Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ابتداء امر القادسية

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 2879, entry [1169]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: ابتداء امر القادسية
page 2879, entry [1169]Open original source
ذكر ابتداء أمر القادسيّة ٢٣٤ - ففي أوّلِ يوم من المحرّم سنة أربع عشرةَ - فيما كتب إليّ به السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم - خرج عمر حتّى نزل على ماء يدعى صِرارًا، فعسكر به ولا يدري النَّاس ما يريد؛ أيسيرُ أم يقيم. وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموْه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف؛ وكان عثمان يُدعى في إمارة عمر رديفًا - قالوا: والرّديف بلسان العرب الرجل الَّذي بعد الرّجُل، والعرب تقول ذلك للرجل الَّذي يرجونه بعد رئيسهم - وكانوا إذا لم يقدِر هذان على علم شيء ممَّا يريدون، ثلَّثوا بالعبَّاس، فقال عثمان لعمر: ما بلغك؟ ما الذي تريدُ؟ فنادى: الصلاة جامعة. فاجتمع النَّاس إليه، فأخبرهم الخبر. ثم نظر ما يقول النَّاس، فقال العامَّة: سِرْ وسِرْ بنا معك؛ فدخل معهم في رأيهم، وكره أن يَدَعهم حتى يُخرجهم منه في رِفْق، فقال: استعدّوا وأعِدّوا فإنّي سائر إلّا أن يجيء رأي هو أمثل من ذلك. ثم بعث إلى أهل الرأي، فاجتمع إليه وجوه أصحابِ النبيّ ﷺ وأعلامُ العرب، فقال: أحضِروني الرّأيَ فإني سائر. فاجتمعوا جميعًا، وأجمع مَلؤهم على أن يبعث رجلًا من أصحاب رسولِ الله ﷺ ويقيم، ويرميه بالجنود، فإن كان الَّذي يشتهي من الفتح، فهو الذي يريد ويريدون؛ وإلّا أعاد رجلًا وندَب جندًا آخر؛ وفي ذلك ما يغيظ العدوّ، ويرعوي المسلمون،ويجيء نصر الله بإنجاز موعود الله. فنادى عمر: الصلاة جامعة، فاجتمع النَّاس إليه، وأرسل إلى عليّ ﵇، وقد استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة وقد بعثَه على المقدّمة، فرجع إليه، وجعل على المجنَّبتين الزُّبير وعبد الرحمن بن عوف، فقام في الناس فقال: إنَّ الله ﷿ قد جمع على الإسلام أهلَه؛ فألَّف بين القلوب، وجعلهم فيه إخوانًا، والمسلمون فيما بينهم كالجسَد لا يخلُو منه شيء من شيء أصاب غيره، وكذلك يَحِقُّ على المسلمين أن يكونوا أمرُهم شورى بينهم وبين ذوي الرّأي منهم؛ فالناس تبَعٌ لمَن قام بهذا الأمر؛ ما اجتمعوا عليه ورضُوا به لزِم النَّاس وكانوا فيه تبعًا لهم، ومن أقام بهذا الأمر تبعٌ لأولي رأيهم ما رأوْا لهم ورضُوا به لهم من مكيدة في حرْب كانوا فيه تَبَعًا لهم. يا أيّها النَّاس! إني إنَّما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرّأي منكم عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلًا، وقد أحضرتُ هذا الأمر مَنْ قدّمتُ ومَنْ خلّفتُ. وكان عليّ ﵇ خليفتَه على المدينة، وطلحة على مقدّمته بالأعوص؛ فأحضرهما ذلك (١). (٣: ٤٨٠/ ٤٨١). ٢٣٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد العزيز، قال: لمَّا انتهى قتلُ أبي عُبَيد بن مسعود إلى عمر، واجتماعُ أهلِ فارس على رجل من آل كسرى، نادى في المهاجرين والأنصار، وخرجَ حتى أتى صِرارًا، وقذم طلحةَ بن عُبيد الله حتَّى يأتيَ الأعوَص، وسمَّى لميمنته عبد الرحمن بن عوف، ولميسرته الزّبير بن العوّام، واستخلف عليًّا ﵁ على المدينة، واستشار النَّاس، فكلّهم أشار عليه بالسَّير إلى فارس، ولم يكن استشار في الَّذي كان حتى نزل بصرار ورجع طلحة، فاستشار ذوي الرّأيِ، فكان طلحة ممَّن تابع النَّاس، وكان عبد الرحمن ممَّن نهاه، فقال عبد الرحمن: فما فديتُ أحدًا بأبي وأمي بعد النبيّ ﷺ قبل يومئذ ولا بعده؛ فقلت: يا بأبي وأمّي اجعل عَجْزها بي وأقِم وابعث جندًا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبلُ وبعدُ، فإنه إن يُهزم جيشُك ليس كهزيمتك، وإنَّك إن تُقتل أو تُهزم في أنف الأمر خشيتُ ألا يكبِّر المسلمون وألّايشهدوا أن لا إله إلا الله أبدًا وهو في ارتيادٍ من رجل؛ وأتى كتاب سعْدٍ على حَفَف مَشُورتهم؛ وهو على بعض صدقات نجْد، فقال عمر: فأشيروا عليّ برجل، فقال عبد الرحمن: وجدتُه، قال: مَنْ هو؟ قال: الأسد في براثنه؛ سعد بن مالك؛ ومالأه أولو الرأي (١) (٣: ٤٨١/ ٤٨٢) ٢٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة بإسنادهما، قالا: كان سعد بن أبي وقَّاص على صَدَقات هوازن، فكتب إليه عمر فيمَن كتب إليه بانتخاب ذوي الرَّأي والنَّجدة ممَّن كان له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد: إنّي قد انتخبت لك ألف فارس مُؤدٍّ كلّهم له نجدة ورأي، وصاحبُ حيطة يحوط حريم قومه، ويمنع ذمارهم، إليهم انتهت أحسابهم ورأيُهُم، فشأنَك بهم. ووافق كتابُه مشورتهم، فقالوا: قد وجدْتَه، قال: فمن؟ قالوا: الأسد عَاديًا، قال: مَنْ؟ قالوا: سعد، فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه، فقدم عليه، فأمَّره على حرب العراق وأوصاه. فقال: يا سعد، سعد بَنِي وُهَيْب! لا يغرّنك من الله أن قيل: خال رسول الله ﷺ وصاحب رسولِ الله؛ فإنّ الله ﷿ لا يمحُو السيّئ بالسيّئ؛ ولكنَّه يمحُو السيّئ بالحسن؛ فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلّا طاعته؛ فالنَّاس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سوادٌ؛ الله ربّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمرَ الَّذي رأيتَ النبيّ ﷺ عليه منذ بُعِث إلى أن فارقنَا فالزمْهُ فإنَّه الأمر. هذه عظتي إيَّاك إن تركتها ورغبت عنها حَبِطَ عَمَلُك؛ وكنت من الخاسرين. ولمَّا أراد أن يسرّحه دعاه، فقال: إني قد ولَّيتُك حرب العراق فاحفظ وصيَّتي فإنّك تقدِم على أمر شديد كريه لا يخلِّص منه إلّا الحقُّ، فعوّد نفسك ومَن معك الخير، واستفتح به. واعلم أنَّ لكل عادة عَتادًا، فعتاد الخير الصبر؛ فالصبرَ على ما أصابك أو نابك؟ يجتمع لك خشية الله. واعلم أنَّ خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته واجتناب معصيته؛ وإنَّما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحبّ الآخرة، وعصاه مَن عصاه بحبّ الدنيا وبغض الآخرة؛ وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاءً، منها السرّ، ومنها العلانية؛ فأمَّا العلانية فأنْ يكون حامدُه وذامّه في الحقّ سواءٌ، وأما السرّ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبَّة النَّاس؛ فلا تزهدفي التحبّب فإنّ النبيّين قد سألوا محبَّتهم؛ وإن الله إذا أحبّ عبدًا حبَّبه؛ وإذا أبغض عبدًا بغّضه. فاعتبرْ منزلتَك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس، ممَّن يشرع معك في أمرك. ثم سرّحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين. فخرج سعد بن أبي وقَّاص من المدينة قاصدًا العراق في أربعة آلاف؛ ثلاثة ممَّن قدم عليه من اليَمَن والسَّراة؛ وعلى أهل السَّرَوات حُمَيْضة بن النّعمان بن حُميضة البارقيّ؛ وهم بارقٌ وألْمَعُ وغامِدٌ وسائر إخوتهم في سمبعمئة من أهل السَّواة، وأهل اليمن ألفان وثلاثمئة؛ منهم النَّخَع بن عمرو، وجميعهم يومئذ أربعة آلاف؛ مقاتلتهم وذراريُّهم ونساؤهم؛ وأتاهم عمر في عسكرهم؛ فأرادهم جميعًا على العِراق، فأبوْا إلّا الشَّأم، وأبى إلّا العراق، فسمح نصفُهم فأمضاهم نحو العراق، وأمضى النّصف الآخر نحو الشَّأم (١). (٣: ٤٨٣/ ٤٨٤). ٢٣٧ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن حنَش النَّخَعيّ، عن أبيه وغيره منهم: أنَّ عمر أتاهم في عسكرهم، فقال: إنّ الشَّرف فيكم يا معشر النَّخَع لمتربِّع، سيروا مع سعد. فنزِعوا إلى الشأم، وأبى إلّا العِراق، وأبوْا إلّا الشأم؛ فسرّح نصفَهم إلى الشأم ونصفهم إلى العراق (٢). (٣: ٤٨٤). ٢٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمستنير وحَنَش؛ قالوا: وكان فيهم من حَضرَمَوْت والصَّدف ستّمئة، عليهم شَدّاد بن ضَمعَج، وكان فيهم ألف وثلاثمئة من مَذْحج، على ثلاثة رؤساء: عمرو بن مَعْد يكرِبَ على بني منَبّه، وأبو سَبْرة بن ذؤيْب على جعْفيّ ومَن في حِلف جُعْفيّ من إخوة جَزْء وزُبَيْد وأنَس الله ومَن لَفَّهم، ويزيد بن الحارث الصُّدائيّ على صُداء وجَنْب ومُسْلِية في ثلاثمئة؛ هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مَخْرَج سعد منها، وخرج معه من قيس عَيْلان ألفٌ عليهم بشِر بن عبد الله الهلاليّ (٣). (٣: ٤٨٤). ٢٣٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم؛قال: خرج أهل القادسيَّة من المدينة، وكانوا أربعة آلاف؛ ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألفٌ من سائر الناس (١). (٣: ٤٨٥). ٢٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وسهل، عن القاسم، قالوا: وشيَّعهم عمر من صِرار إلى الأعوص، ثم قام في الناس خطيبًا، فقال: إن الله تعالى إنَّما ضربَ لكم الأمثال، وصرّف لكم القول؛ ليحيي به القلوب، فإنّ القلوب ميِّتة في صدورها حتى يحييها الله، مَن علم شيئًا فلينتفع به، وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسَّخاء والهَيْن واللَّيْن، وأما التَّباشير فالرّحمة، وقد جعل الله لكلّ أمر بابًا، ويسَّر لكلّ باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكرُ الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزّهدُ أخذُ الحقّ من كلّ أحد قِبَلَه حقٌّ، وتأديةُ الحقّ إلى كلّ أحد له حقّ. ولا تصانع في ذلك أحدًا، واكتَفِ بما يكفيك من الكَفاف؛ فإنّ مَن لم يكفه الكفاف لم يُغنه شيء. إنّي بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحدٌ، وإنّ الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه، فانهُوا شكاتكم إلينَا، فمن لم يستطع فإلى من يبلّغُناها نأخذ له الحقّ غير متعتَع. وأمر سعدًا بالسّيْر، وقال: إذا انتهيتَ إلى زَرود؛ فانزِل بها، وتفرّقوا فيما حولها، واندب مَن حولك منهم، وانتخبْ أهلَ النجدة والرأي والقوّة والعُدّة (٢). (٣: ٤٨٥). ٢٤١ - كتب إليَّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سُوقة، عن رجل، قال: مرّت السَّكون مع أوّل كِنْدة مع حُصَيْن بن نُمَير السَّكونيّ ومعاوية بن حُدَيج في أربعمئة، فاعترضهم، فإذا فيهم فِتْية دُلْم سِباط مع معاوية بن حُدَيج، فأعرض عنهم، ثم أعرض، ثم أعرض؛ حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء! قال: إني عنهم لمتردّد، وما مرّ بي قومٌ من العرب أكره إليَّ منهم. ثم أمضاهم، فكان بعدُ يُكثر أن يتذكَّرهم بالكراهيَة، وتعجَّب الناس من رأي عمر. وكان منهم رجل يقال له: سودان بن حُمْران، قتل عثمان بن عفان ﵁. وإذا منهم حليف لهم يقال له: خالد بن مُلْجَم، قتلَ عليّ بن أبي طالب ﵀. وإذا منهم معاوية بنحُدَيج؛ فنهض في قوم منهم يتبع قَتَلة عثمان يقتلهم. وإذا منهم قوم تقْرُون قَتَلَة عثمان (١). (٣: ٤٨٥/ ٤٨٦). ٢٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد بإسناده، وزياد عن مَاهان، قالا: فمن أجلِ ذلك اختلف النَّاس في عددِ أهل القادسيَّة، فمَن قال: أربعة آلاف فلمخرجهم مع سَعْد من المدينة، ومَن قال: ثمانية آلاف فلاجتماعهم بزرُود، ومَنْ قال: تسعة آلاف فللحاق القيسيِّين، ومن قال: اثنا عشر ألفًا فلدفوف بني أسدَ من فروع الحَزْن بثلاثة آلاف. وأمر سعدًا بالإقدام، فأقدم ونهض إلى العراق وجموع الناس بشَراف، وقدم عليه مع قدومه شَراف الأشْعثُ بن قيس في ألف وسبعمئة من أهل اليمن، فجميع مَن شهد القادسيَّة بضعة وثلاثون ألفًا، وجميع من قُسم عليه فيء القادسيَّة نحو من ثلاثين ألفًا (٢). (٣: ٤٨٧). ٢٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد، عن جرير، قال: كان أهلُ اليمن ينزعون إلى الشَّأم، وكانت مُضَر تنزع إلى العراق، فقال عمر: أرحامكم أرسخ من أرحامنا! ما بال مُضر لا تذكر أسلافها من أهل الشأم! (٣) (٣: ٤٨٧). ٢٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سعد بن المرزبان، عمَّن حدّثه، عن محمد بن حذيفة بن اليَمان، قال: لم يكن أحدٌ من العرب أجرأ على فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمُّونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفَرَس، وكانت العرب في جاهليَّتها تسمّى فارس الأسد، والرّوم الأسد (٤). (٣: ٤٨٧). ٢٤٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: قال عمر: والله لأضربنّ ملوك العجم بملوك العرب؛ فلم يَدَعْ رئيسًا، ولا ذا رأي، ولا ذا شَرف، ولا ذا سطة، ولا خطيبًا، ولا شاعرًا؛ إلّا رماهم به،فرماهم بوجوه الناس وغُرَرهم (١). (٣: ٤٨٧). ٢٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان عمر قد كتب إلى سعد مرتحلَه من زَرُود: أن ابعث إلى فَرْج الهند رجلًا ترضاه يكون بحياله، ويكون ردءًا لك من شيء إن أتاك من تلك التّخوم، فبعث المغيرة بن شعبة في خمسمئة، فكان بحيال الأبُلَّة من أرض العرب؛ فأتى غُضَيًّا، ونزل على جرير؛ وهو فيما هنالك يومئذ. فلمَّا نَزل سعد بشَراف، كتب إلى عمر بمنزله وبمنازل الناس فيما بين غضيّ إلى الجَبّانة، فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابي هذا؛ فعشّر النَّاس وعرّف عليهم، وأمّرْ على أجنادهم، وعبّهم، ومُرْ رؤساء المسلمين فليَشْهَدوا، وقدّرْهم وهم شهود، ثم وجّههم إلى أصحابهم، وواعدْهم القادسيَّة؛ واضمم إليك المغيرة بن شعبة في خَيْله؛ واكتب إليّ بالذي يستقرّ عليه أمرهم. فبعث سعد إلى المغيرة، فانضمّ إليه وإلى رؤساء القبائل، فأتوْه، فقدّر الناس وعبَّاهم بشَراف، وأمَّر أمراء الأجناد، وعرّف العُرَفاء، فعرّف على كلّ عشرة رجلًا، كما كانت العِرافات أزمانَ النبيّ ﷺ، وكذلك كانت إلى أن فُرِض العطاء، وأمَّر على الرّايات رجالًا من أهل السابقة، وعشّر الناس، وأمّر على الأعشار رجالًا من الناس لهم وسائل في الإسلام، وولّى الحروبَ رجالًا، فولَّى على مقدّماتها ومجنَّباتها وساقتها ومجرّداتها وطلائعها ورَجْلها ورُكْبانها، فلم يفصل إلّا على تعبيَة، ولم يفصل منها إلّا بكتاب عمر وإذنه، فأمَّا أمراء التعبية؛ فاستعمل زُهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحوية بن مَرْثَد بن معاوية بن معن بن مالك بن أرثم بن جُشَم بن الحارث الأعرج، وكان ملك هَجَر قد سَوّدَه في الجاهليّة، ووفَّدَه على النبيّ ﷺ، فقدّمه، ففصل بالمقدّمات بعد الإذن من شَراف؛ حتى انتهى إلى العُذيْب، واستعمل على الميمنة عبد الله بن المعْتمّ، وكان من أصحاب النبيّ ﷺ؛ وكان أحدَ التّسعة الذين قدموا على النبيّ ﷺ، فتمَّمهم طلحة بن عبيد الله عشرة، فكانوا عِرافة، واستعمل على الميسرة شُرحبيل بن السِّمْط بن شُرَحبيل الكِنْديَّ -وكان غلامًا شابًّا، وكان قد قاتل أهلالرّدّة، ووفَّى اللهَ، فعُرِف ذلك له، وكان قد غلب الأشعث على الشّرف فيما بين المدينة؛ إلى أن اختُطّت الكُوفة وكان أبوه ممَّن تقدّم إلى الشأم مع أبي عبيدة بن الجراح - وجعل خليفته خالد بن عُرْفطة، وجعل عاصم بن عمرو التميميّ ثم العمريّ على الساقة، وسواد بن مالك التميميّ على الطلائع، وسلْمان بن ربيعة الباهليّ على المجرّدة، وعلى الرّجْل حَمَّال بن مالك الأسديّ، وعلى الرّكبان عبد الله بن ذي السهمين الخَثْعَميّ، فكان أمراءُ التّعبية يَلُون الأمير، والذين يلُون أمراءَ الأعشار، والذين يلُون أمراء الأعشار أصحاب الرايات، والذين يلُون أصحاب الرايات والقوّاد رؤوس القبائل، وقالوا جميعًا: لا يستعين أبو بكر في الرّدّة ولا على الأعاجم بمرتدّ، واستنفرهم عمر ولم يولّ منهم أحدًا (١) (٣: ٤٨٨/ ٤٨٩). ٢٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُجالد وعمرو بإسنادهما، وسعيد بن المرزبان، قالوا: بعث عمر الأطبَّة، وجعل على قضاء النَّاس عبدَ الرحمن بن ربيعة الباهليّ ذا النور، وجعل إليه الأقباض وقسمة الفيء، وجعل داعيتهم ورائدهم سلْمان الفارسيّ (٢). (٣: ٤٨٩). ٢٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن أبي عثمان النَّهْديّ؛ قال: والتّرجمان هلال الهجَريّ والكاتب زياد بن أبي سفيان فلمَّا فرغ سعد من تعبيته، وعدّ لكلّ شيء من أمره جماعًا ورأسًا؛ كتب بذلك إلى عمر، وكان من أمر سعد فيما بين كتابه إلى عمر بالَّذي جمعَ عليه الناس وبين رجوع جوابه ورحله من شَراف إلى القادسيَّة قدومُ المُعَنَّى بن حارثة وسلْمى بنت خَصَفة التيميَّة؛ تَيْم اللات إلى سعد بوصيَّة المثنَّى، وكان قد أوصى بها، وأمرهم أن يعجّلوها على سعد بَزْرود، فلم يفرغوا لذلك وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر؛ وذلك أن الآزاذمرد بن الآزاذبه بعثه إلى القادسيَّة، وقال له: ادعُ العربَ، فأنت على من أجابك، وكن كما كان آباؤك. فنزل القادسيَّة، وكاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعيدًا. فلمَّا انتهى إلى المعنَّى خبره؛ أسْرَى المعنَّى من ذي قار حتى بيَّته، فأنامه ومن معه، ثم رجعإلى ذي قار، وخرج منها هو وسَلْمى إلى سعد بوصيَّة المثنَّى بن حارثة ورأيه، فقدموا عليه وهو بشرَاف، يذكر فيها: أنَّ رأيه لسعد ألّا يقاتل عدوّه وعدوّهم - يعني: المسلمين - من أهل فارس؛ إذا استجمع أمرهم وملؤهم في عُقْر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حَجَر من أرض العرب وأدنى مَدَرة من أرض العجم، فإن يُظهر الله المسلمين عليهم، فلهم ما وراءهم؛ وإن تكن الأخرى؛ اؤوا إلى فئة، ثم يكونوا أعلمَ بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم؛ إلى أن يردّ الله الكرّة عليهم. فلمَّا انتهى إلى سعد رأيُ المثنَّى ووصيَّته؛ ترحَّم عليه، وأمَّر المعنَّى على عمله، وأوصى بأهل بيته خيرًا، وخطب سَلْمَى فتزَوّجها وبنى بها؛ وكان في الأعشار كلِّها بضعة وسبعون بدْريًّا، وثلاثمئة وبضعة عشر ممَّن كانت له صحبة، فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلاثمئة ممَّن شهد الفتح، وسبعمئة من أبناء الصّحابة في جميع أحياء العرب. وقدم على سعد وهو بشَراف كتابُ عمر بمثل رأي المثنَّى؛ وقد كتب إلى أبي عُبيدة مع كتاب سعد، فوصل كتاباهما إليهما، فأمر أبا عبيدة في كتابه بصرْف أهل العراق وهم ستَّة آلاف، ومَن اشتهى أن يلحق بهم، وكان كتابه إلى سعد: أمَّا بعد، فسرْ من شَراف نحو فارس بمن معك من المسلمين؛ وتوكَّل على الله، واستعِنْ به على أمرك كلِّه؛ واعلم فيما لديك أنَّك تقدِمُ على أمَّة عددهم كثير، وعُدَّتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع - وإن كان سهلًا - كَؤود لبحوره وفيوضه ودآدِئه؛ إلّا أن توافقوا غَيْضًا من فَيْض. وإذا لقيتم القوم أو أحدًا منهم فابدؤوهم الشدّ والضرب، وإيَّاكم والمناظرة لجموعهم ولا يخدعُنَّكم؛ فإنهم خَدَعة مكَرة؛ أمرُهم غير أمركم؛ إلا أن تجادّوهم، وإذا انتهيت إلى القادسيَّة - والقادسيَّة باب فارس في الجاهليَّة، وهي أجمع تلك الأبواب لمادّتهم، ولما يريدونه من تلك الآصُل، وهو منزل رغيب خصيب حصين دونه قناطر، وأنهار ممتنعة - فتكون مسالحك على أنقابها، ويكون الناس بين الحَجَر والمَدَر على حافّاث الحجَر وحافّات المدر، والجِراع بينهما؛ ثم الزم مكانك فلا تبرحْه؛ فإنهم إذا أحسُّوك؛ أنغضتَهم، ورَموْك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجْلهم وحدّهم وجِدّهم؛ فإن أنتم صبرتم لعدوّكم واحتسبتم لقتاله ونويتمالأمانة؛ رجوتُ أن تُنصَروا عليهم؛ ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدًا إلّا أن يجتمعوا؛ وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى؛ كان الحجَر في أدباركم؛ فانصرفتم من أدنى مَدَرة من أرضهم إلى أدنى حَجَر من أرضكم؛ ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبَن وبها أجهل؛ حتى يأتيَ الله بالفتح عليهم، ويردّ لكم الكرّة. وكتب إليه أيضًا باليوم الذي يرتحل فيه من شَراف: فإذا كان يوم كذا وكذا فارتحل بالنَّاس حتى تنزلَ فيما بين عُذَيب الهِجانات، وعُذَيب القوادس، وشرّق بالناس وغرّبْ بهم. ثم قدم عليه كتاب جواب عمر: أمَّا بعد، فتعاهد قلبك، وحادِثْ جندَك بالموعظة والنِّيّة والحِسْبة، ومَنْ غفل فلْيُحْدثْهما؛ والصبرَ الصبرَ؛ فإنّ المعونة تأتي من الله على قدر النيَّة؛ والأجر على قدر الحسنة والحذَرَ الحذرَ على مَنْ أنت عليه وما أنت بسبيله، واسألوا الله العافية، وأكثِروا من قول: "لا حول ولا قوّة إلا بالله"، واكتب إليّ أين بَلغك جمعُهم، ومَن رأسُهم الذي يلي مصادمتكم؛ فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلَّةُ عِلْمي بما هجمتم عليه، والذي استقرّ عليه أمرُ عدوّكم؛ فصِفْ لنا منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفةً كأني أنظر إليها، واجعلني من أمركم على. الجلية، وحْفِ الله وارجُه، ولا تُدِلّ بشيء. واعلم أنّ الله قد وَعدكم. وتوكَّل لهذا الأمر بما لا خُلْف له، فاحذرْ أن تَصرفه عنك، ويستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد بصفة البلدان: إنّ القادسيّة بين الخندق والعَتيق، وإنّ ما عن يسار القادسيّة بحر أخضر في جوف لاحّ إلى الحيرة بين طريقين؛ فأمَّا أحدهما فعلى الظَّهْر، وأمَّا الآخر فعلى شاطئ نهر يُدعَى الحُضُوض؛ يطلع بمَنْ سلكه على ما بين الخَوَرْنَق والحيرة؛ وما عن يمين القادسيَّة إلى الوَلَجة فيضٌ من فيوض مياههم. وإن جميع من صالح المسلمين من أهل السَّواد قبلي ألْبٌ لأهل فارس قد خَفُّوا لهم، واستعدُّوا لنا. وإنَّ الذي أعدّوا لمصادمتنا رُسْتم. في أمثال له منهم؛ فهم يحاولون إنغاضَنا وإقحامنا، ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم، وأمْرُ الله بعدُ ماضٍ، وقضاؤه مسلّم إلى ما قدّر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القَدَر في عافية.فكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمتُه، فأقِمْ بمكانك حتى يُنغِض الله لك عدوَّك؛ واعلم أنَّ لها ما بعدها، فإن منحَك الله أدبارَهم فلا تنزعِ عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها إن شاء الله. وجعل عمر يدعُو لسعد خاصّة، ويدعون له معه، وللمسلمين عامة، فقدم زُهْرةَ سعدٌ حتى عسكر بعُذيب الهجانات، ثم خرج في أثره حتى ينزل على زُهرة بعُذيب الهجانات، وقدّمه، فنزل زهرةٌ القادسيَّة بين العتيق والخندق بحيال القنطرة؛ وقُدَيْس يومئذ أسفل منها بميل (١). (٣: ٤٨٩/ ٤٩٠/ ٤٩١/ ٤٩٢). ٢٤٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سَيْف، عن القعقاع بإسناده، قال: وكتب عمر إلى سعد: إنِّي قد ألقيَ في رُوعي: أنَّكم إذا لقيتم العدوّ هزمتموهم، فاطّرحِوا الشك، وآثروا التقيَّة عليه؛ فإنْ لاعب أحد منكم أحدًا من العجم بأمان أو قرفه بإشارة أو بلسان، فكان لا يدري الأعجميّ ما كلمه به، وكان عندهم أمانًا؛ فأجروا ذلك له مجرى الأمان. وإيَّاكم والضَّحك؛ والوفاءَ الوفاءَ! فإن الخطأ بالوفاء بقيَّة وإن الخطأ بالغدرِ الهلكة، وفيها وهنُكم وقوّة عدوّكم، وذهاب ريحكم، وإقبال ريحهم. واعلموا: أني أحذّركم أن تكونوا شَيْنًا على المسلمين وسببًا لتوهينهم (٢). (٣: ٤٩٢/ ٤٩٣). ٢٥٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن مُسلم العُكْليّ والمقدام بن أبي المقدام، عن أبيه، عن كَرِب بن أبي كَرِب العُكْليّ - وكان في المقدّمات أيّام القادسيَّة - قال: قدّمَنا سعد من شَراف، فنزلنا بعُذيب الهِجانات ثم ارتحل؛ فلما نزل علينا بعُذيب الهجانات - وذلك في وجه الصُّبْح - خرج زُهرة بن الحوَيَّة في المقدّمات، فلما رُفع لنا العُذَيب - وكان من مسالحهم - استبنَّا على بروجه ناسًا، فما نشاءُ أن نرى على برج من بروجه رجلًا أو بين شُرْفتين إلّا رأيناه، وكنا في سَرَعان الخيل، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كَثْف ونحن نرى أنّ فيها خيلًا، ثم أقدمنا على العُذَيب، فلمَّا دنونا منه؛ خرج رجل يركضُ نحو القادسيَّة، فانتهينا إليه، فدخلناه فإذا ليس فيه أحد؛ وإذا ذلك الرجل هوالذي كان يتراءَى لنا على البُروج وهو بين الشُّرَف مكيدة، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زُهرة فاتَّبعنَا، فلحق بنا وخَلفَنا واتّبعه. وقال: إن أفلت الرَّبيءُ أتاهم الخبر. فلحقه بالخندق فطعنه فجدّ له فيه، وكان أهل القادسيَّة يتعجّبون من شجاعة ذلك الرّجل، ومن علمه بالحرب، لم يُرَ عين قوم قطُّ أثبتَ ولا أربط جأشًا من ذلك الفارسيّ، لولا بُعْدُ غايته لم يلحق به، ولم يُصبه زُهرة، ووجد المسلمون في العُذَيب رماحًا ونُشَّابًا وأسفاطًا من جلود وغيرها، انتفع بها المسلمون. ثم بثّ الغارات، وسرّحهم في جوف الليل، وأمرهم بالغارة على الحيرة، وأمَّر عليهم بُكَيْر بن عبد الله الليثيّ - وكان فيها الشماخ الشاعر القيسيِّ في ثلاثين معروفين بالنَّجدة والبأس - فسرَوْا حتَّى جازوا السَّيْلحين، وقطعوا جِسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جَلَبة وأزْفَلة، فأحجموا عن الإقدام، وأقاموا كمينًا حتى يتَبيَّنوا، فما زالوا كذلك حتى جازُوا بهم، فإذا خيول تقدُم تلك الغَوْغاء، فتركوها فنفذت الطريق إلى الصِّنَينِ، وإذا هم لم يشعروا بهم؛ وإنما ينتظرون ذلك العَيْن لا يريدونهم، ولا يأبهون لهم، إنَّما همَّتُهم الصّنّين؛ وإذا أخت آزاذ مَرْدَ بن آزاذ به مَرْزُبان الحيرة تُزَفُّ إلى صاحب الصّنّين - وكان من أشراف العجَم - فسار معها من يبلّغها مخافة ما هو دون الذي لقوا؛ فلمّا انقطعت الخيل عن الزوافّ، والمسلمون كمينٌ في النخل، وجازت بهم الأثقال، حمل بُكَيْر على شيرزاذ بن آزاذ به، وهو بينها وبين الخيل، فقصَم صُلْبَه، وطارت الخيل على وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأة من الدّهاقين ومئة من التوابع، ومعهم ما لا يُدرَى قيمته، ثم عاج واستاق ذلك، فصبَّح سعدًا بعُذَيْب الهجَانات بما أفاء الله على المسلمين، فكبَّروا تكبيرة شديدة. فقال سعد: أقسم بالله لقد كبَّرتم تكبيرة قوم عرفتُ فيهم العزّ! فقسم ذلك سعد على المسلمين فالخمس نفله، وأعطى المجاهدين بقيَّته، فوقع منهم موقعًا، ووضع سعد بالعُذَيب خيلًا تَحُوط الحريم، وانضمّ إليها حاطة كلّ حريم، وأمَّر عليهم غالبَ بن عبد الله الليثيّ، ونزل سعد القادسيَّة، فنزل بقُدَيْس، ونزل زُهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسيَّة اليوم؛ وبعث بخبر سرّية بُكير، وبنزوله قُديسًا، فأقام بها شهرًا، ثم كتب إلى عمر: لم يوجّه القوم إلينا أحدًا، ولم يُسْنِدوا حربًا إلى أحد علمناه، ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به؛ واسنصر الله، فإنَّا بمنحاة دنيا عريضة؛ دونها بأس شديد؛ قد تقدّم إلينا فيالدعاء إليهم، فقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. وبعث سعد في مقامه ذلك إلى أسفل الفُرات عاصم بن عمرو فسار حتَّى أتى مَيْسان، فطلب غنمًا أو بقرًا فلم يقدر عليها، وتحصّن منه مَن في الأفدان، ووغَلُوا في الآجام، ووَغَل حتَّى أصاب رجلًا على طَفّ أجمَة، فسأله واستدلَّه على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم؛ وإذَا هو راعي ما في تلك الأجمة، فصاح منها ثور؛ كذب والله! وها نحن أولاء! فدخل فاستاق الثّيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أيامًا؛ وبلغ ذلك الحجَّاج في زمانه، فأرسل إلى نفر ممَّن شهدها أحدهم نذير بن عمرو والوليد بن عبد شمس وزاهر، فسألهم فقالوا: نعم، نحن سمعنا ذلك، ورأيناه واستقناها، فقال: كذبتم! فقالوا: كذلك؛ إن كنت شهدتها وغبْنا عنها! فقال: صدقتم، فما كان الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آيةُ تبشير يُستدلّ بها على رضا الله، وفتح عدوّنا؛ فقال: والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء، قالوا: والله ما ندري ما أجنَّت قلوبُهم؛ فأمَّا ما رأينا فإنَّا لم نرَ قومًا قطُّ أزهدَ في دنيا منهم، ولا أشدَّ لها بُغْضًا؛ ما اعتُدَّ على رجل منهم في ذلك اليوم بواحدة من ثلاث؛ لا بجُبْن ولا بغدر ولا بغُلُول. وكان هذا اليوم يوم الأباقِر؛ وبثّ الغارات بين كَسْكَر والأنبار، فحوَوْا من الأطعمة ما كانوا يستكفون به زمانًا، وبعث سعد عيونًا إلى أهل الحيرة وإلى صَلُوبا، ليعلَموا له خبر أهل فارس؛ فرجعوا إليه بالخبر؛ بأن الملك قد ولَّى رُستم بن الفَرّخزاذ الأرْمَنّي حرْبَه، وأمره بالعسكرة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: لا يكرُبنَّك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به؛ واستعن بالله وتوكَّل عليه، وابعث إليه رجالًا من أهل المنظَرة والرأي والجلَد يدعونه، فإنّ الله جاعل دعاءهم توهينًا لهم، وفَلْجًا عليهم؛ واكتب إليَّ في كلِّ يوم. ولمَّا عسكر رُسْتم بساباط كتبوا بذلك إلى عمر (١). (٣: ٤٩٣/ ٣٩٤/ ٤٩٥). ٢٥١ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والمجالد بإسنادهما، وسعيد بن المرزُبان: أن سعد بن أبي وقَّاص حين جاءه أمرُ عمر فيهم، جمع نفرًا عليهم نِجار، ولهم آراء، ونفرًا لهم منظر؛ وعليهم مهابة ولهمآراء؛ فأمَّا الذين عليهم نِجار ولهم آراء ولهم اجتهاد فالنعمان بن مقرّن، وبُسْر بن أبي رُهْم، وحَملة بن جُوَيّة الكناني، وحنظلة بن الربيع التميميّ، وفُرات بن حيَّان العِجْليّ، وعديّ بن سُهيل، والمغيرة بن زُرارة بن النَّبَّاش بن حبيب. وأما مَنْ لهم منظر لأجسامهم، وعليهم مَهابة ولهم آراء، فعُطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسَّان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معد يكرب، والمغيرة بن شعبة، والمعنَّى بن حارثة، فبعثهم دُعاةً إلى الملك (١). (٣: ٤٩٦). ٢٥٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، وطلحة عن المغيرة، قالوا: فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائنَ احتجاجًا ودُعاةً ليزدَجِرْد، فطوَوا رستم، حتى انتهوْا إلى باب يَزْدَجرد، فوقفوا على خيولٍ عُرُوات، معهم جَنائب، وكلّها صهَّال، فاستأذنوا فحبسوا، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضِه يستشيرهم فيما يصنع بهم، ويقوله لهم، وسمع بهم الناس، فحَضَرُوهم ينظرون إليهم، وعليهم المقطَّعات والبُرود، وفي أيديهم سِياط دقاق، وفي أرجلهم النّعال. فلمّا اجتمع رأيُهم؛ أذن لهم، فأدخِلوا عليه (٢). (٣: ٤٩٧/ ٤٩٨). ٢٥٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن بنت كيسان الضَّبِّيَّة، عن بعض سبايا القادسيَّة ممَّن حسن إسلامه، وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب. قال: وثاب إليهم النَّاس ينظرون إليهم؛ فلم أرَ عشرة قطّ يعدلون في الهيئة بألف غيرَهم، وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضًا. وجعل أهلُ فارس يسوءهم ما يروْن من حالهم وحال خيلهم؛ فلمَّا دخلوا على يَزْدَجِرد؛ أمرهم بالجلوس؛ وكان سيّئ الأدب، فكان أوّل شيء دار بينه وبينهم أن أمر التّرجمان بينه وبينهم فقال: سَلْهم ما يسمّون هذه الأردية؟ فسأل النُّعمان - وكان على الوفد: ما تُسمِّي رداءَك؟ قال: البُرْد، فتطيَّر وقال: "برْدجهان"، وتغيَّرت ألوان فارس وشقَّ ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فقال: ما تسمّون هذه الأحذية؟ فقال: النّعال، فعاد لمثلها، فقال: "ناله ناله" في أرضنا، ثمسأله عن الَّذي في يده فقال: سوط، والسوط بالفارسيّة الحريق، فقال: أحرقوا فارس أحرقهم الله! وكان تَطيُّره على أهل فارس، وكانوا يجدون من كلامه (١). (٣: ٤٩٨). ٢٥٤ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيْف، عن عمرو، عن الشعبيّ، بمثله وزاد: ثمّ قال الملك: سلْهم ما جاء بكم؟ وما دعاكم إلى غَزْوِنا والوَلوغ ببلادنا؟ أمِنْ أجلِ أنَّا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا! فقال لهم النعمان بن مقرّن: إن شئتم أجبتُ عنكم؛ ومن شاء آثرته. فقالوا: بل تكلَّم، وقالوا للملك: كلامُ هذا الرجل كلامُنا. فتكلَّم النّعمان، فقال: إنَّ الله رحمنا فأرسل إلينا رسولًا يدلّنا على الخير ويأمرُنا به، ويعرّفنا الشرّ وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خيرَ الدّنيا والآخرة؛ فلم يدعُ إلى ذلك قبيلةً إلّا صاروا فرقتيْن؛ فرقة تُقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دِينه إلّا الخواصّ. فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى مَن خالفه من العرب؛ وبدأ بهم وفعل؛ فدخلوا معه جميعًا على وجْهين: مُكرَه عليه فاغتبط؛ وطائع أتاه فازداد؛ فعرفنا جميعًا فضلَ ما جاء به على الَّذي كنَّا عليه من العداوة والضّيق؛ ثم أمرنا أن نبدأ بمَن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعُوكم إلى ديننا، وهو دين حسَّن الحسَن وقبَّح القبيح كلَّه، فإن أبيتم فأمرٌ من الشرّ هو أهون من آخرَ شرٍّ منه الجِزاء؛ فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خَلَّفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم؛ وإن اتّقيتمونا بالجِزاء قَبِلْنا ومنعناكم؛ وإلّا قاتلناكم. قال: فتكلَّم يَزْدَجرد، فقال: إني لا أعلم في الأرْض أمَّه كانت أشقى ولا أقلّ عددًا ولا أسوأ ذات بين منكم؛ قد كنَّا نوكّل بكم قُرَى الضواحي فيكفونناكُم. لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تَقُوموا لهم، فإن كان عدد لحق؛ فلا يغرَّنَّكم منَّا، وإن كان الجَهد دعاكم فرضْنا لكم قوتًا إلى خِصْبكم؛ وأكرمْنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم مَلِكًا يرفُق بكم. فأسكَت القوم. فقام المغيرة بن زُرارة بن النبَّاش الأسَيْديُّ، فقال: أيُّهاالملك، إنَّ هؤلاء رؤوس العرب ووجوهُهم؛ وهم أشراف يستحيُون من الأشراف؛ وإنّما يكرم الأشرافَ الأشرافُ، ويعظّم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخّم الأشرافَ الأشرافُ؛ وليس كلّ ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كلّ ما تكلّمتَ به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسُن بمثلهم إلّا ذلك؛ فجاوبْني لأكون الذي أبلّغك، ويشهدون على ذلك؛ إنَّك قد وصفتَنا صفةً لم تكن بها عالمًا، فأمَّا ما ذكرت من سُوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منَّا، وأمَّا جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنّا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيَّات؛ فنرى ذلك طعامنا. وأمَّا المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلّا ما غزلْنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم؛ دينُنا أن يقتلَ بعضُنا بعضًا، ويُغيرَ بعضُنا غلى بعض، وإن كان أحدنا ليَدفن ابنتَه وهي حيَّه كراهيةَ أن تاكل من طعامنا؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك؛ فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا، نعرف نسبَه، ونعرف وجهه ومولِده؛ فأرضُه خير أرضنا، وحسبُه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا؛ وقبيلته خير قبائلنا؛ وهو بنفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمَنا؛ فدعانا إلى أمر فلم يُجبه أحد قبل ترْبٍ كان له وكان الخليفةَ من بعده، فقال وقلنا، وصَدق وكَذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلّا كان، فقذف الله في قلوبنا التَّصديق له واتّباعه؛ فصار فيما بيننا وبين ربّ العالمين؛ فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمرُ الله؛ فقال لنا: إنَّ ربَّكم يقول: إنّي أنا اللهُ وحدي لا شَريك لي، كنتُ إذْ لم يكن شيء وكلّ شيء هالك إلّا وجهي، وأنا خلقتُ كلّ شيء، وإليَّ يصير كلّ شيء، وإنَّ رحمتي أدركتْكم فبعثت إليكم هذا الرّجل لأدُلَّكُمْ عَلَى السَّبيل الَّتي بها أنْجِيكمْ بعد الموت من عذابي، ولأحلَّكم داري؛ دار السَّلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحقّ من عند الحقّ، وقال: مَنْ تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومَنْ أبَى فاعرِضوا عليه الجزية، ثم امنعوه ممَّا تمنعون منه أنفسَكم، ومَن أبى فقاتلوه، فأنا الحكَم بينكم. فمن قُتل منكم أدخلته جنَّتي، ومَنْ بقيَ منكم أعقبته النَّصر على مَنْ ناوأه؛ فاخترْ إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر؛ وإن شئت فالسيف، أو تُسلم فتُنجي نفسك. فقال: أتستقبلني بمثل هذا! فقال: ما استقبلتُ إلّا مَنْ كلَّمني، ولو كلَّمني غيرُك لم أستقبلك به. فقال:لولا أنَّ الرسل لا تُقْتَل؛ لقتلتُكم، لا شيء لكم عندي، وقال: ائتوني بوِقْر من تراب، فقال: احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن؛ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنِّي مرسِل إليكم رستم حتى يُدفيَكم ويدفيَه في خندق القادسيَّة، وينكَل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدّ ممَّا نالكم من سابور. ثم قال: مَنْ أشرفُكم؟ فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو - وافتات ليأخذ التراب: أنا أشرفُهم، أنا سيِّد هؤلاء فحمّلْنيه، فقال: أكذاك؟ قالوا: نعم، فحمّله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلَته فحمله عليها؛ ثم انجذب في السَّير، فأتوْا به سعدًا وسبقهم عاصم فمرّ بباب قُدَيس فطواه، فقال: بشِّروا الأميرَ بالظَّفر، ظفرنا إن شاء الله. ثم مضى حتَّى جعل التراب في الحِجْر، ثم رجع فدخل على سعد، فأخبره الخبر فقال: أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليدَ ملْكِهم. وجاء أصحابه وجعلوا يزدادون في كلّ يوم قوّة، ويزداد عدوّهم في كلّ يوم وَهَنًا، واشتدّ ما صنع المسلمون، وصنع الملك من قبول التراب على جلساء الملك، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عمَّا كان من أمره وأمرهم، وكيف رآهم، فقال الملك: ما كنتُ أرى أنَّ في العرب مثل رجال رأيتهم دخلُوا عليَّ وما أنتم بأعقلَ منهم، ولا أحسنَ جوابًا منهم؛ وأخبره بكلام متكلِّمهم، وقال: لقد صَدَقني القوم، لقد وعد القوم أمرًا ليُدركُنَّه أو ليمُوتنّ عليه، على أني قد وجدت أفضلَهم أحمقَهم، لمَّا ذكروا الجزية أعطيتُه ترابًا فحملَه على رأسه، فخرج به، ولو شاء اتَّقى بغيره؛ وأنا لا أعلم. قال: أيَّها الملك، إنه لأعقلُهم، وتطيَّر إلى ذلك، وأبصرها دون أصحابه. وخرج رستم من عنده كئيبًا غضبانَ - وكان منجِّمًا كاهنًا - فبعث في أثَر الوفد، وقال لثقته: إن أدركَهم الرّسول؛ تلافَينا أرضنا، وإن أعجزوه؛ سلبكم الله أرضكم وأبناءكم. فرجع الرّسول من الحيرة بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضِكم غير ذي شكّ، ما كان من شأن ابن الحجَّامة المُلك! ذهب القوم بمفاتيح أرضنا! فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظًا. وأغاروا بعد ما خرج الوفد إلى يَزْدَجِرد، إلى أن جاؤوا إلى صيَّادين قد اصطادوا سمكًا، وسار سواد بن مالك التميميّ إلى النّجاف والفِراض إلى جنبها، فاستاق ثلاثمئة دابَّة من بين بغلوحمار وثور، فأوقروها سمكًا، واستاقوها، فصبَّحوا العسكر، فقسم السَّمك بين النَّاس سعد، وقسمَ الدوابّ، ونفَّل الخمس إلّا ما رُدَّ على المجاهدين منه، وأسهم على السَّبْي؛ وهذا يوم الحيتان، وقد كان الآزاذ مَرد بن الآزاذبه خرج في الطَّلب، فعَطَف عليه سوادٌ وفوارس معه، فقاتلهم على قنطرة السَّيْلَحين؛ حتى عرفوا أنّ الغنيمة قد نجت، ثم اتَّبعوها فأبلغوها المسلمين، وكانوا إنَّما يقرَمون إلى اللحم؛ فأمَّا الحنطة والشعير والتمر والحبوب؛ فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوْا به لو أقاموا زمانًا؛ فكانت السَّرَايا إنَّما تسري للحوم، ويسمُّون أيامها بها، ومن أيَّام اللحم يومُ الأباقر ويوم الحيتان. وبعث مالك بن ربيعة بن خالد التيميّ؛ تَيْم الرّباب، ثم الواثليّ ومعه المساور بن النّعمان التيميّ ثم الرُّبَيعيّ في سريّه أخرى؛ فأغارا على الفيّوم؛ فأصابا إبلًا لبني تغلب والنَّمِر فشلّاها ومَن فيها، فغدَوا بها على سعد، فنُحرت الإبل في النَّاس. وأخصبوا وأغار على النَّهْرَيْنِ عمرو بن الحارث، فوجدوا على باب ثوراء مواشيَ كثيرة، فسلكوا أرض شَيْلي - وهي اليوم نهر زياد - حتى أتوا بها العسكر. وقال عمرو: ليس بها يومئذ إلا نهرانِ. وكان بين قدوم خالد العراق ونزول سعد القادسيِّة سنتان وشيء. وكان مُقام سعد بها شهرين وشيئًا حتى ظفر. قال - والإسناد الأول -: وكان من حديث فارس والعرب بعد البُوَيب أنَّ الأنوشَجان بن الهِرْبَذ خرجَ من سَواد البصرة يريد أهل غُضَيّ، فاعترضه أربعة نفر على أفناء تميم؛ وهم بإزائهم: المسْتَورِد وهو على الرِّباب، وعبد الله بن زيد يسانده؛ الرّبابُ بينهما، وجَزْء بن معاوية وابن النابغة يسانده؛ سَعد بينهما، والحُصين بن نِيَار والأعور بن بشامة يسانده على عمرو، والحصين بن معبد والشَّبه على حنظلة، فقتلوه دونهم. وقدم سعد فانضمُّوا إليه هم وأهل غُضَيّ وجميع تلك الفِرَق (١). (٣: ٤٩٨/ ٤٩٩/ ٥٠١/ ٥٠١/ ٥٠٢/ ٥٠٣). ٢٥٥ - كتب إليّ السريُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، وعمرو بإسنادهم؛ قالوا: وخرج رستُم في عشرين ومئة ألف، كلُّهممتبوع، وكانوا بأتباعهم أكثرَ من مئتي ألف، وخرج من المدائن في ستين ألف متبوع (١). (٥٠٥: ٣). ٢٥٦ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّ رستَم زحف لسعد وهو بالقادسيَّة في ستين ألفَ متبوع (٢). (٥٠٥: ٣). ٢٥٧ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لمَّا أبى المَلِك إلّا السيرَ، كتب رستم إلى أخيه وإلى رؤوس أهل بلادهم: من رستم إلى البِنْدوان مرزبان الباب، وسهم أهل فارس، الَّذي كان لكلّ كونٍ يكون، فيفضّ الله به كلّ جند عظيم شديد، ويفتح به كلّ حصن حصين، ومن يليه؛ فرُمُّوا حصونكم، وأعِدّوا واستعِدّوا، فكأنكم بالعرب قد وردُوا بلادَكم، وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودُهم نحوسًا؛ فأبى الملك (٣). (٣: ٥٠٥/ ٥٠٦). ٢٥٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّلْت بن بَهرام، عن رجل: أنّ يزدَجِرد لمَّا أمر رستم بالخروج من سَاباط، كتب إلى أخيه بنحوٍ من الكتاب الأوّل، وزاد فيه: فإنّ السمكة قد كدّرت الماء، وإنَّ النعائم قد حسُنت، وحسُنت الزُّهرَة، واعتدل الميزان، وذهب بَهْرام؛ ولا أرى هؤلاء القوم إلّا سيظهرون علينا، ويستولُون على ما يلينا. وإنَّ أشدّ ما رأيت أن الملك قال: لتسيرُنَّ إليهم أو لأسيرَنّ إليهم أنا بنفسي. فأنا سائر إليهم (٤). (٣: ٥٠٦). ٢٥٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، وعمرو بإسنادهم، قالوا: لمَّا فَصَل رستم من سَاباط؛ لقيه جابان على القَنْطَرة، فشكا إليه، وقال: ألا تَرى ما أرى؟ فقال له رستم: أمَّا أنا فأقاد بخِشاش وزمام، ولا أجد بُدًّا من الانقياد. وأمر الجالنوس حتَّى قدم الحيرة؛ فمضى واضطرب فُسطاطه بالنَّجَف، وخرج رستم حتى ينزل بكُوثَى، وكتب إلىالجالنوس والآزاذ مرْد: أصيبَا لي رجلًا من العرب من جند سَعْد. فركبا بأنفسهما طليعة، فأصابا رجلًا، فبعثا به إليه وهو بكوثَى فاستخبَره، ثم قتله (١). (٣: ٥٠٧). ٢٦٠ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، والمقدام الحارثي عمَّن ذكره، قالا: دعا رستم أهلَ الحيرة وسُرادقُه إلى جانب الدَّير، فقال: يا أعداءَ الله! فرحتم بدخول العرب علينا بلادَنا، وكنتم عيونًا لهم علينا، وقوَّيتموهم بالأموال! فاتَّقوْه بابن بُقَيلة، وقالوا له: كن أنت الذي تكلِّمه، فتقدّم، فقال: أمَّا أنت وقولك: "إنا فرحنا بمجيئهم" فماذا فعلوا؟ وبأيّ ذلك من أمورهم نفرح! إنَّهم ليزعمون أنَّا عبيد لهم، وما هم على ديننا؛ وإنّهم ليشهدون علينا أنَّا من أهل النار. وأمَّا قولُك: "إنَّا كنا عيونًا لهم"، فما الذي يُحوجهم إلى أن نكون عيونًا لهم، وقد هرب أصحابكم منهم، وخلَّوا لهم القرى! فليس يمنعهم أحد من وجه أرادوه، إن شاؤوا أخذوا يمينًا أو شمالًا. وأمَّا قولك: "إنا قوَّيناهم بالأموال"؛ فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا، وإذ لم تمنعونا مخافة أن نُسْبَى وأن نُحرب، وتُقتل مقاتلتُنا - وقد عجز منهم مَنْ لقيهم منكم - فكنَّا نحن أعجز؛ ولعمري لأنتم أحبُّ إلينا منهم؛ وأحسن عندنا بلاءً، فامنعونا منهم نكن لكم أعوانًا؛ فإنّما نحن بمنزلةِ عُلُوج السَّواد، عَبيد مَنْ غَلَب. فقال رستم: صدقكم الرجل (٢). (٣: ٤٠٨/ ٤٠٩). ٢٦١ - كتب إليَّ السريُّ، عن شعيب عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: رأى رستُم بالدّير: أنّ ملكًا جاء حتى دخل عسكر فارس، فختَم السلاح أجمع (٣). (٣: ٤٠٩). ٢٦٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وأصحابه؛ وشارَكهم النَّضر بإسناده، قالوا: ولمّأ اطمأنّ رستم أمَر الجالنوس أن يسير من النَّجف، فسار في المقدّمات، فنزل فيما بين النَّجف والسَّيْلَحين، وارتحل رستم، فنزل النَّجَف - وكان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباطوزحفه منها إلى أن لَقِيَ سعدًا أربعة أشهر، لا يُقدم ولا يقاتِل - رجاء أن يضجَروا بمكانهم، وأن يجهَدوا فينصرفوا، وكره قتالَهم مخافة أن يلقَى ما لَقي مَن قبَله، وطاولَهم لولا ما جعل الملك يستعجله ويُنهضه ويُقدّمه؛ حتى أقحمه؛ فلما نزل رستم النَّجَف عادت عليه الرؤيا، فرأى ذلك الملك ومعه النبيّ ﷺ وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل فارس، فختمه، ثم دفعه إلى النبيّ ﷺ، فدفعه النبيّ ﷺ إلى عمر. فأصبح رستم، فازداد حُزنًا، فلمَّا رأى الرَّفيل ذلك رغبَ في الإسلام؛ فكانت داعيتَه إلى الإسلام، وعرف عمر أنّ القوم سيطاولونهم، فعهد إلى سعد وإلى المسلمين أن ينزلُوا حدود أرضهم، وأنْ يطاولوهم أبدًا حتى يُنغضوهم، فنزلوا القادسيَّة، وقد وطَّنوا أنفسهم على الصَّبْر والمطاولة، وأبى الله إلا أن يتمّ نوره، فأقاموا واطمأنوا، فكانوا يُغيرون على السَّواد، فانتسفوا ما حولَهُمْ فحوَوه وأعدّوا للمطاولة؛ وعلى ذلك جاؤوا، أو يفتح الله عليهم. وكان عمر يمدُّهم بالأسواق إلى ما يصيبون؛ فلمَّا رأى ذلك الملك ورستم وعرفوا حالهم، وبلغهم عنهم فعلُهم؛ علم أن القوم غير منتهين، وأنَّه إن أقام لم يتركوه؛ فرأى أن يشخص رستم، ورأى رستم أن ينزل بين العتيق والنَّجَف، ثم يطاولهم مع المنازلة، ورأى: أنَّ ذلك أمثلُ ما هم فاعلون، حتى يصيبوا من الإحجام حاجَتَهم، أو تدور لهم سعود (١). (٣: ٥٠٩/ ٥١٠). ٢٦٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: وجعلت السَّرايا تطوفُ، ورستُم بالنَّجف والجالنوس بين النَّجف والسَّيْلَحين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس، والهُرْمزان ومِهْران على مجنَّبتيْه، والبيرزان على ساقته وزاذ بن بُهَيْش صاحب فُرات سِرْيا على الرّجالة؛ وكنارَى على المجرّدة؛ وكان جنده مئة وعشرين ألفًا، ستين ألفَ متبوع مع الرجل الشاكريّ، ومن الستين ألفًا خمسة عشر ألف شريف متبوع، وقد تسلسلوا، وتقارنوا؛ لتدورَ عليهم رَحى الحرب (٢) (٣: ٥١٠). ٢٦٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قَيْس، عن موسى بن طَريف، قال: قال النَّاس لسعد: لقد ضاق بنا المكان؛ فأقدِمْ، فزَبرمَن كلَّمه بذلك، وقال: إذا كُفيتم الرّأي، فلا تكلَّفوا؛ فإنا لن نقدِم إلّا على رأي ذوي الرّأي، فاسكتوا ما سكتنا عنكم. وبعث طليحة وعمرًا في غير خيلٍ كالطليعة، وخرج سواد وحُميضة في مئة مئة؛ فأغاروا على النَّهرين؛ وقد كان سعد نهاهما أن يُمعنا، وبلغ رستم، فأرسل إليهم خيلًا، وبلغ سعدًا أنَّ خيلَه قد وَغلت؛ فدعا عاصم بن عمرو وجابرًا الأسديّ، فأرسلهما في آثارهم يقتصّانها، وسلكا طريقَهما، وقال لعاصم: إن جَمعَكم قِتَال فأنت عليهم، فلقيهم بين النهرين وإصْطِيميا؛ وخيل أهل فارس محتوشتُهم، يريدون تخلُّص ما بين أيديهم، وقد قال سواد لُحميضة: اختَرْ؛ إمَّا أن تقيم لهم وأستاق الغَنيمة، أو أقيم لهم وتستاق الغنيمة. قال: أقِمْ لهم ونَهْنِهْهُم عنِّي، وأنا أبلِّغ لك الغنيمة؛ فأقام لهم سواد، وانجذب حُميضة، فلقيه عاصم بن عمرو، فظنّ حُميضة أنَّها خيل للأعاجم أخرى، فصدّ عنها منحرفًا؛ فلمّا تعارفوا ساقَها؛ ومضى عاصم إلى سواد - وقد كان أهل فارس تنقَّذوا بعضها - فلمَّا رأت الأعاجم عاصِمًا هربوا، وتنقَّذ سوادُ ما كانوا ارتجعوا؛ فأتوا سعدًا بالفتح والغنائم والسلامة؛ وقد خرج طُلَيحة وعمرو؛ فأمَّا طُلَيحة فأمره بعسكر رستم، وأما عمرو فأمره بعسكر الجالنوس؛ فخرج طُليحة وحْدَه، وخرج عمرو في عدّة، فبدث قيس بن هبيرة في آثارهما؛ فقال: إن لقيتَ قتالًا فأنت عليهم - وأراد إذلال طليحة لمعصيته، وأمّا عمرو فقد أطاعه - فخرج حتى تلقّى عمرًا، فسأله عن طليحة، فقال: لا علْمَ لي به، فلمَّا انتهيا إلى النَّجَف من قبل الجَوْف، قال له قيس: ما تريد؟ قال: أريد أن أغير على أدنَى عسكرهم؛ قال: في هؤلاء؟ ! قال: نعم، قال: لا أدَعك والله وذاك! أتُعرّض المسلمين لما لا يطيقون! قال: وما أنت وذاك! قال: إني أمِّرت عليك؛ ولو لم أكن أميرًا لم أدعك وذاك. وشهد له الأسود بن يزيد في نفر: أنّ سعدًا قد استعمله عليك، وعلى طليحة إذا اجتمعتم، فقال عمرو: والله يا قيس؛ إنَّ زمانًا تكون عليّ فيه أميرًا لزمانُ سوء! لأن أرجعَ عن دينكم هذا إلى ديني الَّذي كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحبُّ إليّ مِنْ أن تتأمَّر عليّ ثانية. وقال: لئن عاد صاحبك الَّذي بعثَك لمثلها لنفارقنَّه؛ قال: ذاك إليك بعد مرّتك هذه، فردّه؛ فرجعا إلى سعد بالخبرِ، وبأعلاج، وأفراس، وشكا كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه؛ أمَّا قيسٌ فشكا عصيان عمرو، وأمَّا عمرو فشكا غِلْظة قيس، فقال سعد: يا عمرو! الخبر والسلامة أحبّ إليّ من مُصاب، مئة بقتلألف، أتعمَد إلى حَلْبة فارس فتصادِمهم بمئة! إن كنت لأراك أعلَم بالحرب ممَّا أرى. فقال: إنَ الأمر لكما قلت؛ وخرج طُلَيحة حتى دخل عسكرهم في ليلة مقمِرة، فتوسّم فيه، فهتك أطناب بيت رجل عليه، واقتاد فرسه، ثم خرج حتى مرَّ بعسكر ذي الحاجب، فهتَك على رَجُلٍ آخر بيتَه، وحلّ فرسه، ثم دخل على الجالنوس عسكرَه فهتك على آخر بيته، وحلّ فرسه، ثم خرج حتى أتى الخرّارة؛ وخرج الَّذي كان بالنَّجف، والذي كان في عسكر ذي الحاجب فاتَّبعه الذي كان في عسكر الجالنوس، فكان أوَّلهم لحاقًا به الجالنوس؛ ثم الحاجبيّ، ثم النَّجَفي؛ فأصاب الأوّلين، وأسَرَ الآخر. وأتى به سعدًا فأخبره، وأسلم؛ فسمَّاه سعد مسلمًا؛ ولزم طُليحة؛ فكان معه في تلك المغازي كلّها (١). (٣: ٥١٠/ ٥١١/ ٥١٢). ٢٦٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر، وعن أبي عثمان النَّهْديّ، قال: كان عمر قد عهد إلى سعد حين بعثَه إلى فارس؛ ألّا يمرّ بماء من المياه بذي قوّة ونجدة ورياسة إلّا أشخصه؛ فإن أبَى انتخبه، فأمَّره عمر، فقدم القادسيَّة في اثني عشر ألفًا من أهل الأيَّام، وأناس من الحمراء استجابوا للمسلمين، فأعانوهم؛ أسلم بعضهم قبل القتال، وأسلم بعضهم غبَّ القتال، فأشركوا في الغنيمة، وفُرضت لهم فرائض أهل القادسيَّة: ألفين ألفين؛ وسألوا عن أمنع قبائل العرب، فعادُّوا تميمًا؛ فلمَّا دنا رستم، ونزل النَّجَف بعث سعد الطلائع؛ وأمرهم أن يصيبوا رجلًا ليسأله عن أهل فارس؛ فخرجت الطلائع بعد اختلاف؛ فلما أجمع مَلأ الناس أنَّ الطليعةَ من الواحد إلى العشرة سَمَحوا، فأخرج سعد طُلَيحة في خمسة، وعمرو بن مَعْد يكرب في خمسة؛ وذلك صبيحةَ قدّم رستيم الجالنوس، وذا الحاجب؛ ولا يشعرون بفُصولهم من النَّجف؛ فلم يسيروا إلا فرسخًا وبعض آخر؛ حتى رأوا مسالحَهم وسَرْحَهم على الطُّفوف قد ملؤوها، فقال بعضهم: ارجعوا إلى أميركم فإنه سرَّحكم؛ وهو يرى أنَّ القوم بالنَّجف؛ فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا يَنْذرْ بكم عدوّكم! فقال عمرو لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه: كذبتم؛ ما بُعثتم لتُخبروا عن السَّرْح، وما بُعثتم إلا للخُبْر، قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخاطر القوم، أوأهلك، فقالوا: أنت رجل في نفسك غَدْر؛ ولن تفلح بعد قتل عُكّاشة بن مِحْصَن؛ فارجع بنا، فأبى. وأتى سعدًا الخبرُ برحيلهم؛ فبعث قيس بن هُبيرة الأسديّ، وأمَّره على مئة، وعليهم إن هو لقيَهم. فانتهى إليهم وقد افترقوا، فلمَّا رآه عمرو قال: تجلَّدوا له، أرَوْه أنَّهم يريدون الغارة؛ فردّهم، ووجد طليحةَ قد فارَقهم فرجع بهم، فأتوْا سعدًا، فأخبروه بقُرب القوم، ومضى طُليحة، وعارض المياه على الطُّفُوف؟ حتى دخلَ عسكر رستم، وبات فيه يجُوسه وينظر ويتوسّم؛ فلمَّا أدبر الليل، خرج وقد أتى أفْضل مَن توسّم في ناحية العسكر؛ فإِذا فرس له لم يُرَ في خيل القوم مثلُه، وفسطاط أبيض لم يُرَ مثله؛ فانتضى سيفه، فقَطع مِقْودَ الفرس، ثم ضمَّه إلى مقْوَد فرسه، ثم حرّك فرسه، فخرج يعدُو به، ونذِر به الناس والرَّجْل، فتنادوْا وركبوا الصّعْبة والذَّلول، وعجِل بعضهم أن يسرج، فخرجوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارسٌ من الجُند، فلمَّا غشِيَه وبوأ له الرّمح ليطعنه عدل طُليحة فرسه، فندر الفارسيّ بين يديه، فكرّ عليه طُلَيحة، فقصَم ظهره بالرّمح، ثم لحق به آخر، ففعل به مثلَ ذلك، ثم لحِق به آخر؛ وقد رأى مصرع صاحبيه - وهما ابنا عمِّه - فازداد حَنَقًا، فلمّا لحق بطُليحة، وبؤَأ له الرمح، عدل طليحة فرسه، فندر الفارسيّ أمامه، وكرَّ عليه طليحة؛ ودعاه إلى الإسار، فعرف الفارسيّ أنه قاتله فاستأسرَ، وأمره طُليحة أن يركُض بين يديه؛ ففعل. ولحِق الناس فرأوا فارسَي الجند قد قتلا وقد أسِر الثالث، وقد شارف طُليحة عسكرهم، فأحجموا عنه، ونكسوا، وأقبل طُليحة حتى غشيَ العسكر، وهم على تعبية، فأفزِع النَّاس، وجوّزوه إلى سعد؛ فلمَّا انتهى إليه، قال: ويحك ما وراءك! قال: دخلت عساكرهم وجُستها منذ الليلة، وقد أخذت أفضلَهم توسُّمًا، وما أدري أصبت أم أخطأت! وها هو ذا فاستخبِرْه. فأقيم التّرجمان بين سعد وبين الفارسيّ، فقال له الفارسيّ: أتؤمِّنني على دمي إن صدقتُك؟ قال: نعم، الصّدق في الحرب أحبّ إلينا من الكذب، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمّن قِبَلي؛ باشرتُ الحروب وغشيتُها، وسمعت بالأبطال ولقيتُها؛ منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما تَرَى، ولم أرَ ولم أسمع بمثل هذا؛ أن رجلًا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفًا، يخدم الرجل منهم الخمسةُ والعشرة إلى ما هو دون؛ فلم يرضَ أن يخرج كما دخل حتَى سلَب فارس الجند؛ وهَتَك أطناب بيته فأنذرَه،فأنذرَنا به، فطلبناه، فأدركه الأوَّل وهو فارس الناس، يعدل ألفَ فارس فقتله، فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله، ثم أدركتُه، ولا أظنّ أنني خلَّفت بعدي مَنْ يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين، وهما ابنا عمّي، فرأيتُ الموت فاستأسرت. ثم أخبره عن أهل فارس؛ بأن الجند عشرون ومئة ألف، وأن الأتباع مثلهم خُدّام لهم. وأسلم الرّجل وسمَّاه سعد مسلمًا، وعاد إلى طليحة، وقال: لا والله، لا تُهزَمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء، والصدق، والإصلاح، والمؤاساة. لا حاجَة لي في صُحبة فارس؛ فكان من أهل البلاء يومئذ (١). (٣: ٥١٢/ ٥١٣/ ٥١٤). ٢٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بن طريف، قال: قال سعد لقيس بن هُبيرة الأسديّ: اخرج يا عاقلُ! فإنَّه ليس وراءك من الدّنيا شيء تحنُو عليه حتى تأتيَني بعلم القوم. فخرج وسرّح عمرو بن معد يكرب وطليحة؛ فلمَّا حاذَى القنطرة لم يسِرْ إلّا يسيرًا حتى لحق، فانتهى إلى خيلٍ عظيمة منهم بحيالها تردّ عن عسكرهم، فإذا رستُم قد ارتحلَ من النَّجَف، فنزل منزل ذي الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل ذو الحاجب منزلَه، والجالنوس يريد طَيْزناباذ؛ فنزل بها، وقدّم تلك الخيل. وإنَّ ما حمل سعدًا على إرسال عمرو وطليحة معه لمقالةٌ بلغتْه عن عمرو، وكلمة قالها لقيس بن هُبيرة قبل هذه المرَّة، فقال: قاتلوا عدوَّكم يا معشر المسلمين! فأنشب القتال، وطاردهم ساعة. ثم إنّ قيسًا حَمَل عليهم، فكانت هزيمتهم، فأصاب منهم اثني عشر رجلًا، وثلاثة أسراء، وأصاب أسلابًا، فأتوا بالغنيمة سعدًا وأخبروه الخبر؛ فقال: هذه بشرى إن شاء الله؛ إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدَّهم؛ فلهم أمثالُها، ودعا عمرًا وطُليحة، فقال: كيف رأيتما قيسًا؟ فقال طليحة: رأيناه أكمانًا، وقال عمرو: الأمير أعلم بالرّجال منَّا. قال سعد: إنَّ الله تعالى أحيانا بالإسلام وأجيا به قلوبًا كانت ميِّتة، وأمات به قلوبًا كانت حيَّة، وإني أحذّركما أن تؤثِرَا أمر الجاهليَّة على الإسلام؛ فتموت قلوبكما وأنتما حيَّان؛ الزَما السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق؛ فما رأى النَّاس كأقوام أعزَّهم الله بالإسلام (٢) (٣: ٥١٤/ ٥١٥).٢٦٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد؛ وشاركهم المجالد وسعيد بن المَرْزُبان، قالوا: فلمَّا أصبح رستم من الغدِ من يوم نزل السَّيلحين؛ قدّم الجالنوس وذا الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل من دون القنطرة بحيال زُهرة، ونزل إلى صاحب المقدّمة، ونزل ذو الحاجب منزله بطيزناباذ، ونزل رستم منزلَ ذي الحاجب بالخرَّارة، ثم قدّم ذا الحاجب؛ فلمَّا انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال قُدَيس خندق خندقًا، وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدّمته - أعني سعدًا - زُهرة بن الحَويَّة، وعلى مجنَّبتيه عبد الله بن المُعْتَمّ، وشُرحبيل بن السّمط الكنديّ، وعلى مجرّدته عاصم بن عمرو، وعلى المُرامية فلان، وعلى الرجْل فلان، وعلى الطلائع سَواد بن مالك، وعلى مقدّمة رستَمِ الجالنوس، وعلى مجنَّبتيه الهُرمزان ومهران وعلى مجرّدته ذو الحاجب، وعلى الطلائع البيرزان، وعلى الرّجالة زاذ بن بُهَيش. فلمَّا انتهى رستم إلى العتيق، وقف عليه بحيال عسكر سعد، ونزَّل الناس، فما زالوا يتلاحَقُون ويُنْزِلهم فينزلون؛ حتى أعتموا من كَثْرتهم؛ فبات بها تلك الليلة والمسلمون مُمْسِكون عنهم. قال سعيد بن المرزبان: فلمّا أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا منجِّم رستم على رستم برؤيا أرِيها من اللَّيل، قال: رأيت الدّلو في السماء؛ دلوًا أفرِغ ماؤه، ورأيت السمكة؛ سمكة في ضَحْضاح من الماء تضطرب، ورأيت النّعائم والزُّهرة تزدهر، قال: ويحك! هل أخبرت بها أحدًا؟ قال: لا، قال: فاكتمها (١). (٣: ٥١٥/، ٥١٦). ٢٦٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: كان رستم منجمًا، فكان يبكي ممَّا يرى ويقدم عليه، فلمَّا كان بظهر الكوفة رأى: أنّ عمر دخل عسكر فارس، ومعه ملَك، فختم على سلاحهم ثم حرمه ودفعه إلى عمر (٢). (٣: ٥١٦). ٢٦٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن إسماعيل بنأبي خالد، عن قيس بن أبي حازم - وكان قد شهد القادسيَّة - قال: كان مع رستم ثمانية عشر فيلًا، ومع الجالنوس خمسة عشر فيلًا (١). (٣: ٥١٦). ٢٧٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ؛ قال: كان مع رستم يوم القادسيَّة ثلاثون فيلًا (٢). (٣: ٥١٦). ٢٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيْف، عن سعيد بن المرزبان، عن رجل، قال: كانَ مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلًا؛ منها فيل سابور الأبيض؛ وكانت الفيَلة تألفه، وكان أعظمها وأقدمها (٣). (٣: ٥١٦). ٢٧٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: كان معه ثلاثة وثلاثون فيلًا، معه في القَلْب ثمانية عشر فيلًا، ومعه في المجنَّبتين خمسة عشر فِيلًا (٤). (٣: ٥١٦). ٢٧٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، وسعيد، وطلحة، وعمرو، وزياد، قالوا: فلمَّا أصبح رستم من ليلته الَّتي باتها بالعتيق؛ أصبح راكبًا في خَيْلِه، فنظر إلى المسلمين، ثم صعد نحو القنطرة، وقد حزر الناس، فوقف بحيالهم دون القنطرة؛ وأرسل إليهم رَجُلًا: إنَّ رستم يقول لكم: أرسلوا إلينا رجلًا نكلِّمه ويكلّمنا، وانصرف فأرسل زُهرة إلى سعد بذلك، فأرسل إليه المغيرة بن شُعبة، فأخرجه زُهرة إلى الجالنوس؛ فأبلغه الجالِنوس رستم (٥). ٢٧٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفَيل، عن أبيه، قال: لمَّا نزل رستم على العتيق وبات به، أصبح غاديًا على التّصفّح والحزْر، فسايَرَ العتيق نحو خَفَّان؛ حتى أتى على مُنْقطَع عسكر المسلمين، ثم صعِد حتى انتهى إلى القنطرة؛ فتأمَّل القوم؛ حتى أتى على شيءيُشِرف منه عليهم؛ فلما وقف على القنطرة؛ راسل زُهرة، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جُعْلًا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا وقد كان طائفة منكم في سلطاننا؛ فكنّا نُحسن جِوارهم، ونكفّ الأذى عنهم، ونولِّيهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم؛ فنُرعيهم مَراعينا، ونميرهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا؛ وقد كان لهم في ذلك معاشٌ - يعرّض لهم بالصّلح؛ وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرّح - فقال له زهرة: صدقتَ، قد كان ما تذكر؛ وليس أمرُنا أمرَ أولئك ولا طلبتنا. إنَّا لم نأتكم لطلَب الدُّنيا؛ إنما طلبتنا وهمَّتنا الآخرة؛ كنّا كما ذكرت، يدين لكم من ورد عليكم منَّا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم. ثم بعث الله ﵎ إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربِّه، فأجبناه، فقال لنبيّه ﷺ: إنِّي قد سلَّطت هذه الطائفة عَلَى من لم يَدِن بديني، فأنا منتقم بهم منهم؛ وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرّين به، وهو دين الحقّ، لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به أحَد إلّا عزّ. فقال له رستم: وما هو؟ قال: أمَّا عموده الَّذي لا يصلح منه شيء إلّا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى. قال: ما أحسن هذا! وأيّ شيء أيضًا؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. قال: حسن، وأيّ شيء أيضًا؟ قال: والنَّاس بنو آدم وحَوَّاء، إخوة لأب وأمّ، قال: ما أحسن هذا! ثمّ قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه؛ ومعي قومي كيف يكون أمركم! أترجعون؟ قال: إي والله! ثم لا نقرب بلادكم أبدًا إلّا في تجارة أو حاجة. قال: صدقتني والله! أمَا إنّ أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السّفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدَّوا طَوْرهم. وعادَوْا أشرافهم. فقال له زُهرة: نحن خيرُ النَّاس للنَّاس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون؛ نطيع الله في السّفلة، ولا يضرّنا مَنْ عصى الله فينا. فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا. فَحمُوا من ذلك، وأنفوا، فقال: أبعَدَكم الله وأسحقكم! أخزى الله أخْرَعنا وأجبنَنا! فلمَّا انصرف رستم ملتُ إلى زُهرة، فكان إسلامي؛ وكنت له عديدًا. وفرض لي فرائض أهل القادسيَّة (١). (٣: ٥١٧/ ٥١٨).٢٧٥ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وزياد بإسنادهِم مثله. قالوا: وأرسل سعد إلى المغيرة بن شُعبة، وبُسْر بن أبي رُهْم، وعَرفجة بن هَرثمة، وحُذيفة بن مِحصَن، ورِبْعيّ بن عامر، وقِرفة بن زاهر التيميّ ثم الواثليّ، ومذعُور بن عَدِيّ العجليّ، والمضارب بن يزيد العجليّ ومَعْبَد بن مُرَّة العِجليّ - وكان من دُهاة العرب - فقال: إني مُرسلُكم إلى هؤلاء القوم؛ فما عندكم؟ قالوا جميعًا: نتّبع ما تأمرنا به، وننتهي إليه؛ فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شيء نظرنا أمثلَ ما ينبغي وأنفَعَه للنَّاس؟ فكلَّمناهم به. فقال سعد: هذا فِعل الحَزَمة، اذهبوا فتهيَّؤوا، فقال رِبعيّ بن عامر: إنّ الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعًا يروا أنَّا قد احتفلنا بهم! فلا تَزِدهم على رجل؛ فمالؤوه جميعًا على ذلك، فقال: فسرّحوني، فسرّحه، فخرج ربعيّ ليدخُل على رستم عسكره، فاحتبسه الَّذين على القنطرة، وأرسل إلى رستم لمجيئه، فاستشار عظماءَ أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أنباهي أم نتهاوَن؟ ! فأنجمع ملؤُهم على التهاون، فاظهروا الزّبْرِج، وبسطوا البُسُط والنَّمارق، ولم يتركوا شيئًا، ووضع لرستم سرير الذَّهب، وألبس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعيّ يسير على فرس له زبّاء قصيرة، معه سيف له مَشُوف، وغمده لفافة ثوب خَلَق، ورمحُه معلوب بقِدّ، معه حَجَفة من جلود البقر؛ على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونَبْله. فلمَّا غشي الملك، وانتهى إليه، وإلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحملَها على البساط، فلمَّا استوت عليه، نزَل عنها ورَبطها بوسادتين فشقَّهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه؛ وإنما أروه التَّهاون وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجَهم، وعليه درع له كأنها أضاة ويَلْمَقُه عباءة بعيره، قد جابها وتدرّعها، وشدّها على وسطه بسَلَب وقد شدّ رأسه بمعجرته؛ وكان أكثر العرب شعرةً، ومعجرته نسعة بعيره؛ ولرأسه أربع ضفائر؛ قد قمن قيامًا كأنهنّ قرون الوعلة. فقالوا: ضَعْ سلاحك، فقال: إنِّي لم آتِكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد؛ رجعت. فأخبروا رستم؛ فقال: ائذنوا له؛ هل هو إلَّا رجل واحد! فأقبل يتوكّأ على رمحه، وزُجّه نصلٌ يقارب الخطو، ويزجّ النَّمارق والبُسط، فَمَا ترك لهم نُمرقة ولا بساطأ إلَّا أفسده وتركه منهتكًامخرَّقًا؛ فلمَّا دنا من رستم تعلَّق به الحرس، وجلَس على الأرض، وركز رمحَه بالبُسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنَّا لا نستحبّ القعود على زينتكم هذه. فكلّمه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنُخرجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدُّنيا إلى سَعتها، وِمن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خَلْقه؛ لندعوهم إليه، فمَن قَبِل منَّا ذلك قَبِلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضَه يليها دُوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا؛ حتى نُفضِيَ إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنَّة لمن مات على قتال من أبى، والظّفَر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالَتكم؛ فهل لكم أن تؤخّروا هذا الأمر حتى ننظر فيه، وتَنْظُروا؟ ! قال: نعم، كم أحبّ إليكم؟ أيومًا أو يومين؟ قال: لا بل حتَّى نكاتب أهَل رأينا ورؤساء قومنا. وأراد مقاربته ومدافعتَه، فقال: إنّ مما سنّ لنا رسولُ الله ﷺ وعمل به أئمّتنا، ألّا نمكّن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجِّلهم عند اللقاء أكثرَ من ثلاث، فنحن متردّدون عنكم ثلاثًا، فانظر في أمرك وأمرهم، واختَر واحدةً من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام ونَدَعك وأرضك، أو الجزاء، فنقبل ونكفّ عنك؛ وإن كنت عن نصرنا غنيًّا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجًا منعناك؛ أو المنابذة في اليوم الرابع؛ ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا؛ أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى. قال: أسيّدُهم أنت؟ قال: لا؛ ولكنّ المسلمين كالجسد بعضهم من بعض؛ يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلامًا قطّ أوضحَ ولا أعزّ من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدَع دينك لهذا الكلْب! أما ترى إلى ثيابه؟ ! فقال: ويْحكم! لا تنظروا إلى الثياب؛ ولكن انظروا إلى الرّأي والكلام والسِّيرة؛ إنّ العرب تستخفّ باللّباس، والمأكل، ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللبّاس، ولا يروْن فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه، ويزهّدونه فيه، فقال لهم: هل لكم إلى أن تُرُوني فأريَكم؟ فأخرج سيفه من خِرَقه كأنه شُعْلة نار. فقال القوم: اعْمده، فغمده؛ ثم رمى تُرسًا ورموا حَجَفته، فخُرق تُرسهم، وسلمت حَجَفته، فقال: يا أهلَ فارس! إنكم عظّمتم الطعام واللِّباس والشراب؛ وإنَّا صغَّرناهنّ. ثمّ رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل، فلمَّا كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرّجُل؛ فبعث إليهم سعد حُذيفة بن محصن،فأقبل في نحو من ذلك الزّيّ، حتى إذا كان على أدنى البِساط، قيل له: انزل، قال: ذلك لو جئتُكم في حاجتي؛ فقولوا لملككم: أله الحاجة أم لي؟ فإن قال: لي؛ فقد كذب؛ ورجعت وتركتكم؛ فإن قال: له، لم آتكم إلا على ما أحِبّ. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه؛ ورستم على سريره، فقال: انزل، قال: لا أفعل، فلمّا أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحبّ أن يعدل بيننا في الشدّة والرّخاء؛ فهذه نوْبتي. قال: ما جاء بكم؟ قال: إنَّ الله ﷿ مَنّ علينا بدينه، وأرانا آياتِه، حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرَنا بدُعاء الناس إلى واحدة من ثلاث؛ فأيّها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجِزَاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذَة. فقال: أو الموادعة إلى يوم ما؟ فقال: نعم، ثلاثًا من أمسِ. فلمَّا لم يجد عنده إلا ذلك ردّه وأقبل على أصحابه، فقال: ويْحكم! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأوّل بالأمس فغلَبنا على أرضنا، وحقَّر ما نعظِّم، وأقام فرسه على زِبْرِجنا وربَطه به؛ فهو في يُمْن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا؛ فهو في يُمْنِ الطائر، يقوم على أرضنا دوننا؛ حتى أغضَبهم وأغضبوه. فلمَّا كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلًا، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة (١). (٣: ٥١٨/ ٥١٩/ ٥٢٠/ ٥٢١). ٢٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان النَّهديّ. قال: لمَّا جاء المغيرة إلى القنطرة فعَبرها إلى أهل فارس؛ حبسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيِّروا شيئًا من شارتهم، تقويةً لتهاونهم؛ فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم في زيّهم، عليهم التّيجان والثّياب المنسوجة بالذهب، وبُسُطُهم على غَلْوة لا يصلُ إلى صاحبهم؛ حتى يمشيَ عليهم غَلْوةً؛ وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي؛ حتى جلس معه على سريره ووسادته؛ فوثبوا عليه، فترِتروه، وأنزلوه، ومغثوه. فقال: كانت تَبْلغنا عنكم الأحلام؛ ولا أرى قومًا أسفه منكم! إنَّا معشر العرب سواءٌ؛ لا يستعبد بعضنا بعضًا إلّا أن يكون محاربًا لصاحبه؛ فظننت أنَّكم تُواسون قومكم كما نَتواسى؛ وكان أحسن من الذي صنعتم أن تُخبروني أنَّ بعضكم أربابُ بعض، وأنَّ هذا الأمر لا يستقيمفيكم فلا نصنعه؛ ولم آتِكم؛ ولكن دعوتموني اليوم؛ علمت أن أمركم مضمحلّ، وأنّكم مغلوبون؛ وأن مُلكًا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول. فقالت السّفلة: صدَق والله العربيّ! وقالت الدّهاقين: والله لقد رَمى بكلام لا يزال عبيدُنا ينزعون إليه. قاتل الله أوّلينا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغّرون أمر هذه الأمّة! فمازحه رستُم ليمحُوَ ما صُنع، وقال له: يا عربيّ! إنّ الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عمَّا ينبغي من ذلك؛ فالأمر علَى ما تحبّ من الوفاء وقبول الحقّ؛ ما هذه المغازل التي معك؟ قال: ما ضرّ الجمرة ألّا تكون طويلة! ثم راماهم. وقال: ما بال سيفك رثًّا! قال: رثُّ الكسوةِ، حديد المضربة، ثم عاطاه سيفه، ثم قال له رستم: تكلّم أم أتكلَّم؟ فقال المغيرة: أنت الَّذي بعثت إلينا، فتكلَّم، فأقام الترجمان بينهما، وتكلَّم رستم، فحمِد قومه، وعظَّم أمرهم وطوّله. وقال: لم نزل متمكِّنين في البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافًا في الأمم؛ فليس لأحد من الملوك مثل عزّنا وشرفنا وسلطاننا، نُنصَر على النَّاس ولا يحصرون علينا إلّا اليوم واليومين، أو الشَّهر والشهرين؛ للذنوب؛ فإذا انتقم الله فرضي ردّ إلينا عزّنا، وجمعْنا لعدونا شرّ يوم هو آتٍ عليهم. ثم إنه لم يكن في النَّاس أمة أصغر عندنا أمرًا منكم؛ كنتم أهلَ قَشف، ومعيشة سيّئة، لا نراكم شيئًا ولا نعدُّكم، وكنتم إذا قحطت أرضكم، وأصابتكم السنَّة استغثتم بناحية أرضنا، فنأمر لكم بالشيء من التَّمْر والشعير ثم نردّكم، وقد علمت: أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلّا ما أصابكم من الجهد في بلادكم، فأنا آمرُ لأميركم بكُسوة، وبغْل، وألف درهم، وامرُ لكلّ رجل منكم بوقر تمْرٍ، وبثوبين، وتنصرفون عنَّا، فإني لست أشتهي أن أقتُلَكم، ولا آسركم. فتكلّم المغيرة بن شُعبة، فحمد الله وأثنَى عليه، وقال: إنّ الله خالق كلّ شيء ورازقه؛ فمن صنع شيئًا فإنما هو الذي يصنعه هو له. وأمَّا الذي ذكرت به نفسَك وأهلَ بلادك؛ من الظّهورِ على الأعداء، والتمكّن في البلاد، وعُظْم السلطان في الدنيا؛ فنحن نعرفه، ولسنا نُنكره؛ فالله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم؛ وأمَّا الذي ذكرت فينا من سُوء الحال، وضيق المعيشة، واختلافالقلوب؛ فنحن نعرفُه، ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك، وصيَّرنا إليه، والدنيا دُوَل، ولم يزل أهلُ شدائدها يتوقَّعون الرّخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخاتها يتوقَّعون الشَّدائد حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شُكر، كان شكركم يقصّر عمّا أوتيتم، وأسلمكم ضَعْف الشكر إلى تغيّر الحال، ولو كنَّا فيما ابتُلينا به أهلَ كفر؛ كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبًا من الله رحمة يرفِّه بها عنَّا، ولكنّ الشأن غيرُ ما تذهبون إليه؛ أو كنتم تعرفوننا به، إنَّ الله ﵎ بعثَ فينا رسولًا ... ثم ذكر مثلَ الكلام الأوّل؛ حتى انتهى إلى قوله: وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكنْ لنا عبدًا تؤدّي الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلّا فالسيف إن أبيت! فنخر نخرة، واستشاط غضبًا، ثم حلَف بالشَّمْس لا يرتفع لكم الصّبح غدًا حتى أقتلكم أجمعين! . فانصرف المغيرة؛ وخلَص رستم تألّفًا بأهل فارس، وقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا! ألم يأتِكم الأوّلان فحسَّراكم، واستحرجاكم، ثم جاءكم هذا، فلم يختلفوا، وسلكوا طريقًا وأحدًا، ولزموا أمرًا واحدًا. هؤلاء والله الرجال؛ صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن كان بلغ من إربهم، وصوْنهم لسرّهم ألّا يختلفوا، فما قَوْمٌ أبلَغ فيما أرادوا منهم؛ لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء! فلجّوا، وتجلَّدوا. وقال: والله إني لأعلم أنَكم تُصغون إلى ما أقول لكم، وإنّ هذا منكم رِئاء! فازدادوا لَجاجة (١). (٣: ٥٢١/ ٥٢٢/ ٥٢٣/ ٥٢٤). ٢٧٧ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: فأرسل مع المغيرة رجلًا وقال له: إذا قطع القنطرة، ووصل إلى أصحابه، فناد: إن الملك كان منجّمًا، قد حسب لك، ونظر في أمرك، فقال: إنَّك غدًا تُفقأ عينُك. ففعل الرسول، فقال المغيرة: بشّرتَني بخيرٍ وأجر! ولولا أنْ أجاهدَ بعد اليوم أشباهَكم من المشركين، لتمنّيتُ أنّ الأخرى ذهبت أيضًا. فرآهم يضحكون من مقالته، ويتعجَّبون من بصيرته؛ فرجع إلى الملك بذلك، فقال: أطيعوني يا أهلَ فارس! وإنّي لأرى لله فيكم نِقْمة لا تستطيعون ردَّها عن أنفسكم. وكانت خيولُهم تلتقِي على القنطرة لا تلتقي إلّا عليها، فلا يزالونيبدؤون المسلمين، والمسلمون كافُّون عنهم الثلاثة الأيام؛ لا يبدؤونهم؛ فإذا كان ذلك منهم؛ صَدُّوهم، وَرَدَعُوهم (١). (٣: ٥٢٤). ٢٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان ترجمان رستم من أهل الحيرة يُدعى عَبُود (٢) (٣: ٥٢٤). ٢٧٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، وسعيد بن المرزبان، قالا: دعا رستم بالمغيرة، فجاء حتى جلس على سريره، ودعا رستم ترجمانه -وكان عربيًّا من أهل الحيرة، يُدعَى عَبُود- فقال له المغيرة: ويحك يا عَبُود! أنت رجل عربيّ؛ فأبلِغْه عنّي إذا أنا تكلَّمت كما تُبلغني عنه. فقال له رستم مثل مقالته، وقال له المغيرة مثل مقالته إلى إحدى ثلاث خلال: إلى الإسلام ولكم فيه مالنا وعليكم فيه ما علينا؛ ليس فيه تفاضُل بيننا، أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: ما "صاغرون"؟ قال: أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدِنا بالجزية يحمَده أن يقبلها منه إلى آخر الحديث؛ والإسلام أحبّ إلينا منهما (٣). (٣: ٥٢٤/ ٥٢٥). ٢٨٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: شهدتُ القادسيَّة غلامًا بعد ما احتلمت؛ فقدم سعد القادسيَّة في اثني عشر ألفًا؛ وبها أهل الأيَّام، فقدمتْ علينا مقدّمات رستم، ثمّ زحف إلينا في ستين ألفًا، فلما أشرف رستم على العسكر قال: يا معشَرَ العرب! ابعثوا إلينا رجلًا يكلِّمنا ونكلّمه؛ فبعث إليه المغيرةَ بن شعبة ونفرًا، فلما أتوْا رستم جلس المغيرة على السَّرير، فنخر أخو رستم، فقال المغيرة: لا تنخر؛ فما زادني هذا شرفًا ولا نقص أخاك. فقال رستم: يا مغيرة! كنتم أهل شَقَاء، حتى بلغ: وإن كان لكم أمرٌ سوى ذلك، فأخبِرونا. ثم أخذ رستم سهمًا من كنانته، وقال: لا تروْا أنّ هذه المغازل تغني عنكم شيئًا؛ فقال المغيرة مُجيبًا له، فذكَر النبيّ ﷺ قال: فكان ممَّا رزقنا الله على يديه حبَّة تنبت في أرضكم هذه؛ فلمّا أذقناها عيالَنا،قالوا: لا صبرَ لنا عنها، فجئنا لنُطعمهم، أو نموت. فقال رستم: إذًا تموتون، أو تُقتلون، فقال المغيرة: إذًا يدخل مَن قتل منّا الجنّة، ويدخل مَن قَتلنا منكم النارَ، ويظفر مَن بقيَ منَّا بمن بقي منكم؛ فنحن نخيّرك بين ثلاث خلال ... إلى آخر الحديث فقال رستم: لا صلح بيننا وبينكم (١)! (٣: ٥٢٥). ٢٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: أرسل إليهم سعد بقيَّة ذوي الرأي جميعًا، وحبس الثَّلاثة، فخرجوا حتى أتوْه ليعظموا عليه استقباحًا، فقالوا له: إنّ أميرَنا يقول لك: إنّ الجوار يحفظ الوُلاة، وإنّي أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك الله إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعْض؛ إلّا أن داركم لكم، وأمركم فيكم؛ وما أصبتم ممَّا وراءكم كان زيادة لكم دوننا؛ وكنَّا لكم عونًا على أحد إن أرادكم أو قوي عليكم. واتّق الله يا رستم! ولا يكونَنّ هلاكُ قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تُغْبَط به إلا أن تدخل فيه، وتطرُد به الشيطان عنك؛ فقال: إني قد كلَّمت منكم نفرًا، ولو أنهم فهموا عنّي رجوت أن تكونوا قد فهمتم، وإنّ الأمثال أوضحُ من كثير من الكلامِ، وسأضرب لكم مثَلكم تَبَصَّروا. إنكم كنتم أهل جَهد في المعيشة، وقشَف في الهيئة، لا تمتنعون، ولا تنتصفون، فلم نُسئ جِواركم، ولم ندع مواساتكم، تُقحَمون المرّة بعد المرّة، فنميركم ثم نردّكم، وتأتوننا أجَراء وتجّارًا، فنحسن إليكم؛ فلما تطاعمتم بطعامنا، وشربتم شرابنا، وأظلَّكم ظلّنا، وصفتم لقومكم؛ فدعوتموهم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مثلُكم في ذلك ومثلُنا كمثل رجل كان له كَرْم، فرأى فيه ثعلبًا، فقال: وما ثعلب! فانطلق الثَّعلب، فدعا الثَّعالب إلى ذلك الكَرْم، فلما اجتمعن عليه سدّ عليهنّ صاحبُ الكرْم الجُحر الَّذي كنّ يدخلْن منه، فقتلهنّ؛ وقد علمتُ: أنّ الذي حَمَلكم على هذا الحرصُ، والطمعُ، والجَهد، فارجعوا عنَّا عامَكم هذا، وامتاروا حاجتَكم، ولكم العَوْد كلَّما احتجتم، فإني لا أشتهي أن أقتلكم (٢). (٣: ٥٢٥/ ٥٢٦). ٢٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُمارة بن القعقاعالضّبيّ، عن رجل من يَربوع شهدَها، قال: وقال: وقد أصابَ أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا، ثم كان مصيرُهم القتل والهَرب، ومَن سنّ هذا لكم خيرٌ منكم وأقوى؛ وقد رأيتم أنتم كلَّما أصابوا شيئًا أصيب بعضهم ونجا بعضهم؛ وخرج ممَّا كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جُرْذان ألِفت جرَّة فيها حَبّ، وفي الجرَّة ثَقْب، فدخل الأوَّل فأقام فيها، وجعل الأخَر يَنقُلن منها ويرجعْنَ ويكلّمْنه في الرجوع، فيأبَى، فانتهى سمن الذي في الجرّة، فاشتاق إلى أهله ليُريَهم حُسن حاله، فضاق عليه الجُحر، ولم يُطِق الخروج، فشكا القَلَق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقلن له: ما أنت بخارج منها حتى تعودَ كما كنت قبل أن تدخل، فكفّ وجوّع نفسه، وبقيَ في الخوف، حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلَها أتى عليه صاحب الجَرّة فقتله. فاخرُجوا، ولا يكونَنّ هذا لكم مثلًا (١). (٣: ٥٢٦/ ٥٢٧). ٢٨٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: وقال: لم يخلق الله خلْقًا أولَع من ذُباب ولا أضرّ؛ مما خلاكم يا معشر العرب! تروْن الهلاك ويُدليكم فيه الطّمع؛ وسأضرب لكم مثلكم: إنّ الذّباب إذا رأى العسَلَ طار، وقال: مَن يوصّلني إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنِهُه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشِب وقال: مَن يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقالى أيضًا: إنما مثلُكم مثل ثعلب دخل جُحرًا وهو مهزول ضعيف إلى كَرْم، فكان فيه يأكل ما شاء الله، فرآه صاحب الكَرْم، ورأى ما به، فرحمه، فلمَّا طال مكثُه في الكَرْم ولسمِن، وصلحَت حالُه، وذهب ما كان به من الهزال أشر، فجعل يعبث بالكَرْم ويُفسد أكثر ممَّا يأكل، فاشتدّ على صاحب الكَرْم، فقال: لا أصبر علَى هذا من أمر هذا، فأخذ له خشبة واستعان عليه غِلمانه، فطلبوه وجعل يراوغهم في الكَرْم، فلمَّا رأى: أنَّهم غيرُ مُقلعين عنه؛ ذهب ليخرج من الجُحر الَّذي دخل منه، فنشب. اتَّسع عليه وهو مهزول، وضاق عليه وهو سمين؛ فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكَرْم، فلم يزل يضربه حتى قتله، وقد جئتم وأنتم مهازيل؛ وقد سِمنتُم شيئًا من سمَن، فانظروا كيف تخرجون! وقال أيضًا: إنَّ رجلًا وضع سَلّا، وجعل طعامه فيه، فأتىالجرذان، فخرقوا سلَّه، فدخلوا فيه فأراد سدّه، فقيل له: لا تفعل، إذًا يخرقْنَه، ولكن انقب بحياله؛ ثم اجعل فيها قصبة مجوَّفة، فإذا جاءت الجُرذان دخلْن من القصبة وخرجن منها، فكلَّما طلع عليكم جُرَذ قتلتموه. وقد سددتُ عليكم؛ فإيَّاكم أن تقتحموا القصَبة، فلا يخرج منها أحدٌ إلّا قُتل، وما دعاكم إلى ما صنعتم؛ ولا أرى عَددًا ولا عُدّة! (١) (٣: ٥٢٧). ٢٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمَّد، وطلحة بإسنادهما وزياد معهما، قالوا: فتكلَّم القوم فقالوا: أمَّا ما ذكرتم من سُوء حالنا فيما مضى، وانتشار أمرِنا، فلمَّا تبلغ كُنْهَه! يموت الميّت منَّا إلى النار، ويبقى الباقي منا في بؤس؛ فبينا نحن في أسْوَأ ذلك؛ بعث الله فينا رَسُولًا مِن أنْفُسِنَا إلى الإنس والجنّ، رحمةً رحم بها مَن أراد رحْمَتَه، ونقمة ينتقم بها ممن ردَّ كرامته؛ فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحدٌ أشدّ عليه؛ ولا أشدُّ إنكارًا لما جاء به، ولا أجهدُ على قتله وردّ الذي جاء به من قومه، ثمِ الَّذين يلُولْهم، حتى طابقْناه على ذلك كلّنا، فنصبنا له جميعًا، وهو وحده فردٌ ليس معه إلّا الله تعالى، فأعطيَ الظَّفَر علينا، فدخل بعضُنا طوعًا، وبعضنا كرهًا، ثم عرفنا جميعًا الحقّ والصّدق لما أتانا به من الآيات المعجزة؛ وكان ممَّا أتانا به من عند رَبّنا جهاد الأدنى فالأدنى، فسِرنا بذلك فيما بيننا، نرى أنّ الذي قال لنا ووعَدنا لا يُخرَم عنه ولا يُنقَض؛ حتى اجتمعت العرب على هذا، وكانوا من اختلاف الرّأي فيما لا يطيق الخلائق تأليفهم. ثم أتيناكم بأمر ربّنا، نجاهد في سبيله، ونَنفُذ لأمره، وننتجز موعودَه، وندعوكم إلى الإسلام وحكمه؛ فإن أجبتمونا تركناكم، ورجعنا وخلَّفنا فيكم كتابَ الله؛ وإن أبيتم لم يحلّ لنا إلّا أن نعاطيَكم القتال أو تفتدوا بالجِزَى؛ فإن فعلتم وإلا فإنّ الله قد أورثَنا أرضَكم، وأبناءكم، وأموالكم. فاقبلوا نصيحَتنا؛ فوالله لإِسلامُكمْ أحبّ إلينا من غنائمكم، ولَقتالكم بعدُ أحبّ من صلحكم. وأمَّا ما ذكرت من رثاثتنا وقلَّتنا فإنّ أداتَنا الطاعة، وقتالَنا الصبر. وأمَّا ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتمُ للرجال والأمور الجسام وللجدّ الهزل؛ ولكنّا سنضرب مثلَكم، إنَّما مثلُكم مثلُ رجل غَرَس أرضًا، واختار لها الشَّجَر والحَبّ، وأجرى إليها الأنهار، وزيَّنها بالقصور، وأقام فيها فلّاحينيسكنون قصورها، ويقومون على جنّاتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحبّ، وفي الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم، فلمَّا لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم؛ استعتبَهم فكابروه، فدعا إليها غيرهم، وأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطَّفهم النَّاس، وإن أقاموا فيها صارُوا خَوَلًا لهؤلاء يملكونهم؛ ولا يملَّكون عليهم؛ فيسومونَهُم الخَسْفَ أبدًا؛ ووالله أن لو لم يكن ما نقول لك حقًّا، ولم يكن إلّا الدنيا، لما كان لنا عَمّا ضرينَا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زِبْرِجكم من صبرٍ، ولقارعناكم حتى نغلبَكم عليه. فقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبرُوا إلينا، فخرجوا من عنده عشيًّا، وأرسل سعد إلى النَّاس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم: شأنَكم والعبور، فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة! أمّا شيء قد غلبناكم عليه فلن نردَّه عليكم؛ تكلَّفوا مِعبرًا غير القناطر، فباتوا يسكُرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم. (١) (٣: ٥٢٨/ ٥٢٩).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    يوصّلني إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنِهُه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشِب وقال: مَن يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقالى أيضًا: إنما مثلُكم مثل ثعلب دخل جُحرًا وهو مهزول ضعيف إلى كَرْم، فكان فيه يأكل ما شاء الله، فرآه صاحب الكَرْم، ورأى ما به، فرحمه، فلمَّا طال مكثُه في الكَرْم ولسمِن، وصلحَت حالُه، وذهب ما كان به من الهزال أشر، فجعل يعبث بال

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    لمقالةٌ بلغتْه عن عمرو، وكلمة قالها لقيس بن هُبيرة قبل هذه المرَّة، فقال: قاتلوا عدوَّكم يا معشر المسلمين! فأنشب القتال، وطاردهم ساعة. ثم إنّ قيسًا حَمَل عليهم، فكانت هزيمتهم، فأصاب منهم اثني عشر رجلًا، وثلاثة أسراء، وأصاب أسلابًا، فأتوا بالغنيمة سعدًا وأخبروه الخبر؛ فقال: هذه بشرى إن شاء الله؛ إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدَّهم؛ فلهم أمثالُها، و

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340073
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1169:917695
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ابتداء امر القادسية — shamela-145435 · Hadith Research Library