page 1440, entry [674]Open original source
ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه: حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثني الهيثم بن واقد، قال: استُخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يومَ الجمعة لعشر مضَين من صفر سنة تسع وتسعين. قال محمد بن عمر: حدّثني داود بن خالد بن دينار، عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حَيوة، يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمانُ بن عبد الملك ثيابًا خُضرًا من خَزّ، ونظر في المرآة، فقال: أنا والله الملك الشابّ، فخرج إلى الصّلاة فصلى بالناس الجمعة. فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقُل عهدَ في كتاب كتبَه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلُغ فقلت: ما تصنع يا أميرَ المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظُر فيه. ولم أعزم عليه، قال: فمكث يومًا أو يومين، ثمّ خرّقه، فدعاني، فقال: ما ترى في داودَ بن سليمان؟ فقلت: هو غائب عنك بقُسْطنطينية وأنت لا تدري أحَيٌّ هو أم ميت! فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيَك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أنظر من يذكر، قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعْلَمُه والله خيرًا فاضلًا مسلمًا؛ فقال: هو والله على ذلك، ثم قال: والله لئن وليته ولم أوَلّ أحدًا سواه لتكوننّ فتنة، ولا يتركونه أبدًا يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعدَه، ويزيد بن عبد الملك غائب على الموسم، قال: فيزيد بن عبد الملك أجعلُه بعدَه، فإن ذلك مما يسكنهم ويرضَوْن به؛ قلتُ: رأيك. قال: فكتب. بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتابٌ من عبد الله سليمان أمير المؤمنينلعُمَر بن عبد العزيز، إني قد ولّيتك الخلافةَ من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيُطمَعَ فيكم. وختم الكتاب، وأرسل إلى كعب بن حامد العبسيّ صاحب شُرَطه فقال: مُرْ أهلَ بيتي فليجتمعوا؛ فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا، ثمّ قال سليمانُ لرجاء بعد اجتماعهم: اذهبْ بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أنّ هذا كتابي، وأمرُهم فليبايعوا من وليت فيه؛ ففعل رجاء، فلما قال رجاء ذلك لهم قالوا: ندخل فنسلِّم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ فدخلوا فقال لهم سليمانُ في هذا الكتاب - وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إليه في يد رجاء بن حَيوة - عهدي، فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سمّيت في هذا الكتاب. فبايَعوه رجلًا رجلًا، ثمّ خرج بالكتاب مختومًا في يد رجاء بن حَيوة. قال رجاء: فلما تفرّقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسندَ إليّ من هذا الأمر، فأنشدك الله وحُرْمتي ومَوَدّتي إلا أعلَمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتيَ حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة! قال رجاء: لا والله ما أنا بمُخبرك حَرْفًا؛ قال: فذهب عمرُ غضبان. قال رجاء: لقيني هشام بن عبد الملك، فقال: يا رجاء، إنّ لي بك حُرمةً ومودّةً قديمةً، وعندي شكر، فأعْلِمْني هذا الأمر، فإن كان إليّ علمتُ، وإن كان إلى غيري تكلّمتُ، فليس مثلي قصّر به، فأعلمِني فلك اللهُ عليّ ألّا أذكر من ذلك شيئًا أبدًا. قال رجاء: فأبيت فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا مما أسِرَّ إليّ. قال: فانصرف هشام وهو قد يئس، ويضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: فإلى من إذًا نُحِّيَتْ عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ قال رجاء: ودخلتُ على سليمان فإذا هو يموت، فجعلتُ إذا أخذَتْه السَّكْرة من سَكَرات الموت حرّفتُه إلى القبلة، فجعل يقول حين يُفيق: لم يأنِ لذلك بعدُ يا رجاء، ففعلت ذلك مرّتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئًا، أشهدُ أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. قال: فحرّفته ومات؛ فلما غمّضته سجَّيته بقطيفة خضراء، وأغلقتُ البابَ، وأرسلت إليّ زوجتُه تقول:كيف أصبَح؟ فقلتُ: نائم، وقد تَغطَّى، فنظر الرّسول إليه مغطًّى بالقطيفة، فرجع فأخبرَها فقبِلَتْ ذلك، وظنّتْ أنه نائم، قال رجاء: وأجلستُ على الباب من أثق به، وأوصيتُه ألّا يبرح حتى آتيَه، ولا يدخل على الخليفة أحد. قال: فخرجتُ فأرسلتُ إلى كعب بن حامد العبسيّ، فجمَعَ أهل بيت أمير المؤمنين، فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت: بايعوا، فقالوا: قد بايعنا مرّة ونبايع أخرى! قلتُ: هذا عهد أمير المؤمنين، فبايعوا على ما أمَرَ به ومن سمّى في هذا الكتاب المختوم، فبايَعوا الثانية؛ رجلًا رجلًا. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيتُ أني قد أحكمتُ الأمر، قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون! وقرأتُ الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشامُ بن عبد الملك: لا نبايعه أبدًا، قلتُ: أضرب والله عنقَك، قُم فبايع، فقام يجرّ رجليه. قال رَجاء: وأخذتُ بضَبْعَي عمر بن عبد العزيز فأجلستُه لما وقع فيه وهشام يسترجع على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه، فلما انتهى هشام إلى عمر قال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! حين صارت إليّ لكراهته [إياها]، والآخَر يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث نُحِّيَتْ عني. قال: وغُسل سليمانُ وكفّن وصلّى عليه عمرُ بن عبد العزيز؛ قال رجاء: فلما فُرغ من دفنه أتيَ بمراكب الخلافة: البَراذين والخيل والبغال ولكلّ دابة سائس، فقال: ما هذا! قالوا: مَركَب الخلافة، قال: دابتي أوفَق لي، وركب دابّته، قال: فصُرفت تلك الدوابّ، ثمّ أقبل سائرًا، فقيل: منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي أيوب وفي فُسطاطي كفاية حتى يتحوّلوا، فأقام في منزله حتى فرّغوه بعدُ؛ قال رجاء: فلما كان المساء من ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادعُ لي كاتبًا، فدعوتُه وقد رأيتُ منه كلَّ ما سَرَّني، صَنَع في المراكب ما صنَعَ، وفي منزل سليمان؛ فقلتُ: كيف يصنع الآن في الكتاب؟ أيصنع نُسخًا، أم ماذا؟ فلما جلس الكاتب أملَى عليه كتابًا واحدًا من فيه إلى يد الكاتب بغير نُسخة، فأملى أحسنَ إملاء وأبلغَه وأوجزَه، ثمّ أمر بذلك الكتاب أن يُنسخ إلى كلّ بلد. وبلغ عبدَ العزيز بن الوليد - وكان غائبًا - موتُ سليمان بن عبد الملك، ولم يعلم ببيعة الناس عُمَر بن عبد العزيز، وعهدِ سليمان إلى عمر، فعقد لواء ودعاإلى نفسه، فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سليمان، فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: قد بلغني أنك كنتَ بايعتَ من قبلك، وأردتَ دخول دمشق، فقال: قد كان ذاك، وذلك أنه بلغني أنّ الخليفة سليمان لم يكن عقَد لأحد، فخفت على الأموال أن تنتهَب، فقال عمر: لو بويعتَ وقمتَ بالأمر ما نازعتُك ذلك، ولقعدتُ في بيتي، فقال عبد العزيز: ما أحبّ أنه ولى هذا الأمر غيرُك. وبايع عمر بن عبد العزيز، قال: فكان يُرجى لسليمان بتوليته عمرَ بن عبد العزيز وترك ولده (١). (٦: ٥٥٠ - ٥٥٣).وفي هذه السنة وجّه عمر بن عبد العزيز إلى مَسلَمة وهو بأرض الروم وأمَرَه بالقُفول منها بمن معه من المسلمين، ووجَّه إليه خيلًا عتاقًا وطعامًا كثيرًا، وحثّ الناس على معونتهم، وكان الذي وجّه إليه الخيل العِتاق - فيما قيل - خمسمئة فَرس (١). (٦: ٥٥٣). وفي هذه السنة أغارت الترك على أذْربيجان، فقتلوا من المسلمين جماعةً،ونالوا منهم، فوجّه إليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهليّ، فقتل أولئك الترك، فلم يُفلت منهم إلا اليسير، فقدم منهم على عمرَ بخناصرة بخمسين أسيرًا (١). (٦: ٥٥٣ - ٥٥٤). وفيها عزل عمرُ يزيد بن المهلَّب عن العراق، ووجّه على البصرة وأرضها عديّ بن أرطاة الفَزاريّ، وبعث على الكوفة وأرضها عبدَ الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الأعرج القرشيّ، من بني عديّ بن كعب، وضمّ إليه أبا الزّناد، فكان أبو الزّناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن، وبعث عديّ في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميريّ. وحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وكان عامل عمر على المدينة. وكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرّحمن، وعلى البَصرة وأرضها عديّ بن أرطاة، وعلى خُراسانَ الجرّاح بن عبد الله. وعلى قَضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرّة المُزَنيّ، وقد ولي فيما ذكر قبلَه الحسن بن أبي الحسن، فشكا، فاستقصى إياس بن معاوية. وكان على قضاء الكوفة - في هذه السنة فيما قيل - عامر الشعبيّ، وكان الواقديّ يقول: كان الشعبيّ على قضاء الكوفة أيامَ عمر بن عبد العزيز من قبَل عبد الحميد بن عبد الرحمن، والحسن بن أبي الحسن البَصْريّ على قضاء البَصْرهَ من قبَل عديّ بن أرطاة، ثمّ إن الحسن استعفَى من القضاء عَدِيًّا، فأعفاه وولَّى إياسًا (٢). (٦: ٥٥٤).ثم دخلت سنة مئة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها (١) (٦: ٥٥٥)