بالحجاز ثم أردتَ هذا الأمر هاهنا ما خُولفَعليك إن شاء الله؛ ثم قام فخرج من عنده، فقال الحسين: ها إنّ هذا ليس شيء يُؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم: أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يَعدِلوه بي، فودّ أني خرجت منها لتخلو له. قال: فلما كان من العشيّ أو من الغد، أتى الحسينَ عبدُ الله بن العباس فقال: يا بن عمّ إني أتصبّر ولا أصبر، إني أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال؛ إن أهلَ العراق قوم غُدُر، فلا تقربنَّهم، أقم بهذا البلد فإنك سيّد أهل الحجاز؛ فإنْ كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم فإن أبيْتَ إلا أنه تَخرج فسر إلى اليَمن فإن بها حصونًا وشِعابًا، وهي أرضٌ عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عُزْلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبثّ دُعاتك، فإني أرجو أن يأتيَك عند ذلك الذي تحبُّ في عافية؛ فقال له الحسين: يا بن عمّ، إني والله لأعلم أنك ناصحٌ مشْفِق، ولكنّي قد أزمعتُ وأجمعتُ على المسير؛ فقال له ابن عباس: فإن كنتَ سائرًا فلا تَسِرْ بنسائك وصبْيَتِك، فوالله إني لخائف أن تُقْتلَ كما قُتِل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: لقد أقررتَ عينَ ابنِ الزبير بتخلِيَتك إياه والحجازَ والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذتُ بشعرِك وناصيتِك حتى يجتمعَ عليَّ وعليك الناسُ أطعتَني؛ لفعلتُ ذلك، قال: ثم خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بعبد الله بن الزبير، فقال: قرَّت عينُك يا بن الزبير! ثم قال: يا لكِ من قُبَّرة بمعَمْرِ ... خَلا لَكِ الجوُّ فبيِضي وأصْفِرِي ونَقّرِي ما شِئتِ أَنْ تُنَقِّري هذا حسينُ يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز. (٥: ٣٨٣ - ٣٨٤) (١). قال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي حيّة عن عديّ بن حرملة الأسديّ، عن عبد الله بن سُليم والمذريّ بن المشمعلّ الأسَديّين قالا: خرجنا حاجَّيْن من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروِيَة، فإذا نحن بالحسينوعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحُجْر والباب، قالا: فتقرّبنا منهما، فسمعنا ابن الزبير، وهو يقول للحسين: إن شئتَ أن تقيم أقمت فولِّيتَ هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحْنا لك وبايعناك؛ فقال له الحسين: إنّ أبي حدثني: أن بها كبشًا يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش؛ فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئتَ وتوِلّيني أنا الأمر فتطاع ولا تُعصَى؛ فقال: وما أريد هذا أيضًا؛ قالا: ثم إنّهما أخفيَا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيَان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجِّهين إلى منىً عند الظهر؛ قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصَّفا والمروَة، وقصَّ من شعره، وحلّ من عُمرته، ثم توجّه نحو الكوفة، وتوجّهنا نحوَ الناس إلى منىً. (٥: ٣٨٤ - ٣٨٥) (١). قال أبو مخنف: عن أبي سعيد عَقيصَى، عن بعض أصحابه، قال: سمعتُ الحسينَ بن عليّ وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزُّبير، فقال له ابن الزبير: إليّ يا بن فاطمة، فأصغَى إليه، فسارّه، قال: ثم التفت إلينا الحسين فقال: أتدرون ما يقول ابنُ الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلَنا الله فداك! فقال: قال: أقمْ في هذا المسجد أجمع لك الناس؛ ثم قال الحسين: والله لأن أقتَلَ خارجًا منها بشبرٍ أحبّ إليّ من أقتلَ داخلًا منها بشبر، وايم الله لو كنت في جُحْر هامّة من هذا الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، ووالله ليعتدُن عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت. (٥: ٣٨٥) (٢). قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن عُقبة بن سِمعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رُسلُ عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرِف؛ أين تذهب! فأبى عليهم ومضى، وتَدافَع الفريقان، فاضطربوا بالسّياط، ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعًا قويًّا، ومضى الحسين ﵇ على وجهه، فنادَوه: يا حسين! ألا تتقي الله! تَخرُج من الجماعة، وتفرِّق بين هذه الأمة! فتأوَّل حسينٌ قولَ الله عز وجك: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.