Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

مَا روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إِلَى الحكومة

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 3493, entry [1346]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: مَا روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إِلَى الحكومة
page 3493, entry [1346]Open original source
ما روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة ١١٣١ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُندَب الأزديّ عن أبيه: أنّ عليًّا قال: عبادَ الله! امضُوا على حقكم وصِدقكم قتالَ عدوّكم، فإن معاوية، وعمرَو بن العاص، وابنَ أبي مُعيط، وحبيب بن مَسلمة، وابن أبي سرْح، والضحّاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دِين ولا قرآن، أنا أعرَف بهم منكم، قد صحبتُهم أطفالًا، وصحبتهم رجالًا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، ويْحَكم! إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعةً ودَهْنًا ومَكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله ﷿ فنأبى أن نَقبله؛ فقال لهم: فإنِّي إنما قاتلتُهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنَّهم قد عصَوا الله ﷿ فيما أمَرَهم ونسُوا عهدَه، ونبذُوا كتابه. فقال له مِسْعر بن فَدَاكيّ التميميّ، وزيد بن حصين الطائيّ ثم السَّنْبِسيّ في عصابة معهما من القرّاءالذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ! أجِب إلى كتاب الله ﷿ إذْ دعيتَ إليه، وإلّا ندفعك برُمّتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان؛ إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله ﷿ فقبلناه؛ والله لتفعلنّها، أو لنفعلنَّها بك! قال: فاحفظوا عنِّي نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، أمَّا أنا فإن تطيعوني؛ تقاتلوا، وإن تعصوني؛ فاصنعوا ما بدا لكم! قالوا له: إمّا لَا فابعث إلى الأشتر فليأتك (١). (٥: ٤٨/ ٤٩). ١١٣٢ - قال أبو مخنف: حدّثني فضَيل بن خَديج الكنديّ، عن رجل من النَّخَع: أنه رأى إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير، قال: كنت عند على حين أكرَهه الناس على الحكومة، وقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك، قال: فأرسل عليّ إلى الأشتر يزيدَ بن هانئ السّبيعيّ: أن ائتني؛ فأتاه فبلّغه، فقال: قل له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تُزِيلني فيها عن موقفي، إن قد رجوت أن يُفتَح لي، فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هانئ إلى عليّ فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرّهَج، وعلت الأصوات من قِبَل الأشتر، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرتَه أن يقاتل، قال: من أين ينبغي أن ترَوا ذلك! رأيتموني ساررْته؛ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية، وأنتم تسمعونني! قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك، قال له: ويْحَك يا يزيد! قل له: أقبل إليّ، فإنّ الفتنة قد وقعتْ، فأبلغه ذلك، فقال له: ألِرفع المصاحف؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لقد ظننت حين رُفعتْ أنّها ستوقع اختلافًا وفُرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ألا ترى ما صنع الله لنا! أينبغي أن أدعَ هؤلاء وأنصرف عنهم! وقال يزيد بن هانئ: فقلت له: أتحب أنك ظفرتَ هاهنا، وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يُفرج عنه أو يُسْلَم؛ قال: لا والله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا: لَتُرسلنّ إلى الأشتر فلياتينّك أو لنقتلنّك كما قتلنْا ابن عفّان، فأقبل حتى انتهى إليهم فقال: يا أهلَ العراقّ يا أهل الذّلّ والوَهَن، أحين علوتم القوم ظهرًا، وظنّوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها! وقد والله تركواما أمر الله ﷿ به فيها، وسنّة من