Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

مقتل حجر بن عدي وأَصْحَابه

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 3671, entry [1407]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: مقتل حجر بن عدي وأَصْحَابه
page 3671, entry [1407]Open original source
ذكر مقتل حُجْر بن عديّ وأصحابه * ذكر سبب مقتله:قال هشام بن محمد: عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقْعب بن زهير، وفضيل بن خَدِيج، والحسين بن عُقْبة المراديّ، قال: كلٌّ قد حدّثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث حُجْر بن عديّ الكِنْديّ وأصحابه: إنّ معاوية بن أبي سُفيان لما ولّى المغيرة بن شُعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دَعاه، فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أمّا بعد فإن لذي الحِلْم قبل اليومِ ما تُقرَع العَصَا، وقد قال المتلمّس: لِذِي الحِلْم قبلَ اليوم ما تُقْرَعُ العصا ... وما عُلِّمَ الإِنسانُ إلَّا ليعْلَما وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياءَ كثيرة، فأنا تاركُها اعتمادًا على بَصرك بما يرضيني ويُسعِد سلطاني، ويُصْلَحُ به رعيّتي، ولست تاركًا إيصاءك بخَصْلة: لا تتحمَّ عن شتمِ عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم؛ وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم، فقال المغيرة: قد جَرّبْتُ وجُرّبتُ، وعملتُ قَبْلك لغيرك، فلم يُذْممْ بي دَفع ولا رفع ولا وَضْع، فستبلو فَتحْمَد أو تَذُمَّ. قال: بل نحمَد إن شاء الله (١). (٥: ٢٥٣/ ٢٥٤) قال أبو مخنف: قال الصقعب بن زهير: سمعتُ الشعبيّ يقول: ما ولِينَا والٍ بعده مثله، وإن كان لاحقًا بصالح مَن كان قبله من العمّال. وأقام المغيرةُ على الكوفة عاملًا لمعاوية سبعَ سنين وأشهرًا، وهو من أحسن شيء سيرةً، وأشدّه حبًّا للعافية، غير أنه لا يدَع ذمّ عليّ والوقوعَ فيه والعيبَ لقتَلة عثمان، واللّعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار، والتزكيةَ لأصحابه، فكان حُجْر بن عديّ إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فذمّم الله ولعن! ثم قال فقال: إنّ الله ﷿ يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وأنا أشهد أن من تذّمون وتعيّرون لأحقّ بالفضل، وأن من تزكّون وتُطْرُون أوْلى بالذّم؛ فيقول المغيرة: يا حُجْر، لقد رُمِيَ بسهمك؛ إذ كنتُ أنا الوالي عليك، يا حُجْروَيْحك! اتّق السلطان اتق غضبَه وسطوتَه، فإنّ غضْبَة السلطان أحيانًا مما يُهلِك أمثالَك كثيرًا. ثم يكفّ عنه ويصفح. فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهمّ ارحم عثمانَ بن عفان وتجاوَزْ عنه، وأجزِه بأحسنِ عمله، فإنه عَمِل بكتابك، واتّبع سنة نبيك ﷺ، وجمَعَ كلمتنا، وحقَن دماءَنا، وقُتل مظلومًا؛ اللهم فارحم أنصارَه وأولياءه ومحبّيه والطالبين بدمه! ويدعو على قتَلته، فقام حُجْر بن عديّ فنَعَر نعرةً بالمغيرة سِمَعها كلّ مَن كان في المسجد وخارجًا منه، وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هَرَمك! أيها الإنسان، مُر لنا بأرزاقنا وأعطِياتنا، فإنك قد حبستَها عنا، وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلَك، وقد أصبحت مولَعًا بذمِّ أمير المؤمنين، وتقريظِ المجرِمين، قال: فقام معه أكثر من ثُلُثي الناس يقولون: صدَق والله حُجْر وبَرَّ، مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطِياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدى علينا شيئًا؛ وأكثروا في مِثل هذا القول ونحوه، فنزل المغيرة، فدخل واستأذن عليه قومُه، فأذن لهم، فقالوا: علامَ تترك هذا الرجلَ يقول هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة! إنَّك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أوّلهما فتهوين سلطانِك، وأما الأخرى فإنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخَطَ له عليه - وكان أشدّهم له قولًا في أمر حُجْر والتعظيم عليه عبد الله أبي عقيل الثَّقَفيّ - فقال لهم المغيرة: إنّي قد قتلته؛ إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسَبه مثل فيصنع به شبيهًا بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة، إنه قد اقترب أجلي وضَعُف عملي، ولا أحبّ أنْ ابتدئ أهلَ هذا المِصر بقتل خيارِهم، وسَفْكِ دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعزّ في الدنيا معاوية ويذلّ يوم القيامة المغيرة؛ ولكني قابلٌ من محسنهم، وعافٍ عن مسيئهم، وحامدٌ حليمَهم، وواعظٌ سِفيهَهم، حتى يفرّق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جرّبوا