قال: ثم إن الحسين أقبل حتى مرّ بالتَّنعيم، فلقيَ بها عِيرًا قد أقبِل بها من اليَمَن، بَعَث بها بَحِير بن رَيْسِانِ الحِميريّ إلى يزيدَ بن معاوية، -وكان عامله على اليمن- وعلى العِير الوَرْسُ والحُلَل يُنطلَقَ بها إلى يزيد فأخَذَها الحسين، فانطلق بها؛ ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرِهكمِ، مَن أحبَّ أن يمضيَ معنا إلى العراق أوْفينا كِراءه وأحسنا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكِراء على قدر ما قطع من الأرض؛ قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفي حقّه، ومن مضى منهم معه أعطاه كِراءَه وكَساه. (٥: ٣٨٥ - ٣٨٦) (١). قال أبو مخنف: عن أبي جَناب، عن عدّي بن حَرْملة، عن عبد الله بن سليم والمذري قالا: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصِّفاح، فلقينَا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسينًا فقال له: أعطاك الله سُؤلَك وأملك فيما تحبّ، فقال له الحسين: بَيّنْ لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: مِن الخبير سألتَ، قلوبُ الناس معك، وسيوفُهم مع بني أميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له الحسين: صدقتَ، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربُّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمَد الله على نَعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرّجاء؛ فلم يَعتدِ مَن كان الحقُّ نيّته، والتقوى سريرته. ثم حرّك الحسينُ راحلتَه فقال: السلام عليك؛ ثم افترقا. (٥: ٣٨٦) (٢). قال هشام: عن عوانة بن الحكم، عن لَبَطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه، قال: حججتُ بأمّي، فأنا أسوق بعيرَها حين دخلت الحَرم في أيام الحجّ، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسينَ بن عليّ خارجًا من مكة معه أسيافه وتِراسُه، فقلت: لمن هذا الفطار؟ فقيل: للحُسين بن عليّ، فأتيته فقلت: بأبي وأمي يا بن رسول الله! ما أعجَلك عن الحجّ؟ فقال: لو لم أعجل لأخذتُ؛ قال: ثم سألني: ممّن أنت؟ فقلت له: امْرؤ من العراق؛ قال: فوالله ما فتّشني عن أكثرَ من ذلك، واكتفى بها منِّي، فقال: أخبِرنِي عن الناس خلفك؟ قال: فقلت له: القلوب معك، والسيوف مع بني أميّة، والقضاء بيد الله؛ قال: فقال لي:صدقتَ؛ قال: فسألته عن أشياءَ، فأخبرني بها من نذور ومناسك؛ قالَ: وإذا هو ثقيل اللسان من بِرسام أصابَه بالعراق، قال: ثم مضيتُ فإذا بفسطاط مضروب في الحرم، وهيئته حسنَة، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني، فأخبرتُه بلقاء الحسين بن عليّ، فقال لي: ويلك: فهلّا اتّبعتَه، فوالله ليملكنّ، ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه، قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته، ثمّ ذكرت الأنبياءَ وقَتْلَهم، فصدّني ذلك عن اللَّحاق بهم، فقدمتُ على أهلي بعُسْفانَ، قال: فوالله إني لعندهم؛ إذ أقبلت عِيرٌ قد امتارت من الكوفة، فلما سمعتُ بهم خرجتُ في آثارهم حتى إذا أسمعتُهم الصوت وعجِلْتُ عن إتيانهم صرختُ بهم: ألا ما فعل الحسينُ بنُ عليّ؟ قال: فردُّوا، عليّ: ألا قد قُتل؛ قال: فانصرفتُ وأنا ألعنُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص؛ قال: وكان أهلُ ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر، وينتظرونه في كلّ يوم وليلة، قال: وكان عبدُ الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصّغير حتى يظهر هذا الأمر؛ قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوَهْط؟ قال: فقال لي: لعنةُ الله على فلان -يعني معاوية- وعليك؛ قال: فقلت لا، بل عليك لعنة الله؛ قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحدٌ فألقى منهم شرًّا؛ قال: فخرجتُ وهو لا يعرفني -والوَهْط حائطٌ لعبد الله بن عمرو بالطائف؛ قال: وكان معاوية قد ساوَمَ به عبدَ الله بن عمرو، وأعطاه به مالًا كثيرًا، فأبى أن يبيعه بشيء- قال: وأقبل الحسين مُغِذًّا لا يَلوِي على شيء حتى نزل ذاتَ عِرْق. (٥: ٣٨٦ - ٣٨٧). قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب قال: لما خرجنا من مكة كتب عبدُ الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن عليّ مع ابنيه: عَون ومحمد: أما بعد، فإنّي أسألك بالله لَمَّا انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مُشفِقٌ عليك من الوجه الذي توجّه له أن يكون فيه هلاكُك واستئصالُ أهلِ بيتك، إن هلكتَ اليومَ طَفئ نورُ الأرض، فإنك عَلَمُ المهتدين: ورجاء المؤمنين؛ فلا تعجَل بالسير فإني في أثر الكتاب؛ والسلام. قال: وقام عبد الله بنُ جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه. وقال: اكتبْ إلى الحسين كتابًا تَجعَل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البِرّ والصّلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئنّ إلى ذلك فيرجع؛ فقال عمرو بنسعيد: اكتب ما شئتَ وائتِني به حتى أختمَه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد فقال له: اختِمه، وابعثْ به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنه أحْرَى أن تطمئنّ نفسُه إليه، ويعلم: أنه الجِدّ منك، ففعل، وكان عمرو بن سعيد عاملَ يزيدَ بن معاوية على مكة، قال: فلحقه يحيى، وعبد الله بن جعفر، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأناه الكتاب، وجهدْنا به، وكان مما اعتذَر به إلينا أن قال: إني رأيتُ رؤيا فيها رسول الله ﷺ، وأمِرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليّ كان أوْ لي؛ فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدّثت أحدًا بها، وما أنا محدّث بها حتى ألقَى ربِّي. قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ، أما بعد: فإني أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقُك، وأن يهديَك لما يرشدُك؛ بلغني أنك قد توجّهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه سلاك، وقد بعثتُ إليكَ عبدَ الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبِلْ إليّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان والصّلة والبرّ وحُسن الجوار لك، الله عليّ بذلك شهيدٌ، وكفيلٌ، ومُراعٍ ووكيلٌ؛ والسلام عليك. قال: وكتب إليه الحسين: أما بعد؛ فإنه لم يشاقِقِ الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله ﷿ وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين؛ وقد دعوتَ إلى الأمان والبرّ والصّلة، فخير الأمان أمانُ الله، ولن يؤمنَ الله يومَ القيامة مَنْ لم يخفْه في الدّنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا تُوجب لنا أمانه يومَ القيامة، فإن كنتَ نوَيتَ بالكتاب صلتي وبرّي، فجُزيت خيرًا في الدنيا والآخرة؛ والسلام. (٥: ٣٨٧ - ٣٨٩) (١). رجع الحديث إلى حديث عمار الدّهنيّ عن أبي جعفر، فحدّثني زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدَّثنا أحمد بن جناب المصّيصيّ قال: حدّثنا خالد بن يزيدَ بن عبد الله القسريّ قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ قال: قلت لأبي جعفر: حدّثني عن مَقتلِ الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: فأقبَل حسينُ بن عليّ بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسيّة ثلاثة أميال، لقيَه الحُرّ بن يزيدَالتميميّ، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المِصْر؛ قال له: ارجع فإني لى أدعْ لك خلفي خيرًا أرجوه، فهمّ أن يرجع، وكان معه إخوةُ مسلم بن عَقِيل، فقالوا: واللهِ لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقتَل؛ فقال: لا خيرَ في الحياة بعدكم! فسار فلقيَتْه أوائلُ خيلِ عُبيد الله، فلما رأى ذلك عدلَ إلى كربلاء فأسند ظهرَه إلى قصباء وخلًّا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابُه خمسةً وأربعين فارسًا ومئة راجل، وكان عُمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولّاه عبيد الله بن زياد الرّيّ وعهد إليه عهدَه فقال: اكفني هذا الرجل؛ قال: أعفني، فأبَى أن يُعفيَه؛ قال: فأنظرْني الليلة؛ فأخَّره، فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضيًا بما أمر به، فتوجّه إليه عُمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اخترْ واحدةً من ثلاث: إما أن تدعوَني فأنصرِف من حيث جئتُ، وإما أن تدعوَني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوَني فألحق بالثغور؛ فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عُبيد الله: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي! فقال له الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدًا، فقاتله فقُتل أصحابُ الحسين كلُّهم، وفيهم بضعة عشَرَ شابًا من أهل بيته، وجاء سهمٌ فأصاب ابنًا له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دَعَوْنا لينصرونا فقتلونا؛ ثم أمر بحبرة فشقّقها، ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قُتِل صلوات الله عليه؛ قتله رجلٌ من مذْحج وحزّ رأسه. وانطلق به إلى عبيد الله وقال: أَوْقِرْ ركابي فِضَّةً وذَهبَا ... فقد قَتَلْتُ المَلِكَ المُحجَّبا قَتَلتُ خَيْر الناسِ أُمًّا وأبَا ... وخَيْرهُمْ إذ يُنْسبُونَ نَسبا وأوفده إلى يزيدَ بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسَه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلميّ، فجعل ينكُتُ بالقَضيب على فيه ويقول: يُفَلِّقْنَ هامًا مِن رجالٍ أعِزَّة ... علَينا وَهُمْ كانوا أعقَّ وأظْلَمَا فقال له أبو برْزة: ارفع قضيبَك، فو الله لربما رأيتُ فا رسولِ الله ﷺ على فيه يلثمه! وسرّح عمر بن سعد بحرَمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقيَ من أهل بيت الحسين بن علي ﵇ إلا غلام كان مريضًا مع النساء، فأمر به عُبيد الله ليُقتل، فطرحتْ زينْب نفسَها عليه وقالت: والله لا يُقتل حتى تقتلوني! فرقَّ لها، فتركه وكفّ عنه.قال: فجهَّزهم وحملهم إلى يزيدَ، فلما قدموا عليه جمع مَنْ كان بحضرته من أهلِ الشام، ثم أدخلوهم، فهنَّؤوه بالفتح، قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفةٍ من بناتهم، فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه، فقالت زينب: لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرُج من دين الله، قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كُفَّ عن هذا! ثم أدخلهم على عياله، فجهّزهم وحملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأةٌ من بني عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعةً كمَّها على رأسها تلقاهم وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون إن قال النَّبيُّ لكم ... ماذا فَعلْتمْ وأنتُمْ آخِرُ الأُمَمِ! بعترتي وبأَهْلي بعْدَ مُفتَقَدِي ... منهم أُسارَى وقتلَى ضَرِّجوا بِدَمِ ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم ... أن تُخْلُوني بسوءٍ في ذوي رحِمي! (٥: ٣٨٩ - ٣٩٠) (١).قال حصين: فلما قتِل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثةً، كأنما تلطّخ الحوائط بالدماء ساعة تطلُع الشمس حتى ترتفع. (٥: ٣٩٣). قال: وحدّثني العلاء بن أبي عاثة قال: حدّثني رأس الجالوت عن أبيه قال: ما مررت بكربَلاء إلا وأنا أركُض دابتي حتى أخلّف المكان، قال: قلت: لِمَ؟ قال: كنا نتحدّث أنّ ولَد نَبيّ مقتول في ذلك المكان؛ قال: وكنت أخاف أن أكون أنا، فلمّا قتِل الحسين قلنا: هذا الذي كنا نتحدث. قال: وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير، ولا أركض. (٥: ٣٩٣). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثني عليّ بن محمّد عن جعفر بن سليمان الضّبَعيّ قال: قال الحسين: والله لا يدَعوني حتى يستخرجوا هذه العَلَقة من جَوْفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فَرَم الأمَة؛ فقَدِم للعراق فقُتِل بنِينوَى يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين. (٣٩٣: ٥ - ٣٩٤). قال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: قُتل الحسينُ بنعلي ﵇ في صفر سنة إحدى وستين وهو يومئذ ابن خمس وخمسين. حدّثني بذلك أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القُرَظيّ، قال الحارث: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر عن أبي معشر، قال: قُتِل الحسين لعشر خلوْن من المحرّم. قال الواقديّ: هذا أثبت. (٥: ٣٩٤). قال الحارث: قال ابن سعد: أخبَرَنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا عطاء بن مسلم عمّن أخبره، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: أول رأس رُفع على خشبة. رأس الحسين ﵁ وصلّى الله على رُوحه. (٥: ٣٩٤). قال أبو مخنف: عن هشام بن الوليد، عمّن شهد ذلك، قال: أقبل الحسين بن عليّ بأهله من مكة ومحمد بن الحنفيّه بالمدينة؛ قال: فبلغه خبرُه، وهو يتوضّأ في طَسْت؛ قال: فبكى حتى سمعتُ وكْفَ دموعه في الطَّست. (٥: ٣٩٤) (١). قال أبو مخنف: حدّثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، قال: ولما بلغ عبيدَ الله إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن تميم صاحب شُرَطه حتى نزل القادسيّة ونظمِ الخيلَ ما بين القادسيَة إلى خَفّان، وما بين القادسيّة إلى القُطْقُطانة وإلى لَعْلع، وقال الناس: هذا الحسين يريدُ العراق. (٥: ٣٩٤) (٢). قال أبو مخنف: وحدّثني محمد بن قيس: أنّ الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرُّمَّة بعث قيس بن مُسهِر الصّيداويّ إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ كتابَ مسلم بن عَقِيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع مَلئكم على نصرنا، والطلبِ بحقِّنا، فسألتُ الله أن يُحسن لنا الصنعِ، وأن يثيبَكم على ذلكأعظم الأجر، وقد شخصتُ إليكم من مكّة يومَ الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم الترْويَة، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمرَكم وجدّوا، فإني قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكان مسلم بن عَقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يُقتل لسبع وعشرين ليلة: أما بعد، فإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه، إنَّ جَمْع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي، والسلام عليك. قال: فأقبل الحسين بالصّبيان والنساء معه لا يَلوِي على شيء، وأقبل قيس بن مُسهر الصّيداويّ إلى الكُوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسيّة أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعَد إلى القصر فَسُبّ الكذّاب بن الكذّاب؛ فصعِد ثم قال: أيها الناس؛ إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خَلق الله؛ ابن فاطمة بنتِ رسول الله، وأنا رسولَه إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر، فأجيبوه؛ ثمّ لعن عُبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ بن أبي طالب، قال: فأمر به عُبيد الله بن زياد أن يُرمَى به من فوق القصر، فرُمي به، فتقطّع فمات، ثم أقبل الحسين سيرًا إلى الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبدُ الله بن مطيع العدَويّ، وهو نازل هاهنا، فلما رأى الحسينَ قام إليه، فقال: بأبي أنت وأمّي يا بن رسول الله! ما أقْدَمَك! واحتَمله فأنزله، فقال له الحسين: كان من موت معاوية ما قد بلغك: فكتب إليّ أهلُ العراق يدعونني إلى أنفسهم، فقال له عبد الله بن مُطيع: أذكِّرك الله يا بن رسول الله وحرمةَ الإسلام أن تُنتهَك! أنشدكَ اللهَ في حُرمة رسولِ الله ﷺ! أنشدك الله في حُرمة العرب! فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أميّة ليقتُلنَّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدًا أبدًا، والله إنها لحُرْمة الإسلام تُنتهَك، وحُرْمةُ قريش وحُرْمة العرب، فلا تَفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تَعَرَّضْ لبني أميَّة؛ قال: فأبَى إلا أن يمضي؛ قال: فأقبل الحسين حتى كان بالماء فوق زَرُود. (٥: ٣٩٤ - ٣٩٦) (١). قال أبو مخنف: فحدّثني السدّي، عن رجل من بني فَزارة قال: لما كان زمنالحجّاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التّمّارين؛ التي أقطعت بعدُ زهيرَ بن ألقَين، من بني عمرو بن يَشكرَ من بَجيلة، وكان أهل الشام لا يدخلونها، فكنا مُخْتَبِئين فيها، قال: فقلت للفَزاريّ: حدّثْني عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن عليّ. قال: كنا مع زهير بن القيْن البَجَليّ حين أقبلنا من مكة نساير الحسينَ، فلم يكن شيء أبغضَ إلينا من أن نسايرَه في منزل، فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القَيْن، وإذا نزل الحسينُ تقدّم زهير، حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بُدًّا من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا، إذ أقبل رسولُ الحسين حتى سلّم، ثم دخل فقال: يا زهير بن القَيْن! إنّ أبا عبد الله الحسين بن عليّ بعثني إليك لتأتيَه؛ قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير. (٣٩٦: ٥) (١). قال أبو مخنف: فحدّثتْني دلهم بنت عَمرو امرأة زهير بن القَيْن، قالت: فقلت له: أيَبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيتَه فسمعتَ من كلامه! ثم انصرفت؛ قالت: فأتاه زهير بن القَيْن، فما لبث أن جاء مستبشرًا قد أسفر وجهُه؛ قالت: فأمر بفُسطاطه وثقَله ومتاعه فقُدّم، وحُمل إلى الحسين، ثم قال لامرأته: أنتِ طالقٌ، الحقي بأهلك، فإني لا أحبّ أن يصيبك من سبي إلا خير، لمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، إني سأحدّثكم حديثًا، غَزوْنا بلَنْجَر، ففتح الله علينا، وأصبْنا غنائم، فقال لنا سَلْمان الباهليّ: أفرِحْتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شبابَ آل محمد فكونوا أشدّ فرحًا بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فإنّي أستودعكم الله، قال: ثمّ والله ما زال في أوّل القوم حتى قُتل. قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ عن عديّ بن حرملة الأسَديّ، عن عبد الله بن سُليم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همّة إلا اللَّحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلناتُرْقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزَرودَ، فلما دنوْنا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين؛ قالا: فوقف الحسين كأنه يريده، ثم تركه، ومضى ومضينا نحوَه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك، قال: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم قلنا: فمَن الرجل؟ قال: أسديّ، فقلنا: فنحن أسديّان فمَن أنت؟ قال: أنا بكير بن المثعبة، فانتسبنا له، ثم قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك، قال: نعم لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، فرأيتهما يُجَرّان بأرجلهما في السوق، قالا: فأقبلنا حتى لحقْنَا بالحسين، فسايرناه حتى نزل الثعلبيّة ممسيًا، فجئناه حين نزل، فسلّمنا عليه فردّ علينا، فقال له: يرحمك الله؛ إن عندنا خبرًا فإن شئت حدّثنا علانيةً، وإن شئتَ سرًّا؛ قال: فنظر إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سرّ؛ فقلنا له: أرأيت الراكبَ الذي استقبلك عشاءَ أمس؟ قال: نعم، وقد أردتُ مسألته؛ فقلنا: قد استبرأنا لك خبَره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ من أسد منا، ذو رأي وصدق، وفضل وعقل، وإنه حدّثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، وحتى رآهما يُجَرّان في السوق بأرجلهما، فقال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! رحمة الله عليهما، فردّد ذلك مرارًا، فقلنا: نَنشدُك الله في نفسك وأهلِ بيتك إلا انصرفتَ من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة، بل نتخوّف أن تكون عليك! قال: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب. (٥: ٣٩٦ - ٣٩٧). قال أبو مخنف: حدّثني عمر بن خالد عن زيد بن عليّ بن حسين، وعن داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس، أنّ بني عقيل قالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرَنا، أو نذوقَ ما ذاق أخونا. (٥: ٣٩٧) (١). قال أبو مخنف: عن أبي جَناب