page 1603, entry [795]Open original source
ذكر خبر دخول أبي حمزة المدينة وفي هذه السنة دخل أبو حمزة الخارجيّ مدينة رسول الله ﷺ وسلم وهرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام (١). قال العباس: قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكريّاءَ أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة، قال: رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: تعلمون يا أهلَ المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشَرًا ولا بَطرًا ولا عبثًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عُطلتْ، وعنِّف القائل بالحق، وقتِل القائم بالقسط: ضاقت علينا الأرض بما رحُبت، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعيَ الله ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منّا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لِحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض؛ فآوانا وأيّدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعًا بنعمته إخوانًا، ثم لقينا رجالكم بقُديد، فدعوْناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكْم آل مروان؛ فشتّان لعمر الله ما بين الرّشد والغيّ. ثم أقبلوا يهرعون يزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجِرانه، وغلتْ بدمائهم مراجله، وصدّق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله ﷿ عصائب وكتائب، بكل مهنّد ذي رَوْنقٍ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضربٍ يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهلَ المدينة، إن تنصروا مرْوان وآل مرْوان يُسحتكم الله ﷿ بعذاب من عنده أو بأيدينا. ويشْفِ صُدور قوم مؤمنين. يا أهلَ المدينة، أوَّلكم خيرُ أوّل وآخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركًا عابدَ وثن، أو مشرك أهل الكتاب، أو إمامًا جائرًا. يا أهل المدينة مَنْ زعم أنّ الله ﷿ كلف نفسًا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يُؤتِها، فهو لله ﷿ عدوّ، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله ﷿ في كتابه على القويّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له مِنها ولا سهمواحد، فأخذها جميعها لنفسه، مكابرًا محاربًا لربه. يا أهلَ المدينة؛ بلغني أنكم تنتقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحدَاث، وأعراب جُفاة، ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابًا أحداثًا! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيّةٌ عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله ﷿ أنفسًا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالِهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنيةٌ أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية [خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وإذا مروا بآية] شوق شهقوا شوقًا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتُضيِتْ والرماح قد أشرعت، وإلى السهام قد فُوّقَتْ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفُّوا وعيد الكتيبة لوعيد الله ﷿، ولم يستخفُّوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله ﷿! وكم من يدٍ زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، وكم من خدّ عتيق وجبين رقيق فُلِق بعَمد الحديد. رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان. أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (١). حدثني العباس، قال قال هارون: حدّثني جدّي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله ﷺ، يقول: من زَنى فهو كافر، ومن شكّ فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر، ومَنْ شكّ أنه كافر فهو كافر (٢). قال العباس: قال هارون: وسمعتُ جدّي يقول: كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: "من زنى فهو كافر" (٣). قال العباس: قال هارون: وحدّثني بعض أصحابنا: لما رقى المنبر قال: برَح الخفاء، أين ما بك يذهب! مَنْ زنى فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر. قال العباس: قال هارون: وأنشدني بعضهم في قُدَيد:ما للزمان ومالِيَهْ ... أفْنتْ قُدَيدُ رجالِيَهْ فَلأَبكِينَّ سَرِيرَةً ... ولأَبكينّ علانيه ولأَبكِين إِذا شَجِـ ... ـيتُ معَ الكلابِ العاويَهْ فكان دخول أبي حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيَتْ من صفر. واختلفوا في قدْر مدتهم في مقامهم [بها]، فقال الواقديّ: كان مقامهم بها ثلاثة أشهر وقال غيره: أقاموا بها بقيَّة صفر وشهري ربيع وطائفة من جُمادى الأولى (١).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .وكانت عِدّة من قُتِل من أهل المدينة بقُديد - فيما ذكر الواقديّ - سبعمئة. قال أبو جعفر: وكان أبو حمزة - فيما ذكر - قد قدّم طائفة من أصحابه، عليهم أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيّ، ثم أحد بني عديّ بن كدب، وبلْج بن عيينة بن الهيصم الأسديّ من أهل البصرة، فبعث مرْوان بن محمد من الشام عبدَ الملك بن محمد بن عطيَّة أحد بني سعد في خيول الشام (١) فحدّثني العباس بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن موسى، عن موسى بن كثير، قال: خرج أبو حمزة من المدينة، وخلّف بعضَ أصحابه، فسار حتى نزل الوادي (١). قال العباس: قال هارون: حدّثني بعضُ أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهريّ، أن مَرْوان انتخب من عسكره أربعة آلاف، واستعمل عليهم ابنَ عطيّة، وأمره بالجِدّ في السير، وأعطى كلّ رجل منهم مئة دينار؛ وفرسًا عربيَّة وبغلًا لثقَلِه، وأمره أن يمضيَ فيقاتلهم، فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى ومَن معه؛ فخرج حتى نزل بالعُلا وكان رجل من أهل المدينة يقال له العَلاء بن أفلح مولى أبي الغيث، يقول: لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجلٌ من أصحاب ابن عطيّة، فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قال: فقلت: العلاء، قال: ابن مَن؟ قلت: ابن أفلح، قال: مولى مَن؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت: بالعُلا، قال: فأين نحن غدًا؟ قلت: بغالب، قال: فما كلَّمني حتى أردفني وراءه، ومضى بي حتى أدخلني على ابن عطيّة، فقال: سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، قال: فسرّ بذلك ووهب لي دراهم (١).قال العبّاس: قال هارون: وكان أبو حمزة حين خرج ودّع أهل المدينة للخروج إلى مروان يقاتله، قال: يا أهل المدينة، إنا خارجون إلى مَرْوان؛ فإن نظفر نعدلْ في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم محمد ﷺ، ونقسم فيئكم بينكم؛ وإن يكن ما تَمنّون؛ فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعضُ أصحابنا أنّ الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتلُه فقتلوهم (١). قال محمد بن عمر: سار أبو حَمْزة وأصحابه إلى مَرْوان، فلقيهم خيلُ مرْوان بوادي القرى؛ عليها ابن عطيّة السعديّ من قيس، فأوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة، فلقيهم أهلُ المدينة فقتلوهم. قال: وكان الذي قاد جيش مَرْوان عبد الملك بن محمد بن عطية السعديّ سعد هوازن، قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربيّ، مع كلّ واحد منهم بغل، ومنهم مَن عليه درعان أو دِرْع وسنّوْر وَتجافيف؛ وعدّة لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوْا إلى مكة (١). وقال بعضهم: أقام ابنُ عطية بالمدينة حين دخلها شهرًا، ثم مضى إلى مكة، واستخلف على المدينة الوليد بن عُروة بن محمد بن عطية، ثم مضى إلى مكة وإلى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز؛ رجلًا من أهل الشام. ولما مضى ابنُ عطيّة بلغ عبدُ الله بن يحيى - وهو بصنعاء- مسيرهُ إليه، فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بن يحيى، وبعث ابنه بشير إلى مروان، ومضى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى إلى مروان، ثم كتب مروان إلى ابن عطيّة يأمره أن يُغِذّ السير، ويحجّ بالناس، فخرج في نفر من أصحابه - فيما حدثني العباس بن عيسى، عن هارون - حتى نزل الجُرْف - هكذا قال العباس - ففطن له بعض أهل القرية، فقالوا: منهزمين والله، فشدّوا عليه، فقال: ويحكم! عامل الحجّ؛ والله كتب إليّ أمير المؤمنين (٢). قال أبو جعفر: وأما ابن عمر، فإنه ذكر أنّ أبا الزبير بن عبد الرحمن حدّثه،قال: خرجتُ مع ابن عطية السعديّ؛ ونحن اثنا عشر رجلًا، بعهد مَرْوان على الحجّ، ومعه أربعون ألف دينار في خُرْجه، حتى نزل الجُرْف يريد الحجّ، وقد خلَف عسكره وخيله وراءه بصنعاء؛ فوالله إنا آمنون مطمئنون؛ إذ سمعتُ كلمة من امرأة: قاتلَ الله ابنيْ جمانة ما أشأمهما! فقمت كأني أهريق الماء، وأشرفت على نَشز من الأرض؛ فإذا الدُّهْم من الرجال والسلاح والخيل والقذّافات؛ فإذا ابنا جُمانة المراديّان واقفان علينا، قد أحدقوا بنا من كلّ ناحية، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص؛ فأخرج ابن عطية كتابه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده على الحجّ وأنا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، ولكنكم لصوص؛ فرأينا الشرّ. فركب الصفر بن حبيب فرسه، فقاتل وأحسن حتى قتل؛ ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قُتِل، ثم قتل مَنْ معنا وبقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل من هَمْدَان، قالوا: من أيّ همدان أنت؟ فاعتزيت إلى بطن منهم - وكنت عالمًا ببطون هَمْدان - فتركوني، وقالوا: أنت آمن؛ وكلّ ما [كان] لك في هذا الرحل فخذْه، فلو ادّعيتُ المال كله لأعطوْني. ثم بعثوا معي فرسانًا حتى بلغوا بي صَعْدة، وأمنتُ ومضيتُ حتى قدمتُ مكة (١).وكان سبب نزول نصر قومس - فيما ذكر عليّ بن محمد - أن أبا الذيَّال حدّثه والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشميّ؛ أن أبا مسلم كتب مع المنهال بن فتّان إلى زياد بن زرارة القشيريّ بعهده على نيسابور بعدما قتل تميم بن نصر والنابي بن سويد العجليّ، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرًا؛ فوجه قحطبة العكّيّ على مقدّمته. وسار قحطبة حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين؛ شهري رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومئة، ونصر نازل في قرية من قرى قومِس يقال لها بذش، ونزل مَن كان معه من قيس في قرية يقال لها الممد؛ وكتب نصر إلى ابن هبيرةيستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان؛ يعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسلَه، وكتب نَصر إلى مروان: إني وجَّهت إلى ابن هبيرة قومًا من وجوه أهل خُراسان ليعلموه أمرَ الناس من قِبَلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّني بأحد؛ وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره؛ فإن أدركه مَنْ يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فِناء. فكتب مَرْوان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرًا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني ليث يسأله أن يعجِّل إليه الجند، فإنّ أهل خُراسان قد كذبتُهم حتى ما رجل منهم يصدّق لي قولًا؛ فأمدّني بعشرة آلاف قبل أن تمدّني بمئة ألف، تم لا تغني شيئًا (١). وحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره؛ عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢) وكانت إليه مكة والمدينة والطائف. وكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر بن هبيرة. وكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربيّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور. وعلى خُراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت (٣).