Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 1898, entry [952]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه
page 1898, entry [952]Open original source
القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه ٧٧ - وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة بهما تعرف قد قلنا في خلق الله عزّ ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات والأزمنة، وبيَّنا: أن الأوقات والأزمنة إنما هي ساعات الليل والنهار، وأن ذلك إنما هو قَطْع الشمس والقمر درَجات الفلك؛ فلنقل الآن: بأيّ ذلك كان الابتداء؛ بالليل أم بالنهار؛ إذ كان الاختلاف في ذلك موجودًا بين ذوي النظر فيه؛ بأن بعضَهم يقول فيه: خلق الله الليل قبل النهار، ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوءها الذي هو نهار هجم الليلُ بظلامه، فكان معلومًا بذلك أن الضياء هو المتورّد على الليل، وأن الليل إن لم يُبطله النهار المتورد عليه هو الثابت، فكان بذلك من أمرهما دلالة على أن الليل هو الأول خَلْقًا، وأن الشمس هو الآخر منهما خلقًا، وهذا قولٌ يُروَى عن ابن عباس (٣). (١: ٦١).٧٧ / أ - حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن عن سُفيان، عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: سئل: هل الليل كان قبل النهار؟ قال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رَتْقًا، هلْ كان بينهما إلَّا ظلمة! ذلك لتعلموا أن الليلَ كان قبل النهار (١). (١: ٦١). ٧٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوريّ عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: إنّ الليل قبل النهار، ثم قال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢). (١: ٦١). ٧٩ - حدثنا محمد بن بشَار، قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنيّ، قال: لم يكن عُقْبة بن عامر إذا رأى الهلال - هلال ومضان - يقوم تلك الليلة حتى يصومَ يومها، ثم يقوم بعد ذلك. فذكرتُ ذلك لابن حُجَيرة فقال: الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل (٣)؟ (١: ٦١/ ٦٢). ٧٩ / أ - وقال آخرون: كان النهارُ قبل الليل، واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عزّ ذكره كان ولا ليلَ ولا نهار ولا شيء غيره، وأن نورَه كان يضيء به كلّ شيء خلقه بعدما خلقه حتى خلق الليل (٤). (١: ٦٢). ذكر من قال ذلك: ٨٠ - حدثني علي بن سهل، حدثنا الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبد السّلام، عن أيوب بن عبد الله الفهريّ أنّ ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليلٌ ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإن مقدار كلّ يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشرة ساعة (٥). (١: ٦٢). ٨٠ / أ - قال أبو جعفر: وأوْلى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال:كان الليل قبل النهار، لأن النهار هو ما ذكرتُ من ضوء الشمس؛ وإنما خلق الله الشمس وأجراها في الفلك بعد ما دحا الأرض فبسطها، كما قال ﷿: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، فإذا كانت الشمس خُلقت بعد ما سُمكت السماء، وأغطش ليلها، فمعلوم أنها كانت - قبل أن تخلق الشمس، وقبل أن يُخرج الله من السماء ضحاها - مظلمة لا مضيئة. وبعد، فإن في مشاهدتِنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده دليلًا بيّنًا على أنّ النهار هو الهاجم على الليل لأنّ الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلًا [أو نهارًا] أظلم الجو، فكان معلومًا بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره. والله أعلم (١). (١: ٦٢/ ٦٣). ٨٠ / ب - فأما القول في بدء خلقهما فإن الخبرَ عن رسول الله ﷺ بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف. فأما ابن عباس فرُوي عنه أنه قال: خلق الله يوم الجمعة الشمسَ والقمرَ والنجوم والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، حدثنا بذلك هنّاد بن السريّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، عن النبي (٢). (١: ٦٣). ٨١ - وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: "خلَق الله النور يوم الأربعاء"، حدثني بذلك القاسم بن بشر والحسين بن عليّ، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ (٣). (١: ٦٣). ٨١ / أ - وأيّ ذلك كان؛ فقدْ خلق الله قبل خلقه إياهما خَلْقًا كثيرًا غيرهما، ثم خلقهما ﷿ لما هو أعلم به من مصلحة خلْقه، فجعلهما دائبَي الجري، ثم فَصَل بينهما، فجعل إحداهما آية الليل، والأخرى آية النهار، فمحا آية الليل،وجعل آية النهار مبصرة. وقد رُوي عن رسول الله في سبب اختلاف حالتي آية الليل وآية النهار أخبارٌ أنا ذاكر منها بعضَ ما حضرني ذكره. وعن جماعة من السلف أيضًا نحو ذلك (١). (١: ٦٣). ٨٢ - فممّا روي عن رسول الله في ذلك، ما حدثني محمد بن أبي منصور الآمُليّ، حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا عمر بن صبْح أبو نعيم البلخيّ، عن مقاتل بن حيّان، عن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبي ذَرّ الغِفاريّ، قال: كنتُ آخذُ بيد رسول الله ونحنُ نتماشَى جميعًا نحو المغرب، وقد طَفَلت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت؛ قال: قلتُ: يا رسول الله، أين تغرُب؟ قال: تغرب في السماء، ثم تُرْفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا؛ حتى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها، ثم تَقول: يا ربّ، مِنْ أين تأمرني أن أطلع، أمن مغربي أم منْ مطلعي؟ قال: فذلك قوله ﷿: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ حيث تحبَس تحت العرش، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال: يعني بـ "ذلك" صُنْعَ الربّ العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جَبرائيل بحُلّة ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النهار، في طوله في الصيف، أو قصره في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحلة كما يلبسَ أحدكم ثيابه، ثم تَنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها، قال النبي: فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال ثم لاتُكسى ضوءًا، وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله ﷿: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبْرَائيل ﵇ يأتيه بالحُلّة من نور الكرسيّ. قال: فذلك قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ قال أبو ذرّ: ثم عدلتُ مع رسول الله فصلينا المغرب. فهذا الخبر عن رسول الله [يُنْبِيء] أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أنّ ضوء الشمس من كسوة كسيتْها من ضوء العرش، وأن نورَ القمر من كسوة كُسِيَها مننور الكرسيّ (١). (١: ٦٣/ ٦٤ / ٦٥). ٨٣ - فأما الخبر الآخر الذي يدلّ على غير هذا المعنى؛ فما حدثني محمد بن أبي منصور، قال: حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا أبو نعيم عن مقاتل بن حيان، عن عِكْرمة قال: بينا ابن عباس ذاتَ يوم جالس إذْ جاءه رجل، فقال: يا بن عباس! سمعتُ العجب من كعب الحَبْر يذكر في الشمس والقمر. قال: وكان متكئًا فاحتفز ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عَقِيران، فيُقذَفان في جهنم. قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شِقّة ووقعت أخرى غضبا، ثم قال: كذب كعب! كذب كعب! كذب كعب! ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، الله أجلّ وأكرم من أن يعذب على طاعته، ألم تسمع لقول الله ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ﴾، إنما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذب عبدين يُثنَى عليهما؛ أَنهما دائبان في طاعته! قاتل الله هذا الحَبْر وقبّح حَبْرِيته! ما أجرأه على الله وأعظم فِرْيته على هذين العبدين المطيعين لله! قال: ثم استرجع مرارًا، وأخذ عُوَيدًا من الأرض، فجعل ينكته في الأرض، فظل كذلك ما شاء الله، ثم إنه رفع رأسه، ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعتُ من رسول الله يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما؟ فقلنا: بلى رحمك الله! فقال: إن رسول الله سئل عن ذلك، فقال: إن الله ﵎ لما أبرم خلْقه إحكامًا فلم يبق من خلقه غيرُ آدم خَلَق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمسًا، فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويحوّلها قمرًا، فإنه دون الشمس في العِظَم؛ ولكن إنما يُرَى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض (٢). (١: ٦٥/ ٦٦).٨٤ - قال: فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الأمر لم يكن يُعرَف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، وكان لا يدرِي الأجير إلى متى يعمل، ومتى يأخذ أجره. ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ولا تدري المرأة كيف تعتدّ، ولا يدري المسلمون متى وقت الحج، ولا يدري الدُّيّان متى تحلّ ديونهم، ولا يدري الناس متى ينصرفون لمعايشهم، ومتى يسكنون لراحة أجسادهم. وكان الربّ ﷿ أنظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جِبرئيل ﵇ فأمرّ جناحه على وجه القمر - وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات، فطمس عنه الضوءَ، وبقي فيه النور، فذلك قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. قال: فالسَّوَاد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو أثرُ المحو. ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلاثمئة وستون عروة، ووكل بالشمس وعجلتها ثلاثمئة وستين ملكًا من الملائكة من أهل السماء الدنيا، قد تعلّق كلّ ملك منهم بعروة من تلك العُرَا، ووكلَ بالقمر وعجلته ثلاثمئة وستينَ ملكًا من الملائكة من أهل السماء، قد تعلق بكلّ عروة من تلك العُرَا مَلَك منهم. ثم قال: وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قُطْرَي الأرض وكنفِي السماء ثمانين ومئة عين في المغرب، طينة سوداء، فذلك قوله ﷿: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ إنما يعني حمأةً: سوداء من طين، وثمانين ومئة عين في المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غَلْيًا كغلي القِدْر إذا ما اشتد غليُها. قال: فكلّ يوم [وكلّ] ليلة لها مطلعٌ جديد ومغرب جديد، ما بين أولها مطلعًا، وآخرها مغربًا أطول ما يكون النهار في الصيف إلى آخرها مطلعًا، وأولها مغربًا أقصر ما يكون النهار في الشتاء، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ يعني آخرها هاهنا وآخرها ثَمَّ، وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب، ثم جمعهما فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، فذكر عِدّة تلك العيون كلها.