العمّال بعدي (١). (٢٥٤: ٥/ ٢٥٥) قال أبو مخنف: سمعتُ عثمان بنَ عقبة الكنديّ، يقول: سمعت شيخًا للحيّيذكر هذا الحديث يقول: قد واللهِ جرّبناهم فوجدناه خيرَهم أحمَدهم للبريء، وأغفرَهم للمسيء، وأقَبَلَهم للعذر (١). (٥: ٢٥٥). قال هشام: قال عَوانة: فوِليَ المغيرة الكوفة سنة إحدى وأربعين في جُمادى، وهلك سنة إحدى وخمسين، فجُمِعت الكوفة والبَصرة لزياد بن أبي سُفيان، فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة، ثم صعد المنبر فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّا قد جَرّبنا وجُرّبنا، وسُسْنا وساسَنا السائسون، فوجدْنا هذا الأمر لا يَصلُح آخره إلّا بما صلَح أوّله، بالطاعة اللّينة المشبّه سرّها بعلَانيتها، وغيْب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلّا لين في غير ضَعْف، وشدّة في غير عُنْف وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كِذْبة إمام على المنبر، ثم ذكر عثمانَ وأصحابَه فقرّظهم، وذكَر قتلتَه ولعَنَهم فقام حُجر ففعل مِثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وقد كان زيادٌ قد رجع إلى البصرة وولَّى الكوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة فبَلَغه أنّ حُجْرًا يجتمع إليه شيعة عليّ، ويُظهرون لعنَ معاوية والبراءة منه، وأنهم حَصَبوا عمرو بن الحريث، فشَخَص إلى الكوفة حتى دخلها، فأتى القصر فدخله، ثم خرج فصَعِد المنبر وعليه قَباء سُنْدس ومُطرَف خَزّ أخضر، قد فرق شعره، وحُجْر جالسٌ في المسجد حولَه أصحابُه أكثر ما كانوا، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ غِبَّ البَغْي والغيّ وخيم، إنّ هؤلاء جمّوا فأشِروا، وأمنوني فاجترؤوا عليَّ، وايمُ الله لئن لم تستقيموا لأداوينّكم بدوائكم؛ وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحةَ الكوفة من حُجْر وأدَعْه نكالًا لمن بعَده! ويلُ أمّك يا حُجر! سَقَط العَشاء بك على سِرْحان، ثم قال: أبلغْ نُصَيحَة أنّ راعِي إبْلِها ... سَقط العَشاءُ بِه على سِرْحان وأما غيرُ عوانة، فإنه قال في سبب أمر حُجْر (٢): (٥: ٢٥٥/ ٢٥٦) حدّثني عليّ بن حسن قال: حدّثنا مسلم الجَرْمي، قال: حدّثنا مخلَد بنالحسن عن هشام، عن محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يومًا في الجمعة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حُجْر بن عديّ: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشي حُجر فَوْتَ الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا، وثارَ إلى الصلاة وثار الناسُ معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلّى بالنّاس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثَّر عليه. فكتب إليه معاوية أن شُدَّه في الحديد، ثم احمله إليّ، فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قومُ حُجر أن يمنَعوه، فقال: لا، ولكن سمعٌ وطاعة، فشدّ في الحديد، ثم حُمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السّلام عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقِيلك ولا أستَقِيلك، أخرجوه فاضربوا عنقَه، فأخرج من عنده، فقال حُجر للذين يَلُون أمرَه: دعوني حتى أصلّي ركعتين؛ فقالوا: صلّ؛ فصلّى ركعتين خففّ فيهما، ثم قال: لولا أن تظنّوا بي غيرَ الذي أنا عليه لأحببتُ أن تكونا أطولَ مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خيرٌ فما في هاتين خير؛ ثم قال لمن حضره من أهله: لا تُطلِقوا عني حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ألاقي معاوية غدًا على الجادّة، ثم قُدِّم فضربتْ عنقُه. قال مخلد: قال هشام: كان محمد إذا سئل عن الشهيد يُغسَّل، حدَّثهم حديثَ حُجْر. قال محمد: فلقيَتْ عائشة أمّ المؤمنين معاوية - قال مخلد: أظنّه بمكة - فقالت: يا معاوية، أين كان حِلمُك عن حُجْر! فقال لها: يا أمّ المؤمنين! لم يحضرني رشيد! قال ابن سيرين: فبلغنا أنه لما حضرتْه الوفاة جعل يُغرغِر بالصوت ويقول: يومي منك يا حُجْر يومٌ طويل! (١) (٥: ٢٥٦/ ٢٥٧).قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني إسماعيل بن نُعَيم النّمَريّ، عن حسين بن عبد الله الهمْدانيّ، قال: كنت في شُرَط زياد، فقال زياد: لينطلِقْ بعضُكم إلى حُجْر فليدْعُه؛ قال: فقال لي أمير الشُّرْطة - وهو شدّاد بن الهيثم الهلاليّ: اذهب إليه فادْعه؛ قال: فأتيتُه، فقلت: أجِبِ الأميرَ؛ فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة! قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحبَ الشُّرْطة أن يبعث معي رجالًا، قال: فبعث نفرًا؛ قال: فأتيناه فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبّونا وشتَمَونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة! أتشجّون بيدٍ وتأسُون بأخرى! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حُجْر! هذا الهَجهاجة الأحمق المذبوب أنتم معي وإخوانُكم وأبناؤكم وعشائركم مع حُجر! هذا والله من دَحْسكم وغِشّكم! والله لتظهرَنّ لي براءَتُكم أو لآتينّكم بقوم أقيم بهم أوَدكم وصَعَركم! فوَثَبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكلّ ما ظننا أنّ فيه رضاك، وما يَستبين به طاعتَنا وخلافنا لحُجر فمُرْنا به، قال: فليقم كلّ امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حُجر فليدْعُ كلّ رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كلّ مَن استطعتم أن تقيموه، ففعلوا ذلك، فأقاموا جُلّ من كان مع حُجْر بن عدّي، فلما رأى زياد أنّ جُلَّ مَن كان مع حُجْر أقيم عنه، قال لشدّاد بن الهيثم الهلاليّ - ويقال: هيثم بن شدّاد أمير شرطته -: انْطلِق إلى حُجْر، فإن تَبِعك فائْتني به، وإلا فمرْ مَن معك فلينتزعوا عُمُد السوق، ثم يشدّوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونَه، فأتاه الهلاليّ فقال: أجب الأميرَ؛ قال: فقال أصحاب حُجْر: لا ولا نُعمةَ عين! لا نجيبه، فقال لأصحابه: شُدّوا على عُمُد السوق، فاشتدّوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيدَ الكنديّ من بني هند - وهو أبو العَمَرَّطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيري، وما يغني عنك! قال: فما ترى؟ قال: قُمْ من هذا المكانفالحق بأهلِك يَمنَعْك قومُك، فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعُمُد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له: بكر بن عبيد - رأس عمرو بن الحَمِق بعمود فوقع، وأتاه أبو سُفْيان بن عُوَيمر والعَجْلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزْد - فحَمَلاه؛ فأتَيَا به دار رَجل من الأزْد - يقال له: عبيد الله بن مالك - فخبّأه بها، فلم يزل بها متواريًا حتى خرج منها. ثم رجع إلى أوّل الحديث، قال: فلما ضرب عمرًا تلك الضربة وحمَلَه ذانك الرّجلان، انحاز أصحابُ حُجْر إلى أبواب كِنْدة، ويضرب رجلٌ من جُذام كان في الشُّرْطة رجلًا يقال له: عبدُ الله بن خليفة الطائيّ بعمود، فضَرَبه ضربةً فصرعه، فقال وهو يرتجز: قد علِمَتْ يَوْمَ الهِياج خُلَّتي ... أني إذا ما فِئتِي تَولّتِ وكَثُرَتْ عُداتُها أو قلَّتِ ... أَنِّي قتَّالٌ غداةَ بَلَّتِ وضُرِبتْ يد عائذ بن حملة التميميّ، وكُسرتْ نابه، فقال: إِنْ تَكْسِروا نابي وعَظْمَ ساعِدِي ... فإِنَّ فيَّ سوْرةَ المُناجِدِ وبعضَ شَغْبِ البَطَلِ المُبالِدِ وينتزع عمودًا من بعض الشُّرْطة، فقاتل به وحمَى حُجْرًا وأصحابه؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كِنْدة، وبغلة حُجْر موقوفة، فأتى بها أبو العمرطة إليه، ثم قال: اركب لا أبَ لغيرك! فوالله ما أراك إلّا قد قتلتَ نفسك، وقتلتَنا معك؛ فوضع حُجْر رجلَه في الرِّكاب؛ فلم يستطع أن ينهض، فحمله أبو العمرّطةَ على بغلته، ووثب أبو العمرّطة على فرسه؛ فما هو إلا أدا استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسْلِيّ - وكان يغْمِز - فضرب أبا العمّرطة بالعمود على فخذه، ويخترط أبو العمرّطة سيفه، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخرّ لوجهه، ثم إنه برأ بعدُ، فله يقول عبد الله بن همّام السّلوليّ: أَلُؤمَ ابْنَ لُؤمٍ ما عدا بك حاسِرًا ... إلى بَطَلٍ ذي جُرْأَةٍ وشَكِيمِ! معاود ضَرْبِ الدَّارِعين بسَيْفِهِ ... على الهام عند الرَّوْغ غَيْرَ لئيم إلى فارِسِ الغارَيْنِ يومَ تلَاقَيا ... بصفِّين قَرْمٍ خَيْرِ نَجل قُرُوم حَسِبْتَ ابنَ بَرصاءَ الحِتار قِتالَهُ ... قِتالَك زَيْدًا يَوْمَ دارِ حَكيم وكان ذلك السيف أوّل سيف ضُرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس،ومضى حُجْر وأبو العَمرّطة حتى انتهيا إلى دار حُجْر، واجتمع إلى حُجْر ناس كثير من أصحابه، وخرج قيس بن فهدان الكِنديّ على حمار له يسير في مجالس كِنْدة، يقول: يا قَوْمَ حُجْرٍ دافِعُوا وصاوِلوا ... وعَنْ أخيكمْ ساعَةً فقاتِلوا لا يُلْفَيا مِنكمْ لحُجْرٍ خاذِلُ ... ألَيْسَ فيكُمْ رامحٌ ونابلُ وفارِسٌ مُسْتَلْئِمٌ وراجلٌ ... وضارِبٌ بالسَّيْفِ لا يُزايلُ! فلم يأته من كِنْدة كثير أحد، وقال زياد وهو على المنبر: ليقم همْدان وتميم وهَوازن وأبناء أعصُر ومذحِج وأسد وغَطفان فليأتوا جبّانةَ كِنْدة، فليَمْضوا مِنْ ثمّ إلى حُجْر فليأتوني به، ثم إنه كره أن يسيّرَ طائفةً من مضرَ مع طائفة من أهل اليَمن فيقع بينهم شَغَب واختلاف، وتفسُد ما بينهم الحميّة، فقال: لتقُم تميم وهَوازنُ وأبناء أعصُر وأسَد وغَطَفان ولتمضِ مَذحِج وهَمْدان إلى جبّانة كِنْدة، ثم لينهضوا إلى حُجْر فليأتوني به، وليَسِر سائرِ أهلِ اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديّين، فليمضوا إلى صاحبهم، فليأتوني به، فخرجَتِ الأزْدُ وبَجيلةُ وخثعم والأنصار وخُزاعة وقضاعة، فنزلوا جبّانة الصائديّين، ولم تخرج حضر موت مع أهل اليَمن لمكانهم من كِنْدة، وذلك أنّ دعوة حضر موتَ مع كِنْدة، فكرهوا الخروجَ في طلب حجر (١). (٥: ٢٥٨/ ٢٥٧، تكملة ٢٥٨/ ٢٦٠/٢٥٩/ ٢٦١). قال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما انصرفنا من غزوة باجُمَيرا قبل مَقتل مُصعب بعام، فإذا أنا بأحمريّ يسايرني - ووالله ما رأيتُه من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحَمِق، وما كنت أرى لو رأيتُه أن أعرفه - فلما رأيته ظننتُ أنه هو هو؛ وذاك حين نظرْنا إلى أبيات الكوفة، فكرهتُ أن أسألَه: أنت الضارب عمرو بن الحَمِق؟ فيُكابرني، فقلت له: ما رأيتُك من اليوم الذي ضربتَ فيه رأسَ عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتُك الآن حين رأيتُك؛ فقال لي: لا تَعْدم بصرَك، ما أثبتَ نظرَك! كان ذلك أمرُ الشيطان، أما إنه قد بلغني أنه كان امرأ صالحًا، ولقد ندمتُ على تلك الضربة، فأستغفر الله، فقلت له: ألا ترى واللهلا أفترق أنا وأنت حتى أضربَك على رأسك مِثلَ الضّربة التي ضربتَها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت! فناشدَني الله وسألني الله، فأبَيْتُ عليه، ودعوتُ غلامًا لي يُدعَى رشيدًا من سَبْي أصبهان معه قَناة له صلْبة، فأخذتُها منه، ثم أحمل عليه بها، فنزل عن دابّته، وألحقه حين استوت قَدَماه بالأرض، فأصفع بها هامَتَه، فخرّ لوجهه، ومضيتُ وتركته، فبَرأ بعدُ؛ فلقيتُه مرّتين من الدهر، كلّ ذلك يقول: الله بيني وبينك! وأقول: الله ﷿ بينك وبين عمرو بن الحَمِق (١)! (٥: ٢٥٨/ ٢٥٩). قال أبو مخنف: حدّثني يحيى بن سعيد بن مخنف عن محمد بن مخنف، قال: إني لمع أهل اليَمَن في جبّانة الصائديّين؛ إذ اجتمع رؤوس أهلِ اليَمَن يتشاورون في أمر حُجْر، فقال لهم عبد الرحمن بن مِخنف: أنا مشير عليكم برأي إذا قبلتموه رجوتُ أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن تَلبثوا قليلًا فإنْ سُرْعان شباب هَمْدان ومذحِج يُكفونكم ما تكرهون أن تلُوا من مساءة قومكم في صاحبكم قال: فأجمع رأيهم على ذلك، قال: فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحِج وهَمْدان قد دخلوا فأخَذوا كلّ من وجدوا من بني جَبَلَة قال: فمرّ أهل اليمن في نواحي دور كِندة معذِّرة، فبلغ ذلك زيادًا، فأثنَى على مذحِج وهَمْدان وذمّ سائرَ أهل اليمن، وإنّ حُجرًا لَما انتهى إلى داره فنظر إلى قلّة مَنْ معه من قومه، وبلغه أنّ مذحِج وَهَمْدان نزلوا جبّانة كندة وسائر أهل اليمن جبّانة الصائديّين قال لأصحابه: اِنصرفوا فوالله ما لكم طاقةٌ بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحبّ أن أعرّضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا، فلحقتْهم أوائلُ خيل مذحِج وهَمْدان، فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدِيّ وعبد الرحمن بن مُحرِز الطّمحيّ، وقيس بن شمر، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرِحوا، وأسِر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبَا لكم! تفرّقوا لا تقاتلوا فإني آخُذُ في بعض السِّكك، ثم آخذ طريقَّا نَحوَ بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دارِ رجل منهم يقال له: سليم بن يزيد، فدخل دارَه، وجاء القومُ في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليم بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكتْ بناتُه؛ فقال له حُجْر:ما تريد؟ قال: أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتُهم بسيفي هذا ما ثبتَ قائمُه في يدي دونك؛ فقال حُجر: لا أبا لغيرك! بئس ما دخلتَ به إذًا على بناتك! قال: إنّي والله ما أمُونُهنّ، ولا رزقُهنّ إلا على الحيّ الذي لا يموت؛ ولا أشتري العارَ بشيء أبدًا، ولا تخرج من داري أسيرًا أبدًا وأنا حيّ أملك قائمَ سيفي، فإنْ قتِلتُ دونك فاصنع ما بدا لك. قال حُجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خَوْخة أخرج منها، عسى أن يسلمني الله ﷿ منهم ويسلّمك، فإذا القوم لم يقَدرِوا عليّ عندك لم يضروك! قال: بلى هذه خَوْخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى مرّ ببني ذُهْل، فقالوا له: مَرَّ القومُ آنفًا في طلبك يقْفون أثرَك. فقال: منهم أهرُب؛ قال: فخرج ومعه فِتْية منهم يتقصّوْن به الطريق، ويسلُكون به الأزقّة حتى أفضَى إلى النَّخَع، فقال لهم عند ذلك: انصرِفوا رحمكم الله! فانصرَفوا عنه، وأقبل إلي دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها، فإنّه لكذلك قد ألقى له الفرُشَ عبدُ الله، وبسط له البُسُط، وتلقاه ببَسْط الوجه، وحُسن البِشْر، إذ أتي فقيل له: إنّ الشُّرَط تسأل عنك: في النَّخَع- وذلك أنّ أمةً سوداء يقال لها: أدماء، لقيتْهم، فقالت: مَنْ تطلبون قالوا: نطلب حُجْرًا؛ قالت: ها هو ذا قد رأيتُه في النَّخَع، فانصرَفوا نحو النَّخَع- فخرج من عند عبد الله متنكِّرًا، ورَكِب معه عبدُ الله بنُ الحارث ليلًا حتى أتى دارَ ربيعة بن ناجد الأزديّ في الأزْد، فنزلها يومًا وليلة، فلما أعجَزَهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له: يا أبا مَيْثاء، أما والله لتأتينّي بحُجْر أو لا أدَع لك نخلةً إلا قطعتُها، ولا دارًا إلا هدمتها ثم لا تسلَم مني حتى أقطِّعكَ إرْبًا إرْبًا؛ قال: أمهِلني حتى أطلبه؛ قال: قد أمهلتك ثلاثًا، فإن جئتَ به وإلا عُدّ نفسك مع الهَلْكَى. وأخرِج محمدًا نحو السجن منتقع اللون يُتلّ تلًّا عنيفًا، فقال حُجر بن يزيد الكنديّ لزياد: ضَمنِّيه وخلّ سبيلَه يطلب صاحبه؛ فإنه مخلَّى سَرْبُه أحْرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسًا، فقال: أتضْمنه؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لئن حاصَ عنك لأزيرنّك شَعوب، وإن كنت الآن عليَّ كريمًا، قال: إنه لا يفعل فخلّى سبيله. ثمّ إن حُجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أُتِيَ به أسيرًا، فقال لهم: ما على قيس بأس، قد عرفْنا رأيَه في عثمان، وبلاءَه يومَ صِفّين مع أمير المؤمنين،ثم أرسل إليه فأتِيَ به، فقال له: إني قد علمتُ أنك لم تقاتل مع حُجْر: أنك ترى رأيَه، ولكن قاتلتَ معه حميّة قد غفرتُها لك لما أعلَم من حُسن رأيك، وحُسن بلائك؛ ولكن لن أدعَك حتى تأتيَني بأخيك عمير؛ قال: أجيئك به إن شاء الله؛ قال: فهات من يضمَنُه لي معك، قال: هذا حُجر بن يزيد يضْمنه لك معي؛ قال: حُجْر بن يزيد: نعم أضمنه لك، على أن تؤمّنه على ماله ودمِه، قال: ذلك لك، فانطلَقا، فأتيا به وهو جريح، فأمَرَ به فأوقِر حديدًا، ثم أخذتْه الرجال ترفعه، حتى إذا بلغ سُرَرَها ألقَوْه، فوقع على الأرض، ثم رفعوه وألقوه، ففعلوا به ذلك مِرارًا، فقام إليه حُجر بن يزيدَ فقال: ألم تؤمّنه على ماله ودمِه أصلحك الله! قال: بلى، قد آمنته عِلى ماله ودمه، ولست أهريق له دمًا، ولا آخذ له مالًا، قال: أصلحك الله! يُشفى به على الموت، ودنا منه وقامَ من كان عنده من أهل اليمن، فدنَوا منه وكلَّموه، فقال: أتضمنونه لي بنفسه، فمتى ما أحدث حدثًا أتيتموني به؟ قالوا: نعم؛ قال: وتضمنون لي أرْش ضربة المسلّى، قالوا: ونضمنها؛ فخلّى سبيلَه. ومكث حُجر بن عديّ في منزل ربيعة بن ناجد الأزديّ يومًا وليلة، ثم بعث حُجر إلى محمد بن الأشعث غلامًا له يدعى رشيدًا من أهل إصبهان: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد، فلا يهولنّك شيء من أمره، فإنّي خارج إليك، أجمع نفرًا من قومك ثم أدخل عليه فأسأله أن يُؤمِّنَني حتى يبعث بي إلى معاوية فيرى فيّ رأيه. فخرج ابن الأشعث إلى حُجْر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلّموه وطلبوا إليه أن يؤمّنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه، ففعل، فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه أنه قد أخذْنا الذي تسأل، وأمروه أن يأتي؛ فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد: مرحبًا بك أبا عبد الرحمن! حرب في أيام الحرب، وحربٌ وقد سالم الناس! على أهلها تَجنِي بَراقِش، قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لَعلى بيعتي؛ فقال: هيهات هيهات يا حُجر! تَشُجّ بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذا أمكَن الله منك أن نرضى! كلّا والله! . قال: ألم تؤمّنّي حتى آتيَ معاوية فيرى فيّ رأيه! قال: بلى قد فعلْنا، انطلقوابه إلى السجن، فلما قُفّيَ به من عنده قال زياد: أما والله لولا أمانُه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه (١). (٥: ٢٦١/ ٢٦٣/٢٦٢/ ٢٦٤). قال هشام بن عروة: حدّثني عوانة، قال: قال زياد: واللهِ لأحرِصنّ على قطع خيط رقبته (٢). (٥: ٢٦٤) قال هشام بن محمد: عن أبي مخنف، وحدثني المجالد بن سعيد عن الشعبيّ، وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: أنّ حُجرًا لما قُفِّيَ به من عند زياد نادَى بأعلى صوْتِهِ: اللهمّ إنّي على بيْعتي، لا أقِيلُها ولا أستقيلُها، سماعَ اللهِ والناس، وكان عليه بُرنُس في غداة باردة، فحبس عشرَ ليال، وزيادٌ ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حُجر، فخرج عمرو بن الحَمَق، ورفاعة بن شدّاد؛ حتى نزلا المدائن، ثم ارتَحلا حتى أتيا أرض الموصل، فأتيا جبلًا فَكمَنا فيه، وبلغ عاملَ ذلك الرّستاق: أنّ رجلين قد كمَنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما -وهو رجل من هَمْدان يقال له: عبد الله بن أبي بَلْتعة- فسار إليهما في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد، فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو بن الحَمِق فكان مريضًا، وكان بطنُه قد سُقِيَ فلم يكن عنده امتناع؛ وأما رفاع بن شدّاد -وكان شابًّا قويًّا- فوثب على فرس له جواد، فقال له: أقاتل عنك؟ قال: وما ينفعني أن تقاتل! انجُ بنفسك إن استطعتَ، فحمل عليهم، فأفرجوا له، فخرج تنفِر به فرسُه، وخرجت الخيلُ في طلبه -وكان راميًا- فأخذ لا يلحقه فارسٌ إلا رماه فجرحه أو عَقَره، فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحَمِق، فسألوه: مَن أنت؟ فقال: مَن إن تركتموه كان أسَلَم لكم، وإن قتلتموه كان أضرّ لكم؛ فسألوه: فأبَى أن يخبرهم، فبعث به ابن أبي بَلْتعة إلى عامل الموصل -وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ- فلما رأى عمَرو بن الحَمِقِ عَرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفّان تسع طَعَنات بمَشاقصَ كانت معه، وإنا لا نريد أن نعتديَ عليه، فأطعنه تسعَطَعَنات كما طعن عثمان، فأُخرِج، فطُعِن تسعَ طَعَنات، فمات في الأولى منهنّ أو الثانية (١). (٥: ٢٦٤/ ٢٦٥). قال أبو مخنف: وحدّثني المجالد عن الشعبيّ وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، قال: وجّه زياد في طلب أصحاب حُجر، فأخذوا يَهرُبون منه، ويأخذ من قَدَر عليه منهم، فبعث إلى قَبيصة بن ضُبيعة بن حرْملة العبسيِّ صاحب الشُّرْطة -وهو شدّاد بن الهيثم- فدعا قَبيصة في قومه، وأخذ سيفه، فأتاه ربعيّ بن خراش بن جَحْش العبسيّ ورجال من قومه ليسوا بالكثير، فأراد أن يقاتل، فقال له صاحب الشُّرْطة: أنت آمن على دمك ومالك، فلِمَ تقتل نفسك؟ فقال له أصحابُه: قد أومِنتَ، فعَلام تقتل نفسَك وتقتلنا معك؟ ! قال: ويحكم! إنّ هذا الدَّعيَّ ابن العاهرة، واللهِ لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدًا أو يقتلني؛ قالوا: كلا! فوضع يدَه في أيديهم، فأقبَلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد: وحيّ عَبْسٍ تُعِزّوني على الدّين، أما والله لأجعلنّ لك شاغلًا عن تلقيح الفِتَنِ، والتوثُّب على الأمراء! قال: إني لم آتك إلا على الأمان؛ قال: انطلقوا به إلى السجن، وجاء قيس بن عباد الشيبانيّ إلى زياد، فقال له: إنّ امرأً منّا من بني همام يقال له: ضيفى بن فَسيل من رؤوس أصحاب حُجْر، وهو أشدّ الناس عليك، فبعث إليه زياد، فأتِيَ به، فقال له زياد: يا عدوّ الله! ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب؛ قال: ما أعرَفَك به! قال: ما أعرفه! قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟ قال: بلى، قال: فذاك أبو تراب، قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب الشُّرْطة: يقول لك الأمير: هو أبو تُراب، وتقول أنتَ: لا! قال: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب وأشهدَ له على باطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضًا مع ذنبك! عليَّ بالعصا، فأتي بها، فقال: ما قولك [في عليّ؟ ]، قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله [أقوله في] المؤمنين، قال: اضرِبوا عاتِقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزمَ الأرض، ثمّ قال: أقلِعوا عنه، إيهٍ، ما قولُك في عليّ؟ قال: والله لو شرَّحْتَني بالموَاسي والمُدَى ما قلتُ إلا ما سمعتَ منّي؛ قال لتلعَننّه أو لأضربنّ عنقكَ؛ قال: إذًا تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيتَ إلا أن تضربَها رضيت بالله،وشقيتَ أنت؛ قال: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقِروه حديدًا، وألقُوه في السجن. ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائيّ -وكان شهد مع حُجْر وقاتَلهم قتالًا شديدًا- فبعث إليه زيادٌ بُكَيرَ بن حُمران الأحمريّ -وكان تبيعَ العمّال- فبعثه في أناس من أصحابه، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عديّ بن حاتم، فأخرجوه، فلما أراد أن يذهبوا به -وكان عزيز النفس- امتنَع منهم فحارَبَهم وقاتلهم، فشجّوه ورَمْوه بالحجارة حتى سقط، فنادتْ ميثاء أخته: يا معشرَ طيّئ أتسلمون ابنَ خليفة لسانَكم وسِنانَكم! فلما سمع الأحمريّ نداءها خشيَ أن تجتمع طيّئ فيهلك، فهرب وخرج نسوةٌ من طيّئ فأدخلنَه دارًا، وينطلق الأحمريّ حتى أتى زيادًا، فقال: إنّ طيّئًا اجتمعتْ إليَّ فلم أطِقهم، فأتيتك، فبعث زيادٌ إلى عديّ -وكان في المسجد- فحبسه وقال: جئني به -وقد أخبر عديّ بخبر عبد الله- فقال عديّ: كيف آتيك برجل قد قتلَه القوم: قال: جئْني حتى أرى أن قد قتلوه، فاعتلّ له، وقال: لا أدري أين هو، ولا ما فعل! فحبسه، فلم يبق رجلٌ من أهل المِصْر من أهل اليَمَن وربيعة ومضرَ إلا فزع لعديّ، فأتَوا زيادًا فكلّموه فيه، وأخرج عبد الله فتغيَّب في بُحْتر، فأرسل إلى عديّ: إن شئتَ أن أخرجَ حتى أضع يَدِي في يدِك فعلتُ؛ فبعث إليه عديّ: والله لو كنت تحتَ قدميَّ ما رفعتُهما عنك، فدعا زياد عديًّا، فقال له: إني أخلّي سبيلَك على أن تجعل لي لِتنفِيَه من الكوفة، ولتسيرَ به إلى الجبلين؛ قال: نعم، فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: اخْرج، فلو قد سكن غضبه لكلّمته فيك حتى ترجع إن شاء الله؛ فخرج إلى الجبلين. وأتِيَ زياد بكريم بن عَفيف الخثعميّ فقال: ما اسمك؟ قال: أنا كريم بن عفيف؛ قال: ويحْك، أو وَيلك! ما أحسن اسمَك واسمَ أبيك، وأسوأ عَمَلك ورأيَك! قال: أما والله إنّ عهدك برأيي لمنذ قريب، ثم بعث زيادٌ إلى أصحاب حُجْر حتى جمع اثني عشر رجلًا في السجن، ثم إنه دعا رؤوسَ الأرباع، فقال: اشهَدوا على حُجْر بما رأيتم منه -وكان رؤوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حُرَيث على رُبْع أهل المدينة، وخالد بن عُرْفطة على رُبع تميم وهَمْدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على رُبع ربيعة وكِنْدة، وأبو بُرْدة بن أبي موسىعلى مَذْحِج وأسد- فشهِد هؤلاء الأربعةُ أنَّ حُجْرًا جمع إليه المجموع، وأظهر شتمَ الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يَصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصْر وخرج عاملَ أمير المؤمنين، وأظهر عذرَ أبي تراب والترحُّم عليه، والبراءة من عدوّه وأهل حربه، وأنّ هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه، وعلى مثِل رأيه وأمره، ثم أمر بهم ليخرجوا، فأتاه قيس بن الوليد فقال: إنه قد بلغني أنّ هؤلاء إذا خُرج بهم عَرَض لهم، فبعث زياد إلى الكُناسة فابتاع إبلًا صِعابًا، فشدّ عليها المَحامِل، ثم حملهم عليها في الرّحَبة أوّل النهار، حتى إذا كان العشاء قال زياد: مَن شاء فليعرِض، فلم يتحرّك من الناس أحد، ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظنّ هذه الشهادة قاطعة، وإني لأحب أن يكون الشهود أكثرَ من أربعة (١). (٥: ٢٦٦/ ٢٦٧/ ٢٦٨). قال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن حُصَيرة عن أبي الكَنُود -وهو عبد الرحمن بن عبيد- وأبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبي راشد عن أبي الكنود بأسماء هؤلاء الشهود: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما شَهِد عليه أبو بُرْدة بن أبي موسى لله ربّ العالمين؛ شهد: أنّ حُجْر بن عديّ خلعَ الطاعة، وفارقَ الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموعَ يدعوهم إلى نَكْث البيعة وخَلْعِ أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله ﷿ كَفْرةً صَلْعاء. فقال زياد: على مِثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجْهَدنّ على قطع خيط عنق الخائن الأحمق، فشَهِد رؤوس الأرباع [الثلاثة الآخرون] على مِثل شهادته -وكانوا أربعة- ثم إنّ زيادًا دعا الناس فقال: اشهَدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع، فقرأ عليهم الكتاب، فقام أوّل الناس عناق بن شُرَحبيل بن أبي دَهم التيميّ تيم الله بن ثعلبة، فقال: بيّنوا اسمي، فقال زياد: ابدؤوا بأسامي قريش، ثمّ اكتبوا اسمَ عناق في الشهود، ومَنْ نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنّصيحة والاستقامة. فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بنطلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعُمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وعبد الرحمن بن هنَّاد، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعامر بن مسعود بن أميّة بن خلف، ومحرِز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس، وعبيد الله بن مسلم بن شعبة الحضرميّ، وعناق بن شُرحبيل بن أبي دَهْم، ووائل بن حُجْر الحضرميّ، وكثِير بن شهاب بن حصين الحارثيّ، وقَطن بن عبد الله بن حُصين، والسريّ بن وقّاص الحارثيّ -وكتب شهادتَه وهو غائب في عمله- والسائب بن الأقرع الثقفيّ، وشَبث بن رِبْعيّ، وعبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، ومصقَلة بن هبيرة الشيبانيّ، والقعقاع بن شور الذهليّ، وشدّاد بن المنذر بن الحارث بن وَعْلة الذّهليّ -وكان يدعى ابن بُزَيعة، فقال: ما لهذا أبٌ ينسب إليه! ألقوا هذا من الشهود، فقيل له: إنه أخو الحضَين، وهو ابن المنذر، قال: فانسبوه إلى أبيه، فنُسب إلى أبيه. فبلغتْ شدّادًا، فقال: وَيْلي على ابن الزانية! أوَليست أمُّه أعَرفَ من أبيه! واللهِ ما ينسب إلّا إلى أمّه سمية، وحَجّار بن أبجر العجليّ فغضبتْ ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم: شهدتهم على أوليائنا وحلفائنا! فقالوا: ما نحن إلا من الناس، وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير -وعمرو بن الحجاج الزّبيديّ ولبيد بن عُطارد التميميّ، ومحمد بن عُمَير بن عطارد التّميميّ، وسُوَيد بن عبد الرحمن التميميّ من بني سعد، وأسماء بن خارجة الفَزاريّ- كان يعتذر من أمره- وشمِر بن ذي الجَوْشن العامريّ، وشدّاد ومَرْوان ابنا الهيثم الهلاليّان، ومحفّز بن ثعلبة من عائذةِ قريش، والهيثم بن الأسود النخعيّ- وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسديّ، والحارث وشداد ابنا الأزمع الهَمْدانيّان، ثم الوادِعيّان، وكُرَيب بن سلمة بن يزيد الجعفيّ، وعبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعفيّ، وزحْر بن قيس الجُعفي، وقُدامة بن العَجْلان الأزْديّ وعَزرة بن عَزْرة الأحمسيّ- ودعا المختار بن أبي عُبيد وعُرْوة بن المغيرة بن شعبة ليشهَدوا عليه، فراغًا- وعمر بن قيس ذي اللحية وهانئ بن أبي حية الوادعيّان. فشهد عليه سبعون رجلًا، فقال زياد: ألقُوهم إلا من قد عُرف بحسَب وصَلاح في دِينه، فألقُوا حتى صُيّرُوا إلى هذه العدّة، وألقيتْ شهادة عبد الله بن الحجّاج الثعلبيّ وكتِبتْ شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة، ثم دفعها إلى وائل بن حُجْرالحضرميّ وكثير بن شهاب الحارثيّ، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم، وكتب في الشهود شُريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ الحارثيّ؛ فأما شريح فقال: سألني عنه، فأخبرتُه: أنه كان صوّامًا قوّامًا، وأما شريح بن هانئ الحارثيّ فكان يقول: ما شهدتُ، ولقد بلغني أن قد كتبتْ شهادتي، فأكذبته ولُمْتُه، وجاء وائل بن حُجْر، وكَثِير بن شهاب، فأخرج القوم عشيّة، وسار معهم صاحبُ الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة. فلما انتهوا إلى جبّانة عَرْزَم نظر قَبِيصة بن ضُبَيعة العبسيّ إلى داره وهي في جبّانة عرْزم، فإذا بناتُه مشرِفات، فقال لوائل وكَثير: ائْذَنا لي فأوصى أهلي، فأذِنا له، فلمّا دنا منهنّ وهنّ يبكين، سكت عنهنّ ساعة ثم قال: اسكتْنَ؛ فسكَتْن، فقال: اتَّقين الله ﷿، واصبْرن فإني أرجو من ربيّ في وجهي هذا إحدى الحُسْنَيَين: إمَّا الشهادة، وهي السعادة؛ وإما الانصراف إليكنّ في عافية، وإن الذي كان يرزُقكُنّ ويكفيني مُؤنتكُنّ هو الله تعالى -وهو حيّ لا يموت- ألّا يضيّعَكُنّ وأن يحفظني فيكنّ ثم انصرف فمرّ بقومه، فجعل القوم يدعون الله له بالعافية، فقال: إنه لمِمّا يعدل عندي خطرَ ما أنا فيه هلاكُ قومي، يقول: حيث لا ينصرونني، وكان رجا أن يتخلّصوه (١). (٥: ٢٦٨/ ٢٦٩/ ٢٧٠/ ٢٧١). قال أبو مخنف: فحدّثني النضر بن صالح العبسيّ عن عبيد الله بن الحرّ الجعفي، قال: والله إني لواقف عند باب السريّ بن أبي وقّاص حين مرّوا بحُجر وأصحابه، قال: فقلتُ: ألا عشرة رَهْط أستنقِذ بهم هؤلاء! ألَا خمسة! قال: فجعل يتلهّف، قال: فلم يجبني أحدٌ من الناس، قال: فمضَوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغَريّيْنِ، فلَحِقهم شُريح بن هانئ معه كتاب، فقال لكثير: بلّغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، قال: ما فيه؟ قال: لا تسألْني فيه حاجتي؛ فأبى كثير وقال: ما أحبّ أن آتيَ أميرَ المؤمنين بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى ألّا يوافقه! فأتى به وائلَ بن حُجْر فقَبِله، ثم مَضَوا بهم حتى انتهَوا بهم إلى مَرْج عَذْراء، وبينها وبين دمشقَ اثنا عشر مِيلًا (٢). (٥: ٢٧١).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Chronology

  • Death Year Ah

    1

    عليه، فأطعنه تسعَطَعَنات كما طعن عثمان، فأُخرِج، فطُعِن تسعَ طَعَنات، فمات في الأولى منهنّ أو الثانية (١). (٥: ٢٦٤/ ٢٦٥). قال أبو مخنف: وحدّثني المجالد عن الشعبيّ وزكريا بن أبي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340297
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1407:917919
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate