page 1419, entry [660]Open original source
[فتح قتيبة كاشغر وغزو الصين] وفي هذه السنة افتتح قتيبةُ بن مسلم كاشغر، وغَزَا الصين. ذكر الخبر عن ذلك: رَجْع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد بالإسناد الذي ذكرتُ قبلُ قال: ثمّغزا قتيبةُ في سنة ست وتسعين، وحَمَل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يُحرِز عياله في سَمرقَنْد خوفًا من سليمان، فلما عبر النهر استعمل رجلًا من مواليه يقال له الخُوارَزْمِيّ على مَقطَع النهر، وقال: لا يجوزَن أحدٌ إلا بجَواز؛ ومَضى إلى فَرْغانة، وأرسَل إلى شِعْب عصام من يُسَهّل له الطريق إلى كاشغر، وهي أدنَى مدائن الصين، فأتاه موتُ الوَليد وهو بفرْغانة. قال: فأخبَرنا أبو الذّيال عن المهلب بن إياس، قال: قال إياس بن زُهير: لما عبر قتيبةُ النهرَ أتيتهُ فقلت له: إنك خرجتَ ولم أعلم رأيك في العِيال فنأخذَ أهبْةَ ذلك. وبَنيَّ الأكابر معي، ولي عيال قد خلَفْتهم وأم عجوز، وليس عندهم مَن يقوم بأمرِهم، فإن رأيت أن تَكتُب لي كتابًا مع بعض بَنيَّ أوجّهه فيقدم عليّ بأهلي! فكتَبَ، فأعطاني الكتابَ فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخَر، فألوَيت بيدي، فجاء قومٌ في سفينة فقالوا: مَن أنتَ؟ أين جَوازك؟ فأخبرتُهم، فقَعدَ معي قومٌ وردّ قومٌ السفينةَ إلى العامل، فأخبروه. قال: ثمّ رجعوا إليّ فحملوني، فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائعٌ، فرميتُ بنفسي، فسألَني عن الأمر، وأنا آكلُ لا أجيبه، فقال: هذا أعرابيّ قد ماتَ من الجوع، ثمّ ركبتُ فمضيتُ فأتيتُ مروَ، فحملت أمي، ورجعتُ أريدُ العسكر، وجاءنا موتُ الوَليد، فانصرفتُ إلى مرْو. وقال: وأخبرَنا أبو مخنف، عن أبيه، قال: بعث قتيبةُ كثير بن فلان إلى كاشغَر، فسبَى منها سَبْيًا، فختم أعناقَهم مما أفاء الله على قُتيبة، ثمّ رجع قتيبة وجاءهم موتُ الوليد. قال: وأخبرَنَا يحيى بن زَكرياء الهَمْدانيّ عن أشياخ من أهلِ خرُاسان والحَكَم بن عثمان، قال: حدّثني شيخ من أهل خُراسانَ. قال: وَغَل قتيبة حتى قرب من الصين. قال: فكتَبَ إليه مَلِك الصين أن ابعثْ إلينا رجلًا من أشراف مَن مَعَكم يُخبرنا عنكم، ونُسائِله عن دينكم. فانتخَب قتيبةُ من عسكره اثني عشرَ رجلًا - وقال بعضهم: عشرة - من أفناء القبائل، لهم جَمال وأجْسام وألسُن وشُعور وبأس، بعد ما سأل عنهم فوَجَدهم مِن صالح مَن هم منه. فكلّمهم قتيبةُ، وفاطَنَهم فرأى عقولًا وَجمالًا، فأمر لهم بعُدّة حسنة من السلاح والمَتاع الجيّد من الخَزّ والوَشْي والليّن من البَياض والرّقيق والنعال والعِطْر، وحَملَهمعلى خيول مطهّمة تُقادُ معهم، ودوابّ يرَكَبونها. قال: وكان هُبيرة بن المشَمْرَج الكلابيّ مفوهًا بسيطَ اللسان، فقال: يا هُبيرة، كيف أنتَ صانع؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كُفيتَ الأدبَ وقلْ ما شئت أقُله. وآخذ به، قال: سِيروا على بركة الله، وبالله التوفيق، لا تَضعوا العمائمَ عنكم حتى تقدموا البلادَ، فإذا دخلتمْ عليه فأعلموهُ أني قد خفتُ ألّا أنصرِفَ حتى أطأ بلادَهم، وأختمَ ملوكهم، وأجْبي خَراجَهم. قال: فساروا، وعليهم هبيرة بن المشَمرَج، فلما قدموا أرسلَ إليهم مَلِكُ الصين يدعوهم، فدَخلَوا الحمام، ثمّ خرجوا فلبسوا ثيابًا بيضا تحتها الغَلائل، ثم مَسّوا الغالية، وتدخّنوا ولبسوا النعال والأردية. ودخلوا عليه وعندَه عظماءُ أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحدٌ من جلسائه فنَهضوا، فقال الملك لمَن حَضَره: كيف رأيتم هؤلاء؛ قالوا: رأينا قومًا ما هُمْ إلّا نساء، ما بقيَ منا أحد حين رآهم ووَجَد رائحتَهم إلا انتشَر ما عندَه. قال: فلما كان الغد أرسَل إليهم فَلِبسوا الوشيَ وعَمائمَ الخَزّ والمَطارِف، وغدَوْا عليه، فلما دخلوا عليه قيل لهم: ارجِعوا، فقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة أشبَهُ بهيئة الرّجال من تلك الأولى، وهم أولئك، فلما كان اليوم الثالث أرسَلَ إليهم فشَدّوا عليهم سلاحَهم، ولَبسوا البَيضَ والمَغافِرَ، وتقلَّدوا السيوف، وأخَذوا الرّماح، وتنكبوا القسِيّ، وركبِوا خيولَهم، وغَدوا فنَظَر إليهم صاحبُ الصين فرأى أمثال الجِبال مُقْبِلة، فلما دَنوا ركزوا رِماحَهم، ثمّ أقَبلوا نحوَهم مشمّرين، فقيل لهم قبلَ أن يدخلوا: ارجعوا، لما دَخَل قلوبَهم من خَوْفهم. قال: فانصَرَفوا فَركِبوا خيولهم، واختَلَجوا رِماحَهم، ثم دفعوا خيولَهم كأنهم يتطارَدون بها، فقال المَلِك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاء قطّ، فلما أمسَى أرسَل إليهم الملك، أن ابعَثوا إليّ زعيمَكم وأفضَلَكم رجلًا، فبَعثوا إليه هُبَيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم عظيمَ مُلْكي، وإنه ليس أحدٌ يمَنَعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة البَيضة في كفِّي وأنا سائلك عن أمر فإنْ لم تَصدقني قَتلتُكم. قال: سَل؛ قال: لِمَ صَنعتم من الزيّ في اليوم الأول والثاني والثالث؟ قال: أما زيُّنا الأوّل فلِباسنا في أهالينا وريحناعندَهم، وأما يومُنا الثاني فإذَا أتينا أمراءنَا، وأما اليومُ الثالث فَزّيّنا لعدّونا، فإذا هاجَنَا هيج وفزع كنا هكذا، قال: ما أحسنَ ما دبّرتم دَهْركم! فانصرِفوا إلى صاحبكم فقولوا له: يَنصرِف، فإني قد عرفتُ حِرصَه وقلة أصحابه، وإلا بعثتُ عليكم من يُهلِككم ويُهلِكه، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أوّل خيلهِ في بلادك وآخِرها في منابت الزّيتون! وكيف يكون حَرِيصًا من خلّف الدنيا قادرًا عليها وغَزاك! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنّ لنا آجالًا إذا حَضَرْت فأكرمها القتلُ، فلسنْا نَكرهه ولا نَخافُه؛ قال: فما الذي يُرضِي صاحبَك؟ قال: إنه قد حلف ألّا ينصرف حتى يطأ أرضَكم، ويختم ملوكَكم، ويُعطَى الجِزْية، قال: فإنا نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من ترابِ أرضِنا فيطؤه، ونَجث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونجث إليه بِجزية يرضاها، قال: فدعا بصِحاف من ذهب فيها تُرابٌ، وبَعث بحرير وذهب وأربعةِ غِلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجازهم فأحسَنَ جَوائزهم، فساروا فقَدِموا بما بَعَث به، فَقِبل قتيبةُ الجِزْية، وختم الغِلْمة وردّهم، ووَطئ التراب، فقال سوادة بن عبد الله السَّلُوليّ: لا عَيبَ في الوَفْدِ الذينَ بَعَثتَهُمْ ... للصين إِنْ سَلَكوا طريقَ المَنَهج كسرُوا الجفونَ على القذَى خوفَ الرَّدَى ... حاشَا الكريم هُبَيرةَ بن مُشَمرجِ لَم يَرضَ غيرَ الخَتْمِ في أَعناقِهم ... ورهائِنٍ دُفِعَتْ بِحَملِ سَمَرَّج أَدَّى رسالتَك التي استَرعَيتَهُ ... وأَتاك مِن حِنثِ اليمين بمخرجِ قال: فأوفَد قتيبةُ هبيرةَ إلى الوليد، فمات بقربةَ من فارِسَ، فرَثاه سوادَةُ، فقال: للهِ قبرُ هُبيرَة بن مُشمرَجٍ ... ماذا تَضَمَّنَ من نَدىً وجَمَال! وبديهةٍ يَعيَا بها أَبناؤها ... عند احتفالِ مَشاهدِ الأَقوال كان الربيعَ إذا السّنون تَتَابعَت ... والليثَ عند تَكعكع الأَبطالِ فَسَقَتْ بقربةَ حيثُ أَمسى قبرُه ... غرٌّ يَرُحنَ بمسبِلٍ هطَّالِ بكَتِ الجيادُ الصافنات لفَقدِه ... وبَكاه كلُّ مُثَقَّفٍ عَسَّالِ وبكتْهُ شُعْثٌ لم يجدنَ مُواسِيًا ... في العام ذي السَّنَوات والإِمحالِ قال: وقال الباهليّون: كان قتيبة إذا رجع من غَزاتِه كلّ سنة اشتَرَى اثنَي عشر فرسًا من جِياد الخيل؛ واثنى عشرَ هجينًا، لا يُجاوز بالفرَس أربعة آلاف، فيقامعليها إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو وعَسكَر قيّدت وأضمِرتْ، فلا تقطَع نهرًا بخيل حتى تخفّ لُحومُها، فيَحمِل عليها من يَحمِله في الطلائع، وكان يبعثِ في الطلائع الفُرسان من الأشراف، ويبعث معهم رجالًا من العجم فمن يستنصح على تلك الهجن، وكان إذا بعث بطَليعة أمرَ بلَوْح فنُقِش، ثمّ يشقّه شقّتين فأعطاه شقّة، واحتبس شقة، لئلا يمثَل مثلها، ويأمره أن يَدفِنها في موضع يصفُهُ له من مخاضَة معروفة، أو تحتَ شجرة معلومة، أو خربة، ثمّ يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادِقٌ في طليعته أم لا. وقال ثابت قُطنة العَتَكيّ يذكر مَنْ قُتِل من ملوك الترك: أَقَرَّ العَينَ مقتلُ كارزنكٍ ... وكَشْبيز وما لاقَى بيار وقال الكُميتُ يَذكُر غَزوة السُّغْد وخُوارزْم: وبعدُ في غزوةٍ كانت مُباركةً ... تردِي زراعةَ أَقوامٍ وتَحتَصِدُ نالتْ غَمامتُها فِيلًا بَوابِلهَا ... والسُّغْد حين دنا شؤبُوبُها البَرِدُ إِذ لا يزالُ له نَهبٌ يُنَفَّلهُ ... منَ المقاسِمِ لا وَخْشٌ ولا نَكَدُ تلك الفُتوحُ التي تُدْلي بِحُجَّتِهَا ... على الخليفةِ إِنَّا معشرٌ حُشُدُ لَم تَثنِ وجهَكَ عن قومٍ غَزوتَهُم ... حتى يُقال لهم: بُعدًا وقد بعِدُوا لم ترضَ مِن حِصنهمْ إِن كان ممتَنِعًا ... حتى يُكَبَّرَ فيه الواحدُ الصَّمَدُ (١) (٦: ٥٠٠ - ٥٠٤).