قال: وخلق الله بحرًا، فجرى دون السماء مقدار ثلاث فراسخ، وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله ﷿ لا يقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جارٍ في سرعة السَّهم ثم انطلاقه في الهواء مستويًا، كأنه حَبْلٌ ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخُنَّس في لُجّة غَمْر ذلك البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، والفلك دوران العجلة في لُجّة غمر ذلك البحر. والذي نفس محمد بيده، لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كلّ شيء في الأرض، حتى الصخور والحجارة، ولو بدا القمر من ذلك لافتتن أهلُ الأرض حتى يعبدوه من دون الله، إلَّا من شاء الله أن يعصم من أوليائه. قال ابن عباس: فقال علي بن أبي طالب ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ذكرتَ مجرى الخُنَس مع الشمس والقمر، وقد أقسم الله بالخُنَّس في القرآن إلى ما كان من ذكرك، فما الخُنَّس؟ قال: يا عليّ، هنّ خمسةُ كواكب: البِرْجيس، وزُحَل، وعُطارد، وبَهْرام، والزُّهرة، فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات، مثل الشمس والقمر، العاديات معهما، فأما سائر الكواكب فمعلَّقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد، وهي تحومُ مع السماء دورانًا بالتسبيح والتقديس والصلاة لله، ثم قال النبي: فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك، فانظروا إلى دوران الفلك مرة هاهنا ومرة هاهنا، فذلك دوران السماء، ودوران الكواكب معها كلِّها سوى هذه الخمسة، ودورانها اليوم كما ترون، وتلك صلاتها، ودورانُها إلى يوم القيامة في سرعة دوران الرّحا من أهوال يوم القيامة وزلازله، فذلك قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠) فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قال: فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلاثمئة وستون مَلَكًا ناشري أجنحتهم، يَجُرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلًا كان أو نهارًا، فإذا أحبّ الله أن يبتليَ الشمس والقمر فيُرِي العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعًا عن معصيته وإقبالًا على طاعته، خرّت الشمس من العجلة فتقع في غمر ذلك البحر وهو الفلك، فإذا أحبّ الله أن يُعَظِّم الآية ويشدّد تخويفَ العباد؛ وقعت الشمسكلّها فلا يبقى منها على العجلة شيء، فذلك حين يظلم النهار وتبدو النجوم، وهو المنتهى من كسوفها. فإذا أراد أن يجعل آيةً دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان في الماء، ويبقى سائرُ ذلك على العجلة، فهو كسوف دون كسوف، وبلاء للشمس أو للقمر، وتخويفٌ للعباد، واستعتاب من الربّ ﷿، فأيّ ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين: فرقة منها يُقبلون على الشمس فيجرّونها نحو العجلة، والفرقة الأخرى يُقبلون على العجلة فيجرُونها نحو الشمس، وهم في ذلك يقرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أو ساعات الليل، ليلًا كان أو نهارًا، في الصيف كان ذلك أو في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع، لكيلا يزيد في طولهما شيء، ولكن قد ألهمهم الله علم ذلك، وجعل لهم تلك القوة، والذي ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلًا قليلًا من غمر ذلك البحر الذي يعلوهما، فإذا أخرجوها كلَّها اجتمعت الملائكة كلهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة، فيحمدون الله على ما قوّاهم لذلك، ويتعلقون بعُرَا العجلة، ويَجُرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب، فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين، فتسقط من أفق السماء في العين. ثم قال النبيّ، وعجب من خلق الله: ولَلْعجب من القدرة فيما لم نَرَ أعجب من ذلك؛ وذلك قول جبرئيل ﵇ لسارة: ﴿اأَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وذلك أن الله ﷿ خلق مدينتين: إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم، وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح، اسم التي بالمشرق بالسريانيّة "مرقيسيا" وبالعربية "جابَلق" واسم التي بالمغرب بالسريانية "برجيسيا" وبالعربية "جابَرس" ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب، ما بين كل بابين فرسخ، ينوب كلّ يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف رجل من الحراسة، عليهم السلاح، لا تَنُوبُهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فوالذي نفس محمد بيده، لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدّة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاث أمم: منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوج ومأجوج.وإن جِبْرئيل ﵇ انطَلَق بي إليهم ليلة أسرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعوتُ يأجوجَ ومأجوج إلى عبادة الله ﷿ فأبوْا أن يجيبوني، ثم انطلق بي إلى أهل المدينتين، فدعوتهم إلى دين الله ﷿ وإلى عبادته فأجابوا وأنابوا، فهم في الدين [إخواننا]، مَنْ أحسن منهم فهو مع محسنكم، ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم. ثم انطلق بي إلى الأمم الثلاث، فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه، فكفروا بالله ﷿ وكذبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر مَنْ عصى الله في النار؛ فإذا ما غربت الشمس رُفِع بها من سماء إلى سماء في سرعة طيران الملائكة؛ حتى يُبلَغ بها إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش فتخرّ ساجدة، وتسجد معها الملائكة الموكلون بها، فيُحْدَرُ بها من سماء إلى سماء؛ فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجْر، فإذا انحدرت من بعض تلك العيون، فذاك حين يضيء الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضيء النهار. قال: وجعل الله عند المشرق حجابًا من الظلمة على البحر السابع، مقدار عدة الليالي منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تُصرَم، فإذا كان عند الغروب أقبل مَلَك قد وُكل بالليل فيقبض قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبلُ المغربَ؛ فلا يزال يُرسل من الظلمة من خلل أصابعه قليلًا قليلًا وهو يراعي الشَّفق، فإذا غاب الشفق أرسلَ الظلمة كلَّها ثم ينشر جناحيه، فيبلغان قُطري الأرض وكنَفِي السماء، ويجاوزان ما شاء الله ﷿ خارجًا في الهواء، فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس والصلاة دفه حتى يبلغ المغرب، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق، فضمّ جناحيه، ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه، ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل. فإذا ما نقل ذلك الحجابُ من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، وانقضت الدنيا، فضوء النهار من قِبَل المشرق، وظلمة الليل من قبَل ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما، إلى السماء السابعة العليا، إلى محبسهما تحت العرش، حتى يأتِيَ الوقت الذي ضرب الله لتوبة العباد، فتكثرالمعاصي في الأرض ويذهب المعروفُ، فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكرُ فلا يَنهى عنه أحد. فإذا كان ذلك حبِست الشمس مقدار ليلة تحت العرش، فكلّما سجدت وأستأذنت: من أين يطلع؟ لم يُحَرْ إليها جواب؛ حتى يوافيَها القمر ويسجد معها ويستأذن: من أين تطلع؟ فلا يُحار إليه جواب، حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يَعرِف طول تلك الليلة إلَّا المتهجدون في الأرض؛ وهم حينئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين؛ في هوان من الناس وذلة من أنفسهم، فينام أحدُهم تلك الليلة قَدْرَ ما كان ينام قبلها من الليالي، ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلّاه فيصلي ورْده، كما كان يصلي قبل ذلك، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فينكر ذلك ويظنّ فيه الظنون من الشرّ ثم يقول: فلعلّني خففتُ قراءتي، أو قضَرت صلاتي، أو قمت قبل حيني! قال: ثم يعود أيضًا فيصلِّي ورْده كمثل ورْده، الليلة الثانية، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فيزيده ذلك إنكارًا، ويخالطه الخوف، ويظنّ في ذلك الظنون من الشرّ، ثم يقول: فلعلي خففت قراءتي، أو قصّرت صلاتي، أو قمت من أوّل الليل! ثم يعود أيضًا الثالثة وهو وجِل مُشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة، فيصلي أيضًا مثل ورْده، الليلة الثالثة، ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل. فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف، ويستخفّه البكاء، ثم ينادي بعضُهم بعضًا، وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون، فيجتمع المتهجِّدون من أهل كلّ بلدة إلى مسجد من مساجدها، ويجأرون إلى الله ﷿ بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، والغافلون في غفلتهم، حتى إذا ما تمّ لهما مقدارُ ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين، أتاهما جبرئيل فيقول: إن الرب ﷿ يأمركما أن ترجِعا إلى مغارِبكما فتطلعا منها، وأنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نورَ. قال: فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت، وخوف يوم القيامة. قال: فبينا الناس ينْتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خَلْف أقفيتهممن المغرب أسودين مكوّرين كالغِرارتين، ولا ضوءَ للشمس ولا نورَ للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك؛ فيتصايح أهلُ الدنيا وتَذْهَل الأمهات عن أولادها، والأحبَّة عن ثمرة قلوبها، فتشتغل كل نفس بما أتاها. قال: فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك عليهم خسارة. قال: فيرتفعان مثل البعيرين القرينين، ينازع كلُّ واحد منهما صاحبَه استِباقًا، حتى إذا بلغا سُرّة السماء - وهو منتصفها - أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردّهما إلى المغرب، فلا يُغربهما في مغاربهما من تلك العيون، ولكن يغربهما في باب التوبة. فقال عمر بن الخطاب ﵁: أنا وأهلى فداؤك يا رسول الله! فما باب التوبة؟ قال: يا عمر! خلق الله ﷿ بابا للتوبة خلف المغرب، مصراعين من ذهب، مكللًا بالدّر والجوهر، ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عامًا للراكب المسرع؛ فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتبْ عبد من عباد الله توبة نصوحًا من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلَّا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم ترفع إلى الله ﷿. قال معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم المذنب على الذنب الذي أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه، كما لا يعودُ اللبن إلى الضَّرع. قال: فيردّ جبرئيل بالمصراعين فيلأم بينهما ويصيّرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أغلِق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة، ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الإسلام إلَّا مَنْ كان قبل ذلك محسنًا، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك، قال فذلك قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾. فقال أبَيّ بن كعب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا! فقال: يا أبيّ! إن الشمس والقمر بعد ذلك يُكسيان النور والضوء، ويطلعان على الناس ويغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية، فيُلحّون على الدنيا حتى يُجروافيها الأنهار، ويغرسوا فيها الشجر، ويبنوا فيها البنيان. وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهرًا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور. فقال حذيفة بن اليمان: أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ في الصور! فقال: يا حذيفة! والذي نفس محمد بيده، لتقومنّ الساعة ولينفخنّ في الصور والرجل قد لَطّ حوضه فلا يسقي منه، ولتقومنّ الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه، ولا يتبايعانه. ولَتقومنّ الساعة والرجلُ قد رفع لقمته إلى فيه فلا يَطْعَمها، ولتقومن الساعةُ والرجل قد انصرف بلبن لِقحته من تحتها فلا يشربه، ثم تلا رسول الله هذه الآية: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. فإذا نُفِخ في الصور، وقامت الساعة، وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد، إذْ يدعو الله ﷿ بالشمس والقمر، فيجاء بهما أسودين مكوّرين قد وقعا في زلزال وبلبال، تُرعَد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرّا لله ساجدين؛ فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا ودُؤوبنا في عبادتك، وسرعتَنا للمضيّ في أمرك أيام الدنيا، فلا تُعذبنا بعبادة المشركين إيانا، فإنا لم ندعُ إلى عبادتنا، ولم نذهَلْ عن عبادتك! قال: فيقول الرب ﵎: صدقتما، وإني قضيت على نفسي أن أبدئ وأعيد، وإني معيدكما فيما بدأتكما منه، فارجعا إلى ما خلقتما منه، قالا: إلهنا، ومِم خلقتنا؟ قال: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا إليه. قال: فيلتمع من كلّ واحد منهما برقة تكاد تَخْطَف الأبصار نورًا، فتختلط بنور العرش، فذلك قوله ﷿: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. قال عكرمة: فقمت مع النفر الذين حَدّثوا به، حتى أتينا كعبًا فأخبرناه بما كان من وجْد ابن عباس من حديثه، وبما حدث عن رسول الله؛ فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس، فقال: قد بلغني ما كان من وجدك من حديثي، وأستغفر الله وأتوب إليه، وإني إنما حدّثت عن كتاب دارسٍ قد تداولته الأيدي، ولا أدري ما كان فيه من تبديل اليهود، وإنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرّحمن ﷿ وعن سيد الأنبياء وخير النبيين، فأنا أحبّ أن تحدِّثني الحديث فأحفظه عنك، فإذا حدثت به كان مكان حديثي الأول. قال عكرمة: فأعاد عليه ابن عباس الحديث، وأنا أستقريه في قلبي بابًا بابًا،فما زاد شيئًا ولا نقص، ولا قدّم شيئًا ولا أخّر، فزادني ذلك في ابن عباس رغبة، وللحديث حفظًا (١). (١: ٦٦/ ٦٧ / ٦٨/ ٦٩ / ٧٠/ ٧١ / ٧٢/ ٧٣ / ٧٤/ ٧٥). ٨٥ - ومما روي عن السلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطفيل، قال: قال ابن الكوّاء لعليٍّ ﵇: يا أمير المؤمنين! ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾ فهذه محوهُ (٢). (١: ٧٥). ٨٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلْق، عن زائدة، عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابنُ الكواء عليًّا ﵇ فقال: ما هذا السوادُ في القمر؟ فقال عليّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، هو المحو (٣). (١: ٨٦). ٨٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: كنت عند عليّ ﵇، فسأله ابن الكوّاء عن السواد الذي في القمر فقال: ذاك آية الليل محيتْ (٤). (١: ٨٦). ٨٨ - حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا عمران بن حُدير عن رفيع أبي كثيرة، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: سلوا عما شئتم، فقام ابن الكوّاء فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال: قاتلك الله! هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك! ثم قال: ذاك محو الليل (٥). (١: ٨٦). ٨٩ - حدثنا زكرياء بن يحيى بن أبان المصريّ، قال: حدثنا ابن عفير، قال: حدثنا ابن لهيعة عن حُييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رجلًا قال لعلى ﵁: ما السوادُ الذي في القمر؟قال: إن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١). (١: ٧٦). ٩٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، قال: هو السواد بالليل (٢). (١: ٧٦/ ٧٧). ٩١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: كان القمرُ يضيء كما تُضيء الشمس، والقمرُ آية الليل، والشمس آية النهار، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، السواد الذي في القمر (٣). (١: ٧٧). ٩٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: ذكر ابن جُرَيج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، قال: السواد الذي في القمر، كذلك خلقه الله (٤). (١: ٧٧). ٩٢ / أ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين، فجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرةً يبصر بها، ومحا آية الليل التي هي القمر بالسواد الذي فيه. وجائز أن يكون الله تعالى ذكرُه خَلَقهما شمسين من نور عرشه، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله مَنْ ذكرنا قوله، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما. وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التي تُكساها من ضوء العرش، ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي (٥). (١: ٧٨). ٩٢ / ب - وإذ كنّا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله ﷿ في إنشاءما أراد إنشاءه من خَلْقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سِني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار، وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربّها ﷿ والمطيعة ربها منهم، وأزمان الرسل والأنبياء، وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصحّ التأريخات، وتعرف به الأوقات والساعات، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تُدرَك معرفة ساعات الليل وأوقاته، وبالآخر تُدرك علم ساعات النهار وأوقاته. فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكًا، وأنعم عليه فكفر نعمتَه، وجحد ربوبيته، وَعتَا على ربه واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه وأذله. ثم نُتْبعه ذكر من استنّ في ذلك سنّته، واقتفى فيه أثره، فأحلّ الله به نقمته، وجعله من شيعته، وألحقه به في الخزي والذلّ. ونذكر منْ كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، أو مِن الرسل والأنبياء إن شاء الله ﷿ (١). (١: ٧٩). ٩٢ / ج - فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله. وكان الله ﷿ قد أحسن خلقه وشرفه وكرّمه وملّكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذُكر، وجعله مَع ذلك من خُزّان الجنة، فاستكبر على ربه وادعى الربوبية، ودعا مَنْ كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطانًا رجيمًا، وشوّه خَلْقه، وسلبه ما كان خوّله، ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته في الآخرة نارَ جهنم، نعوذ بالله من غضبه، ومن عمل يقرّب من غضبه، ومن الحَوْر بعد الكوْر. ونبدأ بذكر جمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان الله ﷿ أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه، وادّعائه ما لم يكن له ادّعاؤه، ثم نُتبع ذلك ما كان من الأحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه، والسبب الذي بهزال عنه ما كان فيه من نعمة الله عليه، وجميل آلائه، وغير ذلك من أموره، إن شاء الله مختصرًا (١). (١: ٧٩/ ٨٠).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Teacher and student relations

  • القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه · Narrated From · Yazid bin Abi Habib

    َتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢). (١: ٦١). ٧٩ - حدثنا محمد بن بشَار، قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنيّ، قال: لم يكن عُقْبة بن عامر إذا رأى الهلال - هلال ومضان - يقوم تلك الليلة حتى يصومَ يومها، ثم ي

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
339873
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:952:917495
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate