page 3446, entry [1339]Open original source
القتال على الماء ١٠٧٧ - قال أبو مخْنَف: وحدّثني تميم بن الحارث الأزديّ، عن جندَب بن عبد الله، قال: إنّا لما انتهينا إلى معاوية؛ وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفْيَح قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شريعة في الفُرات، ليس في ذلك الصقع شريعة غيرها، وجعلها في حيّزِه، وبعث عليها أبا الأعور يمنعها ويحميها، فارتفْعنا على الفرات رجاءَ أن نجد شريعة غيرَها نستغني بها عن شريعتهم فلم نجدها، فأتينا عليًّا فأخبرناه بعطش الناس، وأنا لا نجد غيرَ شريعة القوم. قال: فقاتلوهم عليها، فجاءه الأشعث بن قيس الكنديّ فقال: أنا أسير إليهم، فقال له عليّ: فسر إليهم، فسار، وسرنا معه، حتى إذا دنونا من الماء؛ ثاروا في وجوهنا ينضِحوننا بالنَّبل، ورشَقْناهم والله بالنّبل ساعة، ثم اطَّعَنّا والله بالرماح طويلًا، ثم صرنا آخر ذلك نحن والقوم إلى السيوف، فاجتلَدْنا بها ساعة. ثم إنّ القوم أتاهم يزيد بن أسد البَجَليّ مُمِدًّا في الخيل والرجال، فأقبلوا نحونا، فقلت في نفسي: فأمير المؤمنين لا يبعث إلينا بمن يغني عنا هؤلاء، فذهبتُ فالتفتّ فإذا عدّة القوم أو أكثر، قد سرّحهم إلينا ليغنُوا عنّا يزيد بن أسد وأصحابه، عليهمشَبَث بن رِبْعيّ الرّياحيّ، فوالله ما ازداد القتال إلّا شدّة، وخرج إلينا عمرو بن العاص من عسكر معاوية في جند كثير، فأخذ يُمدّ أبا الأعور ويزيدَ بن أسد، وخرج الأشتر من قبَل عليّ في جمع عظيم، فلمّا رأى الأشتر عمرو بن العاص يُمِدّ أبا الأعور ويزيد بن أسد، أمدّ الأشعثَ بن قيس، وَشبَث بن رِبعيّ، فاشتدّ قتالنا وقتالهم، فما أنسى قولَ عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزديّ: خَلُّوا لنا ماءَ الفُراتِ الجاري ... أو اثبُتوا لجحْفَلٍ جَرَّارِ لكلِّ قَرْمٍ مُسْتميتٍ شارِي ... مطاعنٍ برُمْحِه كَرَّارِ ضَرَّابِ هاماتِ العِدَا مِغوارِ (١) (٤: ٥٦٩/ ٥٧٠). ١٠٧٨ - قال أبو مخنف: وحدّثني رجل من آل خارجة بن التميميّ: أن ظَبْيان بن عُمارة جعل يومئذ يقاتِل وهو يقول: هل لك يا ظَبْيانُ مِن بقاءِ ... في ساكِنِ الأرْضِ بِغَيْرِ ماءِ لا وإلهِ الأرضِ والسَّماءِ ... فاضْرِبْ وجوهَ الغُدُرِ الأعْداءِ بالسَّيْفِ عند حَمَسِ الوغاء ... حتّى يُجيبوك إلى السّواءِ قال ظبيان: فضربناهم والله حتى خلّوْنا وإيّاه (٢). (٤: ٥٧٠). ١٠٧٩ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبي يحيى بن سعيد عن عمّه محمد بن مخْنَف، قال: كنت مع أبي مخْنف بن سُليَم يومئذ، وأنا ابن سبع عشرة سنة، ولست في عطاء، فلما مُنع الناس الماءَ قال لي أبي: لا تبرحنّ الرّحْل، فلما رأيت المسلمين يذهبون نحو الماء لم أصبر، فأخذتُ سيفي، وخرجتُ مع الناس، فقاتلت، قال: وإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ومعه قِربة، فلما رأى أهل الشام قد أفرجوا عن الشريعة اشتدّ حتى ملأ قِرْبته، ثم أقبل، ويَشُدّ عليه رجل من أهل الشام فيضربه فيَصرعه، وسقطت القِربة منه. قال: وأشدّ على الشاميّ فأضربه فأصرَعه، واشتدّ أصحابُه فاستنقذوه، فسمعتُهم وهم يقولون: لا نأمن عليك، ورجعتُ إلى المملوك فاحتملتُه، فإذا هو يكلّمني وبه جرحرَغيب، فما كان أسرع من أن جاءه مولاه، فذهب به، وأخذتُ قربته وهي مملوءةٌ، وآتي بها أبي مخنفًا، فقال: من أين جئت بها؟ فقلت: اشتريتها وكرهت أن أخبره الخبر، فيَجِدَ عليَّ -فقال: اسقِ القومَ، فسقيتُهم، ثم شرب آخرهم، ونازعتْني نفسي والله إلى القتال، فأنطلق فأتقدّم فيمن يقاتل، فقاتلناهم ساعة، ثم أشهدُ أنهم خلّوا لنا عن الماء، فما أمسينا حتى رأينا سُقاتنا وسُقاتهم يزدحمون على الشريعة، وما يؤذِي إنسانٌ إنسانًا، فأقبلت راجعًا، فإذا أنا بمولَى صاحب القربة، فقلت: هذه قِرْبتك عندنا، فأرسِل من يأخذها، أو أعلِمني مكانَك حتى أبعث بها إليك، فقال: رحمك الله! عندنا ما نكتفي به؛ فانْصرفت وذهب، فلما كان من الغد مرّ على أبي، فوقف فسلّم عليه، ورآني إلى جَنْبتِه، فقال: ما هذا الفتى منك؟ قال: ابني؛ قال: أراك الله فيه السرور، أنقذ الله ﷿ أمس غلامي به من القتل، حدّثني شباب الحيّ أنه كان أمس أشجعَ الناس، فنظر إليّ أَبي نظرةً عرفتُ منها في وجهه الغضب، فسكتّ حتى إذا مضى الرجل قال: هذا ما تقدّمت إليك فيه! فحلّفني ألّا أخرج إلى قتال إلّا بإذنه، فما شهدت من قتالهم إلّا ذلك اليوم حتى كان يوم من أيامهم (١). (٤: ٥٧٠/ ٥٧١). ١٠٨٠ - قال أبو مخنف: وحدّثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، عن مِرهان مولى يزيد بن هانئ، قال: والله إنّ مولاي يزيد بن هانئ ليُقاتل على الماء، وإنّ القربة لفي يده، فلما انكشف أهل الشام انكشافةً عن الماء، استدرْتُ حتى أسقي، وإنِّي فيما بين ذلك لأقاتل وأرامي (٢). (٤: ٥٧١). ١٠٨١ - قال أبو مخْنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصِفّين، وجدناهم قد نزلوا منزلًا اختاروه مستويًا بِساطًا واسعًا، أخذوا الشريعة، فهي في أيديهم، وقد صفّ أبو الأعور السُّلميّ عليها الخيل والرجال، وقد قدّم المُرامية أمام من معه، وصفّ صفًّا معهم من الرماح والدّرَق، وعلى رؤوسهم البَيْض، وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماءَ، ففزعنا إلى أمير المؤمنين، فخبّرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صُوحان، فقال له: ائت معاوية وقل له: إنّا سِرْنا مسيرنا هذا إليكم،ونحن نكرَه قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدّمت إلينا خيلَك ورجالك فقاتلتَنا قبل أن نقاتِلَك، وبدأتَنا بالقتال، ونحن من رأينا الكفّ عنك حتى ندعوَك ونحتجّ عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، قد حُلتم بين الناس وبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين الماء، ويكفّوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدِمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجبَ إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب، فعلْنا، فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفّان ﵁، حصروه أربعين صباحًا يمنعونه بَرْدَ الماء، ولينَ الطعام، اقتُلهم عطشًا، قَتلَهم الله عطشًا! فقال له عمرو بن العاص: خلِّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يَعطَشوا وأنت ريّان؛ ولكن بغير الماء، فانظر ما بينك وبينهم. فأعاد الوليد بن عقبة مقالته، وقال عبد الله بن أبي سَرْح: امنعهم الماءَ إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، ولو قد رجعوا كان رجوعُهم فَلًّا، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله ﷿ يوم القيامة الكَفرَة الفَسَقة وشَرَبة الخمر؛ ضَرْبك وضَرْب هذا الفاسقَ -يعني الوليد بن عقبة- قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه، فقال معاوية: كُفوا عن الرجل فإنه رسول (١). (٤: ٥٧١/ ٥٧٢). ١٠٨٢ - قال أبو مِخْنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر: أن صعصعة رجع إلينا فحدّثنا عمّا قال لمعاوية، وما كان منه وما ردّ، فقلنا: فما ردّ عليك؟ فقال: لما أردت الانصرافَ من عنده قلت: ما ترد عليَّ؟ قال معاوية: سيأتيكم رأيي؛ فوالله ما راعنا إلا تسريتُه الخيل إلى أبي الأعور ليكفّهم عن الماء. قال: فأبرَزَنا عليٌّ إليهم، فارتمَينا ثم اطَّعنَّا، ثم اضطربنا بالسيوف، فنُصِرنا عليهم، فصار الماء في أيدينا، فقلنا: لا والله لا نسقيهُموه، فأرسل إلينا عليّ: أن خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخَلّوا عنهم؛ فإنّ الله ﷿ قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم (٢). (٤: ٥٧٢).