page 3719, entry [1426]Open original source
عزل الضحّاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أمّ الحكم وفي هذه السنة ولى معاويةُ الكوفةَ عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بنعثمان بن ربيعة الثقفيّ، وهو ابن أمّ الحَكَم أخت معاوية بن أبي سُفْيان، وعزل عنها الضحّاك بن قيس، ففي عمله في هذه السنة خرجتْ الطائفة الذين كان المغيرةُ بن شعبة حبَسَهم في السّجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن عُلَّفة، فظَفِر بهم فاستَودعَهم السجن، فلما مات المغيرةُ خرجا من السجن (١). (٣٠٩: ٥) فذكر هشام بن محمد: أنّ أبا مخنف، حدّثه عن عبد الرحمن بن جُندب، عن عبد الله بن عُقْبة الغَنَوِيّ: أنّ حيَّان بن ظَبْيان السُّلَميّ جمع إليه أصحابه، ثم إنه حَمِد الله وأثنى عليه ثم قال لهم: أمّا بعد، فإنّ الله ﷿ كتب علينا الجهاد، فمنّا من قَضَى نحْبَه، ومنّا من يَنتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومَنْ يكن منّا من ينتظر فهو من سلَفنا القاضين نحبَهم، السابقين بإحسان؛ فمن كان منكم يريد الله وثوابهَ فليَسلك سبيلَ أصحابه وإخوانه يؤته اللهُ ثوابَ الدنيا وحُسنَ ثوابِ الآخرة والله مع المحسنين. قال معاذ بن جُوَين الطائيّ: يا أهل الإسلام! إنا والله لو علمْنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجوْر، كان لنا به عند الله عذر، لكان تركه أيْسَر علينا، وأخفَّ من ركوبه، ولكنّا قد علمنا واستيقنّا أنه لا عذر لنا، وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم، ونُغيّر الجوْر، ونجاهِد الظالمين، ثم قال: ابسط يَدك نبايعك، فبايعه وبايَعَه القومُ، فضربوا على يد حيَّان بن ظَبْيان، فبايعوه، وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، وهو ابن أمّ الحَكَم، وكان على شرطته زائدة بن قُدامة الثقفيّ. ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائيّ. فقال لهم حيَّان بن ظَبْيان: عبادَ الله! أشيروا برأيكم، أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حُلوان حتى ننزلها، فإنها كورةٌ بين السهل والجبل، وبين المصر والثّغر -يعني بالثغر: الري- فمن كان يرى رأيَنا من أهل المِصْر والثَّغر والجبال والسواد لحق بنا. فقال له حيّان: عدوُّك مُعاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لَعَمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم، ولكن قد رأيتأن أخرجَ معكم في جانب الكوفة والسَّبخة أو زُرارة والحيرة، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربّنا، فإني والله لقد علمتُ: أنكم لا تقدرون وأنتم دون المئة رجل أن تَهزموا عدوَّكم، ولا أن تشتدّ نكايتكم فيهم؛ ولكن متى عَلم الله: أنكم قد أجهدتم أنفسَكم في جهادِ عدوّه وعدوّكم كان لكم به العذر، وخرجتم من الإثم. قالوا: رأينا رأيك، فقال لهم عتريس بن عُرقوب أبو سليمان الشيبانيّ: ولكن لا أرى رأيَ جماعتكم، فانظروا في رأي لكم، إنِّي لا إخالُكم تجهَلون معرفتي بالحرب، وتجربتي بالأمور. فقالوا له: أجَل، أنت كما ذكرت، فما رأيك؟ قال: ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر، إنكم قليل في كثير، والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم؛ وتقرّوا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة إذْ آثرتم أن تَخرجوا على قومكم، فكيدوا عدوَّكم ما يضرّهم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: تسيرون إلى الكُورة التي أشار بنزولها مُعاذ بن جُوَين بن حصين -يعني: حُلوان- أو تسيرون بنا إلى عَين التّمر فنقيم بها، فإذا سمع بنا إخواننا أتَوْنا من كلّ جانبٍ وأوْب؛ فقال له حيّان بن ظَبْيان: إنك والله لو سرتَ بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما أطمَأنَنْتم به حتى يلحق بكم خيولُ أهل المِصْر، فأنى تشْفُونَ أنفسَكم! فو الله ما عِدَّتكم بالكثيرة التي ينبغي أن تَطمَعوا معها بالنصر في الدّنيا على الظالمين المعتدين، فاخرجوا بجانب من مِصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالفَ طاعة الله، ولا تربّصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة، وتُخرِجون أنفسكم بذلك من الفتنة. قالوا: أما إذا كان لا بدّ لنا فإنا لن نخالفَك، فاخرج حيث أحببت. فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سني ابن أمّ الحَكَم في أوّل السنة -وهو أوّل يوم من شهر ربيع الآخر- اجتمع أصحابُ حيّان بن ظَبْيان إليه، فقال لهم: يا قوم! إنّ الله قد جمعكم لخير وعلى خيرٍ، والله الذي لا إله غيره ما سررتُ بشيء قطّ في الدنيا بعد ما أسلمت سُروري لمُخرَجي هذا على الظَّلمة الأثمَة، فوالله ما أحبّ أنّ الدنيا بحذافيرها لي وأن الله حَرَمني في مُخرَجي هذا الشهادة. وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير، فإذا خرج إليكم الأحزابُ ناجزْتمُوهم. فقال عتْريس بن عُرقوب البَكْريّ: أمّا أن نقاتلَهم في جوف المِصْر فإنه يقاتلنا الرّجال، وتَصعَد النساءُ والصّبيان والإماء فيرموننا بالحجارة؛ فقاللهم رجل منهم: انزلوا بنا إذًا من وراء المِصْر الجسرَ -وهو موضع زرارة، وإنما بنيت زُرارة بعد ذلك إلا أبياتًا يسيرة كانت منها قبل ذلك- فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائيّ: لا، بل سيروا بنا فلننزل بانقِيَا فما أسرع ما يأتيكم عدوّكم، فإذا كان ذلك استقبلْنا القومَ بوجوهنا، وجعلْنا البيوت في ظهورنا، فقاتلْناهم من وجه واحد. فخرجوا، فبُعث إليهم جيش، فقُتلوا جميعًا. ثم إنّ عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم طرده أهل الكوفة، فحدّثت عن هشام بن محمد، قال: استعمل معاويةُ ابن أمّ الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم، فطردوه، فلحق بمعاوية وهو خاله، فقال له: أولّيك خيرًا منها؛ مِصرَ؛ قال: فولّاه، فتوجه إليها، وبلغ معاويةَ بن حُديج السَّكونيّ الخبر، فخرج فاستقبله على مَرْحلتين من مصر، فقال: ارجع إلى خالك فلَعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة. قال: فرجع إلى معاوية، وأقبل معاوية بن حُدَيج وافدًا؛ قال: وكان إذا جاء قُلِّسَتْ له الطريق -يعني ضُرِبت له قِباب الرّيحان- قال: فدخل على معاوية وعنده أمّ الحكم، فقالت: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بخٍ! هذا معاوية بن حُدَيج؛ قالت: لا مرحَبًا به! تَسمعَ بالمُعَيْديّ خيرٌ من أن تراه؛ فقال: على رِسْلِكِ يا أمّ الحكم! أما والله لقد تزوّجتِ فما أكرمتِ، وولدتِ فما أنْجَبْتِ، أردتِ أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة؛ ما كان الله ليُرِيَه ذلك، ولو فعل ذلك لضربْناه ضربًا يطأطئ منه، وإن كره ذلك الجالس. فالتفت إليها معاوية، فقال: كُفي (١). (٥: ٣٠٩/ ٣١٠/ ٣١١/ ٣١٢). وأما مِرْداس بن أديّة فإنه خرج بالأهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حَبَسه -فيما حدّثني عمر، قال: حدّثني خلّاد بن يزيدَ الباهليّ، قال-: حبس ابن زياد -فيمن حَبَسَ- مرداسَ بن أديّة، فكان السجّان يرى عبادته واجتهادَه، وكان يأذن له في الليل، فينصرف، فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، وكان صديقٌ لمرداس يسامرُ ابنَ زياد، فذكر ابن زياد الخوارج ليلةً فعزم على قتلهم إذا أصبح، فانطلق صديقُ مرداس إلى منزل مِرداس فأخبرهم، وقال: أرسلوا إلىأبي بلال في السجن فليعهدْ فإنه مقتول، فسمع ذلك مرداس، وبلغ الخبرُ صاحبَ السجن، فبات بليلة سوء إشفاقًا من أن يعلم الخبر مِرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به قد طلع، فقال له السجّان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم؛ قال: ثمّ غدوتَ! قال: نعم، ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقَب بسببي؛ وأصبح عُبيد الله فجعل تقتل الخوارج، ثم دعا بمرداس، فلمّا حضر وَثَب السجّان -وكان ظئرًا لعبيد الله- فأخذ بقدمه، ثم قال: هب هذا؛ وقصّ عليه قصّته، فوهبه له وأطلَقه (١). (٥: ٣١٣). وقيل: مات في هذه السنة عُميرة بن يثربيّ قاضي البَصرة، واستُقضِيَ مكانَه عليها هشامُ بن هُبيرة. وكان على الكوفة في هذه السنة عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم. وقال بعضهم: كان عليها الضحّاك بن فقيس الفِهْريّ، وعلى البَصْرة عُبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح. وحجّ بالناس الوليدُ بنُ عُتبة في هذه السنة، كذلك قال أبو معشر والواقديّ (٢). (٥: ٣١٤).