الكلبيّ، عن عديّ بن حرملة، عن عبد الله بن سُلَيم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين، قالا: فنظر إلينا الحسين فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء؛ قالا: فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير؛ قالا: فقلنا:خارَ الله لك! قالا: فقال: رحمكما الله! قالا: فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عَقيل، ولو. قدمتَ الكوفة لكان الناسُ إليك أسرع؛ قال الأسديّان: ثم انتظر حتى إذا كان السَّحَر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستَقوا وأكثروا، ثمّ ارتحلوا وساروا حتى انتهَوْا إلى زُبالة. (٥: ٣٩٨) (١). قال أبو مخنف: حدّثني أبو عليّ الأنصاريّ، عن بكر بن مصعب المُزنيّ، قال: كان الحسين لا يمرّ بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زُبَالة سقط إليه مَقْتل أخيه من الرّضاعة، مقتلُ عبد الله بن بُقْطُر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عَقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب، فتلقاه خيلُ الحصين بن تميم بالقادسيّة، فسرّح به إلى عُبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فالعَنِ الكذّاب ابنَ الكذّاب، ثم انزِل حتى أرى فيك رأيي! قال: فصعد، فلما أشرَف على الناس قال: أيّها الناس، إني رسول الحسين بن فاطمةَ بنت رسول الله ﷺ لتنصروه وتؤازِروه على ابن مَرْجانة بن سمّية الدعيّ، فأمر به عُبيد الله فألقيَ من فوق القصر إلى الأرض فكُسرت عظامُه وبقي به رَمَق، فأتاه رجل يقال له: عبد الملك بن عُمَير اللَّخْميّ فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحَه. (٥: ٣٩٨) (٢). قال هشام: حدّثنا أبو بكر بن عياش عمّن أخبره قال: والله ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعْد طُوال يشبه عبَد الملك بن عمير، قال: فأتى ذلك الخبرُ حسينًا وهو بزُبالة، فأخرج للناس كتابًا، فقرأ عليهم: بسم الله الرّحمن الزحيم، أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مُسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة وعبد الله بن بُقْطُر، وقد خذلتْنا شيعتُنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرفْ، ليس عليه منا ذِمام. قال: فتفرّق الناس عنه تفرّقًا، فأخذوا يمينًا وشمالًا حتى بقيَ في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، وإنما فعل ذلك لأنه ظنّ أنما اتبعه الأعراب،لأنهم ظنّوا أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعةُ أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون عَلَام يقدمون، وقد علم أنَّهم إذا بَيَّنَ لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموتَ معه، قال: فلما كان من السَّحَر أمر فتيانَه فاستقَوْا الماء وأكثَروا، ثم سار حتى مرَّ ببطْنِ العَقَبة، فنزَل بها. (٥: ٣٩٨ - ٣٩٩). قال أبو مخنف: فحدّثني لَوْذان أحدُ بني عكْرمة: أنّ أحدَ عمومته سأل الحسين ﵇ أين تريد؟ فحدَّثه، فقال له: إنّي أنشدُك الله لمّا انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنَّة وحدّ السيوف، فإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوْك مؤنة القتال، ووطَّؤوا لك الأشياء فقدمتَ عليهم كان ذلك رأيًا، فأمّا على هذا الحال التي تذكرها فإنّي لا أرى لك أن تفعل، قال: فقال له: يا عبدَ الله! إنه ليس يخفى عليّ، الرأيُ ما رأيتَ، ولكنّ الله لا يُغلَب على أمره؛ ثم ارتحل منها. (٣٩٩: ٥) (١). ونَزَع يزيدُ بن معاوية في هذه السنة الوليدَ بن عتبة عن مكة، وولّاها عمرو بن سعيد بن العاص، وذلك في شهر رمضانَ منها، فحجّ بالناس عمرو بن سعيد في هذه السنة؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعدما عزل الوليد بن عُتبة عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالها عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبَيرة. (٥: ٣٩٩).
Parsing and provenance details
Local passage ID
340330
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1443:917952
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate