page 2644, entry [1079]Open original source
ذكر الخبر عن غزوة تبوك ٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: أقامَ رسولُ الله ﷺ بالمدينة بعد منصَرفه من الطائف ما بين ذي الحجة إلى رجب (٢). (٣: ١٠٠). ٣٦٥ - ثم أمر النَّاس بالتهيُّؤ لغزو الروم، فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم؛ كلٌّ قد حدَّث في غزوة تبوك ما بلَغه عنها، وبعض القوم يحدّث ما لم يحدّث بعض، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث: إنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ أصحابه بالتهيُّؤ لغزو الرُّوم، وذلك في زمن عُسْرة من الناس، وشدّة من الحرّ، وجَدْب من البلاد؛ وحين طابت الثمار، وأحِبَّت الظلال؛ فالناس يحبُّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسولُ الله ﷺ قلَّما يخرج في غزوة إلَّا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له؛ إلَّا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيَّنها للناس لبُعْدِ الشُّقَّة وشدّة الزمان وكثرة العدوّ الذي يصمد له، ليتأهَّبَ الناس لذلك أهبتَه، وأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. فتجهَّز الناس على ما في أنفسهم من الكُرْه لذلك الوجه لما فيه؛ مع ما عظَّموا من ذكر الرّوم وغزوهم؛ فقال رسولُ الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجَدّ بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جدّ العامَ في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أوَ تأذَنُ لي ولا تفتنّي! فوالله لقد عرف قومي ما رجلٌ أشدّ عجبًابالنساء منّي؛ وإني أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر ألَّا أصبرَ عنهنَّ. فأعرض عنه رسولُ الله ﷺ وقال: قد أذنت لك؛ ففي الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ... ﴾ الآية؛ أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر - وليس ذلك به- فما سقط فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم؛ وإن جهنم لمن ورائه. وقال قائل من المنافقين لبعض: لا تنفِرُوا في الحرّ، زهادةً في الجهاد، وشكًّا في الحقّ، وإرْجافًا بالرسول، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). (٣: ١٠١/ ١٠٢). ٣٦١ - ثمّ إن رجالًا من المسلمين أتوْا رسولَ الله؛ وهم البكّاؤُون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحْملوا رسولَ الله، وكانوا أهلَ حاجة، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ هو قال: فبلَغني أن يامين بن عُمَير بن كدب النضْريّ لقيَ أبا ليلى عبد الرحمن بن كدب وعبد الله بن مُغَفَّل وهما يبكيان، فقال لهما: ما يُبْكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ليحمِلنا، فلم نجد عنده ما يحمِلُنا عليه، وليس عندنا ما نتقوَّى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحًا فارتحلاه، وزوَّدهما شيئًا من تَمْر، فخرجا مع رسولِ الله ﷺ.قال: وجاءَ المُعَذِّرون من الأعراب، فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله ﷿؛ وذُكِر لي أنهم كانوا من بني غِفَار، منهم خُفاف بن إيماء بن رَحْضَة (١). (٣: ١٠٢/ ١٠٣). ٣٦٢ - ثم استتبَّ برسول الله ﷺ سفرهُ، وأجمع السير؛ وقد كان نفر من المسلمين أبطأتْ بهم النية عن رسول الله حتى تخلّفوا عنه من غير شكّ ولا ارتياب؛ منهم: كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أميّه أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف؛ وكانوا نفرَ صدق لا يُتَّهمون في إسلامهم، فلمَّا خرج رسولُ الله ﷺ ضرب عسكره على ثنيّة الوَدَاع، وضرب عبد الله بن أبيّ بن سَلُول عسكره على حِدَةٍ أسفل منه بحذاء ذُبَاب؛ جبل بالجبّانة أسفل من ثنيّة الوداع. وكان -فيما يزعمون- ليس بأقلّ العسكرين؛ فلمَّا سار رسولُ الله ﷺ تخلَّف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلّف من إلمنافقين وأهل الرّيب - وكان عبدُ الله بن أبيّ أخا بني عوف بن الخزرج - وعبد الله بن نَبْتَل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قَينُقَاع؛ وكانوا من عظماء المنافقين؛ وكانوا ممّن يكيد الإسلام وأهله (٢). (٣: ١٠٣). ٣٦٣ - قال: وفيهم - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصريّ - أنزل الله ﷿: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ... ﴾، الآية (٣). (٣: ١٠٣). قال: فزعم بعضُ الناس أنّ زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض: لم يزل مُتّهمًا بشرّ حتى هلك (٤). (٣: ١٠٦). ٣٦٤ - ثم إنَّ رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكَيدر دومة -وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًّا- فقالرسولُ الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، فباتت البقر تحُكّ بقرونها باب القصر، فقالت امرأته: هل رأيتَ مثل هذا قط! قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسْرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخٌ له يقال له: حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم؛ فلمَّا خرجوا تَلَقَّتهم خيلُ رسولِ الله ﷺ فأخذتْه، وقتلوا أخاه حسّان، وقد كان عليه قَباء له من ديباج مُخوَّص بالذهمب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه (١). (٣: ١٠٨/ ١٠٩). ٣٦٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثمّ إن خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ، فحقن له دَمَه، وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى قريته (٢). (٣: ١٠٩). ٣٦٦ - رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذي في أول غزوة تَبُوك. قال: فأقام رسولُ الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها (٣). (٣: ١٠٩). ٣٦٧ - ثمّ أقبلَ رسولُ الله ﷺ حتى نزل بذي أوَان؛ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار؛ وكان أصحاب مسجد الضِّرَار قد كانوا أتوْه وهو يتجهّز إلى تَبوك،فقالوا: يا رسول الله! إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة والليلة المَطِيرة والليلة الشاتية؛ وإنا نحبّ أن تأتيَنا فتصلَّي لنا فيه. فقال: إني على جَنَاح سَفرٍ، وحال شغل -أو كما قال رسول الله- ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلَّينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوَان أتاه خبرُ المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالكَ بن الدُّخشُم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عديّ -أو أخاه عاصم بن عديّ أخا بني العَجْلان- فقال: انطلقا إلى المسجد الظالم أهلُه فاهدِماه وحرِّقاه؛ فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف؛ وهم رهط مالك بن الدُّخشُم، فقال مالك لمعن: أنظرْني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سَعَفًا من النّخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرّقاه وهَدماه، وتفرّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى آخر القصة (١). (٣: ١١٠). ٣٦٨ - وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خذام بن خالد، من بني عُبَيد بن زيد؛ أحد بني عمرو بن عوف - ومن داره أخرج مسجد الشقاق - وثعلبة بن حاطب من بني عبيد - وهو إلى بني أمية بن زيد - ومُعَتِّب بن قُشَير من بني ضُبَيعة بن زيد، وأبو حَبيبة بن الأزعر من بني ضُبيعة بن زيد، وعئاد بن حُنيف؛ أخو سهل بن حُنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مجمّع بنجارية وزيد بن جارية، ونَبْتَل بن الحارث، من بني ضُبَيعة، وبحَزَج -وهو إلى بني ضُبيعة - وبجاد بن عثمان - وهو من بني ضُبيعة - ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أميّة رهط أبي لُبابة بن عبد المنذر (١). (٣: ١١٠/ ١١١).