أنزلتْ عليه ﷺ، فلا تجيبوهم، أمهلوني عَدْوَ الفرس، فإني قد طمعت في النصر؛ قالوا: إذًا ندخل معك في خطيئتك؛ قال: فحدِّثوني عنكم، وقد قُتل أماثِلُكم، وبقيَ أراذلكم، متى كنتم محقِّين! أحين كنتم تقاتلون وخياركم يُقتلون! فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الان أنتم محقّون، فقَتْلاكم الذين لا تنكرون فضلَهم فكانوا خيرًا منكم في النار إذًا! قالوا: دعنا منك يا أشتر! قاتَلْناهم في الله ﷿، ونَدَع قتالهم لله سبحانه، إنا لسنا مُطيعِيك ولا صاحبك، فاجتنِبْنا، فقال: خُدِعتم والله فانخَدعتم، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحابَ الجباه السود! كنا نظنّ صلواتكم زَهادةً في الدنيا، وشوقًا إلى لقاء الله ﷿، فلا أرى فِراركم إلّا إلى الدنيا من الموت، ألا قبحًا يا أشباهَ النِّيب الجَلّالة! وما أنتم برائين بعدَها عزًّا أبدًا، فابعَدوُا كما بَعِدَ القوم الظالمون! فسبّوه، فسبّهم، فضربوا وجه دابّته بسياطهم، وأقبل يضرب بسوطه وجوهَ دوابّهم، وصاح بهم عليّ فكَفوا؛ وقال للناس: قد قبِلنا أن نجعلَ القرآن بيننا وبينهم حَكمًا، فجاء الأشدث بن قيس إلى عليّ فقال له: ما أرى الناسَ إلا قد رضُوا، وسرّهم أن يجيبوا القومَ إلى ما دعَوْهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيتُ معاوية فسألتُه ما يريد، فنظرتَ ما يسأل؛ قال: ائته إن شئتَ فسَلْه، فأتاه فقال: يا معاوية! لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ﷿ به في كتابه، تبعثون منكم رجلًا ترضَوْن به، ونبعث منّا رجلًا، ثم نأخذ عليهما أن يعمَلا بما في كتاب الله لا يعدُوانه، ثم نتبع ما اتّفقا عليه، فقال له الأشعث بنُ قيس: هذا الحقّ، فانصرف إلى عليّ فأخبرَه بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنا قد رصينا وقبِلنا، فقال أهل الشأم: فإنا قد اخترنا عمروَ بن العاص؛ فقاط الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارجَ بعد: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعريّ، قال عليّ: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصُوني الآن، إني لا أرى أن أولِّيَ أبا موسى. فقال الأشعث، وزيد بن حُصين الطائيّ، ومسعر بن فدكيّ: لا نرضى إلّا به، فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه؛ قال عليّ: فإنه ليس لي بثقة، قد فارقني، وخذّل الناسَ عني ثم هرب مني حتى آمنتُه بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس ولِّيه ذلك، قالوا: ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلّا رحلَّا هو منك ومنمعاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر، فقال عليّ: فإنّي أجعل الأشتر (١). (٥: ٤٩/ ٥٠/ ٥١). ١١٣٣ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب الكلبيّ: أن الأشعث قال: وهل سَعّر الأرضَ غيرُ الأشتر (٢)؟ ! (٥: ٥١). ١١٣٤ - قال أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن جُندَب، عن أبيه: أنّ الأشعث قال: وهل نحن إلا في حكم الأشتر! قال عليّ: وما حُكمه؛ قال: حكمه أن يَضرِب بعضُنا بعضًا بالسيوف حتى يكون ما أردتَ وما أراد؛ قال: فقد أبَيتم إلا أبا موسى! قالوا. نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم! فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال، وهو بعُرْضٍ، فأتاه مولى له؛ فقال: إن الناس قد اصطلحوا؛ فقال: الحمد لله ربّ العالمين! قال: قد جعلوك حَكَمًا؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر حتى أتى عليًّا فقال: ألِزّني بعمرو بن العاص، فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن ملأث عيني منه لأقتلنّه؛ وجاء الأحنف فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنك قد رُميتَ بحجر الأرض، وبمَنْ حارب اللهَ ورسوله أنْفَ الإسلام، وإنّي قد عجمتُ هذا الرجلَ وحلبتُ أشطُرَه فوجدتُه كَلِيلَ الشَّفرة، قريبَ القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلّا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفّهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيتَ أن تجعلَني حَكَمًا، فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا، فإنه لن يعقد عقدةً إلا حللتُها، ولن يحلّ عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكَم منها، فأبى الناسُ إلا أبا موسى والرِّضا بالكتاب؛ فقال الأحنف: فإنْ أبيتم إلا أبا موسى فأدفئِوا ظهرَه بالرجال. فكتبوا: بسم الله الرحمن الرّحيم؛ هذا ما تَقاضى عليه عليٌّ أميرُ المؤمنين ... فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميرُكم فأما أميرُنا فلا، وقال له الأحنف: لا تمح اسم "إمارة المؤمنين"، فإني أتخوّف إنْ محوتَها ألّا ترجع إليك أبدًا، لا تَمحُها وإن قتل الناسُ بعضهم بعضًا؛ فأبى ذلك عليّ مليًّا من النهار، ثم إنّ الأشعث بنَ قيس قال: امحُ هذا الاسم برحه الله! فمُحِيَ وقال على: الله أكبر، سنّة بسنّة، ومثَلبمثَل، والله إني لكاتب بين يديْ رسول الله ﷺ يومَ الحُدَيبية إذ قالوا: لستَ رسول الله، ولا نشهد لك به، ولكن اكتب اسمك واسمَ أبيك، فكتبه، فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! ومَثَلُ هذا أن نشبّه بالكفّار ونحن مؤمنون! فقال عليّ: يا بن النابغة! ومتى لم تكن للفاسقين وليًّا، وللمسلمين عدوًّا! وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك! فقام فقال: لا يجمع بيني وبينَك مجلسٌ أبدًا بعد هذا اليوم؛ فقال له عليّ: وإني لأرجُو أن يطهّر الله ﷿ مجلسي منك ومن أشباهِك، وكتب الكتاب. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف، وكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سُفيان، قاضى عليّ على أهل الكوفة ومَنْ معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضَى معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حُكم الله ﷿ وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله ﷿ بيننا مِن فاتحتِه إلى خاتمته، نُحيي ما أحيا، ونُميت ما أمات، فما وجد الحكَمَان في كتاب الله ﷿ وهما أبو موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي - عَمِلَا به، وما لم يَجِدَا في كتاب الله ﷿ فالسنة العادلة الجامعة غير المفرّقة، وأخذ الحكَمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلِهما، والأمّة لهما أنصار على الذي يتقاضيَان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدُ الله وميثاقُه أنّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبتْ قضيّتهما على المؤمنين، فإنّ الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهلِيهم وأموالِهم، وشاهِدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهدُ الله وميثاقُه أن يحكُمَا بين هذه الأمة، ولا تردّاها في حرب ولا فُرقة حتى يُعصيا، وأجَلُ القضَاء إلى رَمضان، وإن أحبّا إن يؤخّرا ذلك أخّراه على تراضٍ منهما، وإن تُوفِّي أحد الحَكَمين فإنْ أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المَعدلة والقِسط، وإنّ مكان قضيّتهما الذي يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل الكوفة وأهل الشأم؛ وإن رضيَا وأحبّا فلا يَحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحَكَمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة،وهم أنصارٌ على مَن ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا وظُلمًا، اللهم إنا نستنصرك على من تَرَك ما في هذه الصحيفة. شَهِد من أصحاب عليّ: الأشعثُ بن قيس الكنديّ، وعبدُ الله بن عباس، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وورقاء بن سُمَيّ البَجَليّ، وعبد الله بن مُحِلّ العِجليّ، وحُجْر بن عديّ الكِنديّ، وعبد الله بن الطفيل العامريّ، وعقبة بن زياد الحَضْرميّ، ويزيد بن حجيَّة التيميّ، ومالك بن كعب الهمدانيّ. ومن أصحاب معاوية: أبو الأعور السلميّ عمرو بن سفيان، وحبيب بن مسلمة الفِهريّ، والمخارق بن الحارث الزُّبيديّ، وزِمْل بن عمرو العذرِيّ، وحمزة بن مالك الهمْدانيّ، وعبد الرحمن بن خالد المخزوميّ، وسُبيع بن يزيد الأنصاريّ، وعلقمة بن يزيد الأنصاريّ، وعتبة بن أبي سُفيان، ويزيد بن الحرّ العبسيّ (١). (٥: ٥١/ ٥٢/ ٥٣/ ٥٤). ١١٣٥ - حدثني عليّ بن مسلم الطوسيّ، قال: حدّثنا حَبّان، قال: حدّثنا مُبارك، عن الحسن، قال: أخبرني الأحنف: أنّ معاوية كتب إلى عليّ أن امحُ هذا الاسمَ إن أردتَ أن يكون صلح؛ فاستشار -وكانت له قبّة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم- قال: ما تروْن فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؛ - قال مبارك: يعني: أميرَ المؤمنين - قال: برّحه الله! فإنّ رسول الله ﷺ حين وادع أهَل مكة كتب: "محمّد رسول الله"، فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بنُ عبد الله، فقلت له: أيّها الرجل مالَك وما لرسول الله ﷺ! إنا والله ما حابَيْناك ببيعتِنا، وإنا لو علمنا أحدًا من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوتَ هذا الاسم الذي بايعتَ عليه، وقاتلتهم؛ لا يعود إليك أبدًا. قال: وكان واللهِ كما قال. قال. قلّما وُزِن رأيه برأيِ رجل إلا رَجَح عليه (٢). (٥٣: ٥). ١١٣٦ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب الكلبيّ عن عُمارة بن ربيعةالجَرْميّ، قال: لما كُتبت الصحيفة دُعِيَ لها الأشتر فقال: لا صحِبتْنِي يميني، ولا نفعتْني بعدَها شمالي؛ إن خُط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادَعة، أوَلستُ على بيّنة من ربّي، ومن ضلال عدوّي! أوَلستم قد رأيتم الظَّفَر لو لم تُجمِعوا على الجور! فقال له الأشعث بن قيس: إنك والله ما رأيت ظَفَرًا ولا جَوْرًا، هلمَّ إلينا فإنه لا رغبة بك عنّا؛ فقال: بلى واللهِ لرغبة بي عنك في الدّنيا للدنيا والآخرة للآخرة، ولقد سفَكَ الله ﷿ بسيفي هذا دماءَ رجال ما أنت عندي خيرٌ منهم، ولا أحرَم دمًا؛ قال عُمارة: فنظرتُ إلى ذلك الرجل وكأنما قُصع على أنفه الحُمم - يعني: الأشعث (١). (٥: ٥٤/ ٥٥). ١١٣٧ - قال أبو مخنف؛ عن أبي جَناب، قال: خرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويَعرِضه عليهم، فيقرؤونه، حتى مرّ به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدَيّة، وهو أخو أبي بلال، فقرأه عليهم، فقال عروة بن أدَيَّة: تحكّمون في أمر الله ﷿ الرجال! لا حكم إلا لله؛ ثم شدّ بسيفه فضرب به عجُز دابته ضربة خفيفة، واندفعت الدّابة، وصاح به أصحابه، أن املك يَدك، فرجع، فغضب للأشعث قومُه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى الأحنف بنُ قيس السعديّ، ومعقِل بن قيس الرّياحيّ، وِمِسْعر بن فَدَكِي، وناس كثيرٌ من بني تميم، فتنصّلوا إليه، واعتذروا؛ فقَبِل وصَفح (٢). (٥: ٥٥). ١١٣٨ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو زيد عبد الله الأوديّ: أن رجلًا من أوْد كان يقال له: عمرو بن أوس، قاتَلَ مع عليّ يومَ صِفين، فأسره معاوية في أسارَى كثيرين، فقال له عمرو بن العاص: اقتلهم، فقال له عمرو بن أوس: إنك خالي، فلا تقتلْني، وقامت إليه بنو أوْد فقالوا: هب لنا أخانا؛ فقال: دعوه، لعمري لئن كان صادقًا فلنستغنينّ عن شفاعتكم، ولئن كان كاذبًا لتأتينّ شفاعتكم من ورائه، فقال له: من أين أنا خالك! فوالله ما كان بيننا وبين أوْدٍ مصاهَرة؛ قال: فإن أخبرتُك فعرفتَه فهو أماني عندَك؟ قال: نعم؛ قال: ألستَ تعلم أن أمّ حبيبة ابنة أبي سُفيان زوجُ النبيّ ﷺ؟ قال: بلى، قال: فإنّي ابنُها، وأنتَ أخوها، فأنت خالي؛ فقال معاوية: لله أبوك! ما كان في هؤلاء واحد يفطن لهاغيره. ثم قال للأوْدِيّين: أيستغني عن شفاعتكم! خَلُّوا سبيله (١). (٥: ٥٥/ ٥٦). ١١٣٩ - قال أبو مخنف: حدّثني نُمَير بن وَعْلَة الهمْدانيّ عن الشعبيّ: أدن أسارى كان أصرهم عليٌّ يومَ صِفّين كثير، فخلّى سبيلهم، فأتوا معاوية، وإنّ عمرًا ليقول - وقد أسر أيضًا أسارى كثيرة ت اقتلهم، فما شعروا إلا بأسَرائهم قد خُلِّيَ سبيلهم، فقال معاوية: يا عمرو! لو أطعناك في هؤلاء الأسرى: وقعْنا في قبيح من الأمر؛ ألا ترى قد خُلِّي سبيل أسارانا! وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الأسارى (٢). (٥: ٥٦). ١١٤٠ - قال أبو مخنف: حدّثني إسماعيل بن يزيد عن حُميد بن مسلم، عن جندب بن عبد الله: أن عليًّا قال للناس يومَ صِفِّين؛ لقد فعلتم فَعلةً ضَعضعتْ قوّة، وأسقطتْ مُنّة، وأوهنت وأورثت وَهْنًا وذلّة، ولمّا كنتم الأعْلَيْن، وخاف عدوّكم الاجتياح، واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح؛ رفعوا المصاحف، ودَعوْكم إلى ما فيها ليفثَؤوكم عنهم، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم، ويتربّصوا بكم ريبَ المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تُدْهِنوا وتجوّزوا! وايم اللهِ ما أظنكم بعدها توافقون رَشَدًا! ولا تصيبون بابَ حزم. (٣) (٥٦٠٥) قال أبو جعفر: فكُتب كتاب القضيّة بين عليّ ومعاوية - فيما قيل - يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي عليّ ومعاوية موضع الحكمين بدُومة الجندل في شهر رمضان، مع كلّ واحد منهما أربعمئة من أصحابه وأتباعه. ١١٤١ - فحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن يونس بن يزيدَ، عن الزّهريّ، قال: قال صعصعة بن صُوحان يومَ صفِّين حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا، تعلمُنّ واللهِ لئن ظهر عليّ؛ليكوننّ مثل أبي بكر وعمرَ ﵄، وإن ظهر معاوية؛ لا يُقِرّ لقائل بقول حقّ. قال الزّهريّ: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفَهم، ودَعَوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحَكَمين، فاختار أهلُ العراق أبا موسى الأشعريّ، واختار أهلُ الشأم عمرَو بن العاص، فتفرّق أهلُ صِفّين حين حُكِّمَ الحكَمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفِضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد ﷺ، وأنّهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرُح. فلما انصرف عليّ خالفت الحَرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردّوا عليه: إنّ حكم بني آدم في حكم الله ﷿، وقالوا: لا حكمَ إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرُح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكَمان إلى عبد الله بن عمرَ بن الخطاب، وعبد الله بن الزّبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاويةُ بأهل الشأم، وأبى علي وأهل العراق أن يوافُوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوِي الرأي من قريش: أتروْن أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحَكَمان أم يتفرّقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظنّ أنِّي سأعلمه منهما حين أخلُو بهما وأراجعهما. فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبدِ الله! أخبرني عمّا أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزِلة، فإنا قد شككْنا في الأمر الذي تبيّن لكم من هذا القتال، ورأيْنا أن نستأنيَ ونتثبَّت حتى تجتمع الأمة! قال: أراكم معشرَ المعتزِلة خَلْفَ الأبرار، وأمامَ الفُجّار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك؛ حتى دخل على أبي موسى فقال له مثلَ ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبتَ الناس رأيًا، فيكم بقيَّة المسلمين. فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرّأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكَمان وتكلّما؛ قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! رأيت أوّل ما تقضي به من الحقّ أن تقضيَ لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغَدرِهم؛ قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وأهل الشأم قد وَفَوا، وقَدمِوا للموعدالذي واعدْناهم إيّاه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتُبها؛ فكتَبها أبو موسى؛ قال عمرو: يا أبا موسى! أأنتَ على أن نسمِّيَ رجلًا يلِي أمرَ هذه الأمة؟ فسمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعَك فلك عليّ أن أتابعك، وإلا فلِي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمِّي لك عبدَ الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمِّي لك معاوية بن أبي سُفيان، فلم يَبرحا مجلسهما حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إنّي وجدت مَثلَ عمرو مَثل الّذين قال الله ﷿: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، فلمّا سكت أبو موسى؛ تكلم عمرو فقال: أيُّها الناس وجدت مَثلَ أبي موسى كَمَثل الذي قال ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وكتب كلُّ واحد منهما مَثلَه الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار. قال ابن شهاب: فقام معاوية عشيَّةً في الناس، فأثنَى على الله جلّ ثناؤه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلّمًا في الأمر؛ فليطلع لنا قَرْنَه، قال ابن عمر: فأطلقتُ حُبْوَتي، فأردت أن أقول قولًا يتكلَّم فيه رجالٌ قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرِّق الجماعة، أو يُسفك فيها دم، أو أحمَل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله ﷿ في الجنان أحبّ إليّ من ذلك، فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مَسْلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلّم؟ قلت: أردت ذلك، ثم خشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين جميع، أو يُسفَك فيها دم، أو أحمَل فيها إلى غير رأي، فكان ما وعد الله ﷿ من الجنان أحبّ إليّ من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عُصمْتَ (١). (٥: ٥٧/ ٥٨/ ٥٩). ١١٤٢ - رجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف: قال أبو مخنف: حدثني فُضيل بن خَديج الكنديّ، قال: قيل لعليّ بعدما كُتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يُقرّ بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال عليّ: وأنا والله ما رضيتُ، ولا أحببتُ أن ترضَوْا، فإذْ أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيتُ، فإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرّضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يُعصَى اللهعزّ وجلّ، ويُتعدّى كتابُه، فقاتِلوا مَن تَرَك أمرَ الله ﷿. وأمّا الذي ذكرتم من تركه أمرِي وما أنا عليه؛ فليس من أولئك، ولستُ أخافهْ على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدًا يرى في عدوّي ما أرَى، إذًا لخفّتْ عليّ مؤونتكم، ورجوتُ أن يستقيم لي بعض أوَدكم؛ وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هَوازن: وهل أَنا إلَّا مِنْ غَزِيَّة إن غَوَتْ ... غَوَيتُ وإن تَرْشُدْ غزيّةُ أَرْشُدِ فقالت طائفة ممَّن معه: ونحن ما فعلْنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت؛ قال: نعم، فلِمَ كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنّا! وأما القضيّة فقد استوثقنا لكم فيها، وقد طمعت ألّا تَضلُّوا إن شاء الله ربّ العالمين. فكان الكتاب في صفَر، والأجل رمضان إلى ثمانية أشهر؛ إلى أن يلتقي الحَكَمان، ثم إنّ الناس دفنوا قتلاهم، وأمر عليٌّ الأعورَ فنادى في الناس بالرّحيل (١). (٥: ٥٩). ١١٤٣ - قال أبو مِخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندت عن أبيه، قال: لما انصرفنا من صفِّين أخذنا غير طريقنا الذي أقبلْنا فيه؛ أخذنا على طريق البرّ على شاطئ الفرات، حتى انتهينا إلى هِيتَ، ثم أخذْنا على صَنْدودَاء، فخرج الأنصاريّون بنو سعد بن حرام، فاستقبلوا عليّا، فعرضوا عليه النزول، فبات فيهم ثم غدا، وأقبلْنا معه، حتى إذا جُزْنا النُّخَيلة، ورأينا بيوت الكوفة، إذا نحن بشيخ جالس في ظلّ بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه عليّ، ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه، فردّ ردًّا حسنًا ظننا أن قد عرفه، قال له عليّ: أرى وجهك منكفئًا فمِنْ مَهْ؟ أمِن مرض؟ قال: نعم، قال: فلعلَّك كرهتَه، قال: ما أحبّ أنه بغيري، قال: أليس احتسابًا للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى! قال: فأبشر برحمةِ ربّك وغفران ذنبِك، مَن أنت يا عَبد الله؟ قال: أنا صالح بن سُلَيم، قال: ممَّن؟ قال: أمّا الأصل فمِن سَلَامَان طيِّئ، وأما الجِوار والدَّعوة ففي بني سُليم بن منصور؛ فقال: سبحان الله! ما أحسَن اسمَك واسمَ أبيك واسمَ أدْعِيائك واسمَ من اعتزيتَ إليه! هل شهدتَ معنا غَزاتنا هذه؟ قال: لا واللهما شهدتُها! ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحَبِ الحمَّى خزَلني عنها؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. خبِّرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبينُ أهل الشام؟ قالا: فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغِشَّاء الناس - وفيهم المكبوت - الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نُصحاء الناس لك - فذهب لينصرف، فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطًّا لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجرَ فيه، ولكنه لا يَدَع على العبد ذنبًا إلا حطَّه؛ وإنما أجرٌ في القول باللسان، والعمل باليد، والرِّجل، وإنّ الله جل ثناؤه ليُدخل بصدق النيَّة والسريرة الصالحة عالمًا جمًّا من عباده الجنة. قال: ثم مضى عليٌّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وَدِيعة الأنصاريّ، فدنا منه، وسلّم عليه وسايره، فقال له: ما سمعتَ الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم المعجَب به، ومنهم الكاره له، كما قال ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. فقال له: فما قول ذَوِي الرّأي فيه؟ قال: أما قولهم فيه فيقولون: إنّ عليًّا كان له جمع عظيم ففرّقه، وكان له حِصن حَصِين فهدّمه، فحتى متى يبني ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرّق! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذًا كان ذلك الحزم. فقال عليٌّ: أنا هدمت أم هم هدموا! أنا فرّقت أم هم فرّقوا! أما قولهم: إنه لو كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يَظفرَ أو يهلك، إذًا كان ذلك الحزم، فوالله ما غَبِيَ عن رأيي ذلك، وإن كنتُ لسخيًّا بنفسي عن الدنيا طيّبَ النفس بالموت، ولقد هممتُ بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدَرَاني - يعني: الحسن، والحسين - ونظرتُ إلى هذين قد استقدماني - يعني: عبدَ الله بن جعفر، ومحمد بن عليّ - فعلمت أن هذين إنْ هلكا انقطع نسْلُ محمد ﷺ من هذه الأمَّة، فكرهت ذلك، وأشفقتُ على هذين أن يَهلِكا، وقد علمتُ أن لولا مكاني لم يستقدما - يعني: محمد بن علي، وعبدَ الله بن جعفر - وايمُ الله لئن لقيتُهم بعد يومي هذا لألقينّهم وليسوا معي في عسكر ولا دار! ثم مضى حتى إذا جُزْنا بني عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال عليٌّ: ما هذه القبور؟ فقال قُدامة بن العجلان الأزديّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ خبّاب بن الأرتّ توفِّي بعد مخرجك، فأوصَى بأن يُدفَن في الظَّهر، وكان الناس إنما يُدفنون في دُورهموأفنِيَتهم، فدفن بالظَّهر ﵀، ودفَن الناس إلى جنبه، فقال عليٌّ: رحم الله خبّابًا، فقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلِيَ في جسمه أحوالًا! وإنّ الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا. تم جاء حتى وقف عليهم فقال: السّلام عليكم يا أهلَ الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفِرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سَلَف فارط، ونحن لكم تَبَعٌ، بكم عمّا قليل لاحقون. اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوَز بعفوك عنّا وعنهم! وقال: الحمد لله الذي جعل منها خلقَكم، وفيها معادَكم، منها يبعثكم، وعليها يحشركم، طوبَى من ذكر المَعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكَفاف، ورضيَ عن الله ﷿! ثم أقبل حتى حاذَى سكَّة الثوريّين، ثم قال: خُشّوا، ادخُلوا بين هذه الأبيات (١). (٥: ٦٠/ ٦١/ ٦٢). ١١٤٤ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: مرّ عليٌّ بالثوريِّين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلَى صفّين، فقال: أما إنّي أشهد من قُتل منهم صابرًا محتسِبًا بالشهادة! ثم مرّ بالفائشييّن، فسمع الأصوات، فقال مِثلَ ذلك، ثم مضى حتى مرّ بالشِّباميّين، فسمعَ رجّة شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شُرحبيل الشِّباميّ، فقال عليٌّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهنّ عن هذا الرَّنين! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت دارًا أو دارين أو ثلاثًا قدَرنا على ذلك، ولكن قُتِل من هذا الحيّ ثمانون ومئة قتيل، فليس دار إلا وفيها بكاء، فأمّا نحن معشرَ الرجال فإنا لا نبكي، ولكن نفرح لهم، ألا نفرح لهم بالشهادة! قال عليّ: رحم الله قَتلاكم وموتاكم! وأقبل يمشي معه؛ وعليٌّ راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مَشْيَ مِثلِك مع مثلي فتنةٌ للوالي، ومذلّة للمؤمن، ثم مضى حتى مرَّ بالناعطيّين - وكان جُلُّهم عثمانية - فسمع رجلًا منهم يقال له: عبد الرحمن بن يزيد، من بني عُبيد من الناعِطِيّين يقول: والله ما صنع عليّ شيئًا، ذهب ثم انصرف في غير شيء! فلما نظروا إلى عليّ؛ أبلَسوا، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشأمَ العامَ. ثم قال لأصحابه: قوم فارقْناهم آنفًا خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول: أخوك الذي إنْ أَجْرَضتْكَ مُلِمَّةٌ ... منَ الدَّهْرِ لم يَبْرَحْ لِبَثِّك واجِمَاوليس أَخوك بالّذي إنْ تَشَعّبَتْ ... عليك الأمورُ ظَلَّ يلحَاك لائما ثم مضى، فلم يزل يذكر الله ﷿ حتى دخل القصر (١). (٥: ٦٢/ ٦٣). ١١٤٥ - قال أبو مخنف: حدّثنا أبو جَناب الكلبيّ، عن عُمارة بن ربيعة، قال: خرجوا مع عليّ إلى صفين وهم متوادُّون أحبّاء، فرجعوا متباغضين أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصِفّين حتى فشَا فيهم التحكيم، ولقد أقبلوا يتدافعون الطريقَ كله ويتشاتمون ويضطَرِبون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله! أدهنتم في أمر الله ﷿ وحكَّمتم! وقال الآخرون: فارقتم إمامَنا، وفرّقتم جماعتَنا، فلمّا دخل عليّ الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوْا حَرُوراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا، ونادى مناديهم: إنّ أمير القتال شَبَث بن رِبعيّ التميميّ، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليَشْكريّ، والأمر شُورَى بعد الفتح، والبيعة لله ﷿، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). (٥: ٦٣).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    يس وعمرو بن العاص القرشي - عَمِلَا به، وما لم يَجِدَا في كتاب الله ﷿ فالسنة العادلة الجامعة غير المفرّقة، وأخذ الحكَمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلِهما، والأمّة لهما أنصار على الذي يتقاضيَان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدُ الله وميثاقُه أنّا على ما في هذ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    صُوني الآن، إني لا أرى أن أولِّيَ أبا موسى. فقال الأشعث، وزيد بن حُصين الطائيّ، ومسعر بن فدكيّ: لا نرضى إلّا به، فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه؛ قال عليّ: فإنه ليس لي بثقة، قد فارقني، وخذّل الناسَ عني ثم هرب مني حتى آمنتُه بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس ولِّيه ذلك، قالوا: ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلّا رحلَّا هو منك ومنمعاوية سواء

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340243
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1346:917865
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate