page 1431, entry [667]Open original source
[غزو جرجان وطبرستان] وفي هذه السنة غزا يزيدُ بن المهلب جُرْجان وطَبرسْتان (٢). (٦: ٥٣٢). وأما غيرُ أبي مخنَف، فإنه قال في أمر يزيدَ وأمرِ أهلِ جُرْجان ما حدّثني أحمد بن زُهير، عن عليّ بن محمد، عن كُليب بن خَلَف وغيره؛ أن سعيدَ بن العاص صالح أهلَ جُرْجان، ثمّ امتنَعوا وكَفروا، فلم يأتِ جُرْجان بعدَ سعيدأحد، ومَنَعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلُك طريقَ خُراسانَ منِ ناحيته أحدٌ إلا على وَجَل وخَوْف من أهلِ جُرْجان؛ كان الطريق إلى خُراسان من فارسِ إلى كَرمان، فأوّل من صيّر الطريقَ من قومس قُتيبة بن مسلم حينَ وليَ خُراسان. ثم غزا مصقَلة خُراسانَ أيام معاويةَ في عشرة آلاف، فأصيب وجنده بالرُويَان، وهي متاخمةُ طبَرسْتان فهلكوا في وادٍ من أوديَتها، أخَذ العدوّ عليهم بمضايِقه، فقتلُوا جميعًا، فهو يُسمَّى وادي مصقَلة. قال: وكان يُضرَب به المَثَل: حتى يَرجعَ مصقلة من طَبرسْتان، قال عليّ عن كُليب بن خَلَف العَمّى عن طُفَسا بن مرْداس العميّ وإدريس بن حَنْظلة: إنّ سعيدَ بنَ العاص صالح أهل جُرْجان، فكانوا يجيئون أحيانًا مئة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مئتي ألف، وأحيانًا ثلثمئة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منَعوه، ثم امتنعوا وكَفَروا فلم يُعطُوا خَراجًا، حتى أتاهُم يزيدُ بن المهلب فلم يُعازّه أحدٌ حين قَدِمها، فلما صالح صول وفتح البُحيرة ودهستان صالح أهلَ جُرْجَانَ على صُلْح سعيد بن العاص. (٦: ٥٣٦). حدّثني أحمد عن علي، عن كُلَيب بن خَلَف العمي، عن طُفيل بن مِرْداس، وبشر بِن عيسى عن أبي صَفْوان، قال علي: وحدّثني أبو حفص الأزْديّ عن سليمان بن كثير، وغيرهم؛ أنّ صولا التركيّ كانَ ينزل دهستان والبُحيرة - جزيرة في البَحْر بَينَها وبين دهستان خمسة فراسخ، وهما من جُرجَان مما يلي خُوارَزم - فكان صول يُغير على فيروزَ بن قول، مَرْزبان جُرْجان، وبينهم خمسة وعشرون فَرْسخًا، فيصيب من أطرافهم ثمّ يرجع إلى البُحيرة ودهسْتان، فوقع بين فَيروز وبينَ ابن عمّ له يقال له المرْزُبان منازعة، فاعتَزَله المَرْزُبان، فنزل البياسان، فخاف فيروز أن يُغيرَ عليه الترك، فخرج إلى يزيد بن المهلب بخُراسان، وأخذ صُول جُرْجان، فلما قَدِم على يزيدَ بن المهلب قال له: ما أقدَمك؟ قال: خفتُ صُولا، فهَرَبْتُ منه، قال له يزيد: هل من حيلة لقتاله؟ قال: نعم، شيء واحد، إن ظفرتُ به قتلتُه، أو أعطى بيده، قال: ما هُوَ؟ قال: إن خرَج مِنْ جرجان حتى يَنزِل البُحَيرة، ثم أتيتَهُ ثَمَّ فحاصرْتَهُ بها ظفرتَ به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتابًا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيمَ بجُرْجان، واجعلْ له على ذلك جُعْلًا، ومنِّه، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرّبُ به إليه لأنه يعظمه،فيتحوّل عن جُرجانَ، فيَنزل البُحيرة. (٦: ٥٣٦ - ٥٣٧). فكتَبَ يزيدُ بن المهلب إلى صاحب طَبَرسْتَان: إني أريد أن أغزوَ صولا وهو بجُرْجان، فخفتُ إن بَلَغه أني أريدُ ذلك أن يتحوّل إلى البحيرة فينزلها، فإن تحوّل إِليها لم أقدر عليه؛ وهو يسمَع منك ويستنصحك، فإن حَبستَه العام بجُرجان فلم يأت البُحيرة حملتُ إليك خمسينَ ألفَ مثقال؛ فاحتلْ له حيلةً؛ تَحبسه بجُرجان، فإنه إن أقام بها ظَفرتُ به، فلما رأى الإصبهبذ الكتابَ أراد أن يتقرّب إلى صُول، فبعث بالكتاب إليه، فلما أتاه الكتابُ أمَر الناسَ بالرّحيل إلى البُحيرة وحمل الأطعمة ليتحصّن فيها، وبَلَغ يزيدَ أنه قد سار من جُرْجان إلى البحيرة، فاعتزَم على السَّير إلى الجُرْجان، فخرج في ثلاثين ألفًا، ومعه فيروزُ ابنُ قول، واستخلَف على خُراسان مخلَد بن يزيد، واستَخلف على سَمَرقنْد وكس ونَسَف وبُخارى ابنه معاوية بن يزيد، وعلى طَخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب. وأقبَل حتى أتى جُرْجان - ولم تكن يومئذ مدينة إنما هي جبال مُحيطةٌ بها، وأبوابٌ ومخارم، يقوم الرجلُ على باب منها فلا يقدم عليه أحدٌ - فدخلها يزيد لم يعازّه أحد، وأصابَ أموالًا، وهَرَب المَرْزُبان، وخرج يزيد بالناس إلى البُحيرة، فأناخَ على صول، وتمثّل حينَ نَزَل بهم: فخرّ السيفُ وارْتَعَشَتْ يَداهُ ... وكانَ بنَفسِهِ وُقِيَستْ نُفُوسُ قال: فحاصَرَهم، فكانَ يخرُج إليه صُول في الأيَّام فيُقاتله ثمّ يرجع إلى حِصْنه، ومع يزيد أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة، ثم ذكر من قصة جَهْم بن زَحْر وأخيه محمد نحوًا مما ذكره هشام، غير أنه قال في ضَرْبة التركى ابنَ أبي سبرة: فنَشَب سَيف التركي في دَرَقة ابن أبي سَبْرة. قال علي بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، عن عَنْبسة، قال: قاتَلَ محمد بن أبي سبْرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتَورُوه بأسيافهم، فانقطع في يده ثلاثة أسياف. ثم رّجع إلى حديثهم؛ قال: فمكثوا بذلك - يعني الترْك - محصُورين يَخرجون فيقَاتلون، ثمّ يَرجعون إلى حِصنهم ستة أشهر، حتى شربوا ماء الأحساء، فأصابهم داءٌ يسمَّى السؤاد، فَوَقَع فيهم الموتُ، وأرسَل صُول في ذلك يطلبُ الصّلح، فقال لزيدُ بن المهلب: لا، إلا أن ينؤل على حُكْمي، فأبى. فأرسَلإليه: إني أصالِحُك على نفسي ومالي وثلثمئة من أهلِ بيتي وخاصّتي، على أن تؤمّنني فتنزل البُحيرة. فأجابَه إلى ذاك يزيدُ، فخرج بمالِه وثلثمئة ممن أحَبّ، وصار مع يزيدَ، فقَتلَ يزيدُ من الأتراك أربعةَ عشر ألفًا صَبْرًا، ومنَّ على الآخرين فلم يَقتُل منهم أحدًا. وقال الجُنْد ليزيدَ: أعطنا أرزاقَنا، فدَعَا إدريس بن حنظلة العمّيّ، فقال: يا بن حَنْظلة، أحْصِ لنا ما في البُحَيرة حتى نُعطِيَ الجندَ، فدَخَلها إدريسُ، فلم تقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: فيها ما لا أستَطيع إحصاءَه، وهو في ظُروف، فنُحصي الجواليق ونعلّم ما فيها، ونقول للجند: ادخُلوا فخذُوا، فمن أخَذَ شيئًا عرّفَنا ما أخَذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعَسَل. قال: نعْمَ ما رأيت، فأحصَوا الجَواليق عَدَدًا، وعَلّموا كلّ جوالق ما فيه، وقالوا للجند: خُذُوا، فكان الرجلُ يخرُج وقد أخذ ثيابًا أو طعامًا أو ما حَمَل من شيء فيُكتَب على كلّ رجل ما أخَذ، فأخذوا شيئًا كثيرًا. (٦: ٥٣٧ - ٥٣٨). قال عليّ: قال أبو محمد الثَّقَفيّ: أصاب يزيدُ بن المهلب تاجًا بجُرْجان فيه جَوْهر، فقال: أتَرون أحدًا يزَهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع الأزديّ، فقال: خذْ هذا التاجَ فهو لك؛ قال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمتُ عليك، فأخذَه، وخرج فأمر يزيدُ رجلًا ينظر ما يصنع به، فلقِيَ سائلًا فدَفَعه إليه، فأخذ الرجلُ السائل، فأتَى به يزيدَ وأخبَرَه الخبر، فأخذ يزيدُ التاجَ، وعَوَّض السائل مالًا كثيرًا (١). (٦: ٥٣٩). قال عليّ: وكان سليمانُ بن عبد الملك كلما افتَتح قتيبةُ فَتْحًا قال ليزيد بن المهلب: أما تَرَى ما يَصنَع الله على يدي قُتيبة؛ فيقول ابنُ المهلب: ما فعلَتْ جُرْجان التي حالت بين الناس والطريق الأعظم، وأفسدَت قُومِس وأبرشَهْر! ويقول: هذه الفتوحُ ليستْ بشيء، الشأنُ في جُرجانَ، فلما ولي يزيدُ بن المهلب لم يكن له همة غير جُرْجان. قال: ويقال: كان يزيدُ بن المهلب فيعشرين ومئة ألف، معه من أهل الشأم ستون ألفًا (١). (٦: ٥٣٩). قال عليَّ في حديثه، عن شيوخه، الذين قد ذكرتُ أسماءَهم قبلُ وكتب يزيدُ إلى سليمان بن عبد الملك: أما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فَتْحًا عظيمًا، وصَنَع للمسلمين أحسَنَ الصُّنْع، فلرَبّنا الحمدُ على نِعمه وإحسانه، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جُرجان وطَبَرستان، وقد أعيا ذلك سابُورَ ذا الأكْتاف وكسرى بن قُباذ وكسرى بن هُرْمُز. وأعيَا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومَن بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين؛ كرامةً من الله له، وزيادة في نعمه عليه. وقد صار عندي من خُمس ما أفاءَ اللهُ على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذي حقٍّ حقه من الفيء والغَنيمة ستةُ آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله. فقال له كاتبه المغيرة بن أبي درّة مولَى بني سَدُوس: لا تكتُب بتسمية مال، فإنك مِنْ ذلك بين أمرين: إما استكْثرَه فأمَرَك بحَمله، وإما سخَت نفسُه لك به فسوّغكَه فتكلفت الهديّة. فلا يأتيه من قبَلك شيء إلا استقبله، فكأني بك قد استغرقت ما سمّيت ولم يقع منه موقعًا، ويبقى المالُ الذي سميت مخلّدًا عندهم عليك في دواوينهم، فإن وليَ وال بعدَه أخذَك به، وإن ولي من يتحامَل عليك لم يرض منك بأضعافه، فلا تمضِ كتابَك، ولكن اكتب بالفتح، سَلهْ القُدومَ فتُشافههُ بما أحببتَ مُشَافهةً، ولا تقصّر، فإنك إن تقصّر عما أحببتَ أحرَى من أن تكثِّر. فأبى يَزيدُ وأمضَى وقال: بعضُهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف (٢). (٥٤٤: ٦ - ٥٤٥).وفي هذه السنةَ فُتِحت مدينة الصّقالبة. وفيها غزا داود بن سليمانَ بن عبد الملك أرضَ الرّوم، ففَتح حِصْنَ المرأة مما يليَ مَلطيَة. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أميرٌ على مكة، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت. عمن ذَكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سَبْع، وقد ذكرْناهم قبلُ، غير أنّ عامل يزيد بن المهلب على البَصْرة في هذه السنة كان - فيما قيل - سُفْيان بن عبد الله الكِنْديّ (١). (٦: ٥٤٥).