page 1056, entry [402]Open original source
ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند ٢٠٤ - قال أبو جعفر: وقد كان -فيما ذكِر لي- بعث عمر بن الخطّاب ﵁ السائبَ بن الأقرع، مولى ثَقِيف -وكان رجلًا كاتبًا حاسبًا- فقال: الحقْ بهذا الجيش فكن فيهم؛ فإنْ فتَح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئَهم، وخذ خمس الله وخمس رسوله؛ وإن هذا الجيش أُصيبَ، فاذهب في سواد الأرض، فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها. قال السائب: فلما فتح الله على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظامًا، فوالله إني لأقسم بين الناس، إذ جاءني عِلْج من أهلها فقال: أتُؤْمنني على نفسيوأهلي وأهل بيتي؛ على أن أدلك على كُنوز النَّخيرجان -وهي كنوز آل كسرى- تكون لك ولصاحبك، لا يَشركك فيها أحد؟ قال: قلت: نعم، قال: فابعث معي من أدلّه عليها، فبعثت معه، فأتى بسَفَطين عظيمين ليس فيهما إلا اللؤلؤ والزّبَرجد والياقوت؛ فلما فرغت من قَسْمِي بين الناس احتملتهما معي؛ ثم قدِمت على عمر بن الخطاب؛ فقال: ما وراءك يا سائب؟ ! فقلت: خير يا أميرَ المؤمنين! فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستُشهد النعمان بن مقرّن ﵀. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: ثم بكى فنشَج، حتى إنّي لأنظر إلى فروع مَنكِبيه من فوق كَتده. قال: فلما رأيتُ ما لقي قلت: والله يا أميرَ المؤمنين ما أصيبَ بعده من رجل يُعرف وجهه. فقال: المستضعَفون من المسلمين؛ ! لكنّ الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوهَهم وأنسابَهم، وما يصنعون بمعرفة عمر ابن أمّ عمر! ثم قام ليدخل، فقلت: إنّ معي مالًا عظيمًا قد جئت به، ثم أخبرته خبر السَّفَطَين، قال: أدخِلْهما بيتَ المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك. قال: فأدخلتُهما بيت المال، وخرجت سريعًا إلى الكوفة. قال: وبات تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما أصبح بعث في أثري رسولًا، فوالله ما أدركني حتى دخلتُ الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عُرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثنِي في طلبك، فلم أقدر عليك إلّا الآن. قال: قلت: ويلك! ماذا ولمَ؟ قال: لا أدري والله! قال: فركبتُ معه حتى قدمتُ عليه، فلما رآني قال: ما لي ولابن أمّ السائب! بل ما لابن أمّ السائب وما لي! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؛ ! قال: ويحك! والله ما هو إلّا أن نمت في الليلة التي خرجتَ فيها، فباتت ملائكة ربي تسحَبُني إلى ذينك السفطَين يشتعلان نارًا، يقولون: لنكويَنّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين؛ فخذهما عنّي لا أبالك والحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. قال: فخرجتُ بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشِيَني التجار، فابتاعهما منّي عمرو بن حُريث المخزوميّ بألفي ألف؛ ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم، فباعهما بأربعة آلاف ألف؛ فما زال أكثرَ أهل الكوفة مالًا بعد (١). (٤/ ١١٦ / ١١٧).٢٠٥ - حدَّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدَّثنا أسد بن موسى، قال: حدَّثنا المبارك بن فضالة، عن زياد بن حُدَير، قال: حدّثني أبي: أنّ عمرَ بن الخطاب ﵁، قال للهرمزان حين آمنه: لا بأس، انصح لي، قال: نعم، قال: إنّ فارس اليوم رأس وجناحان؛ قال: وأين الرأس؟ قال: بنهاوند مع بُنْدار؛ فإنّ معه أساورة كسرى وأهل أصبهان، قال: وأين الجناحان؟ فذكر مكانًا نسيته، قال: فاقطع الجناحين يَهِنِ الرأس. فقال عمر: كذبت يا عدوّ الله! بل أعْمد إلى الرأس فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يعصِ عليه الجناحان. قال: فأراد أن يسير إليه بنفسه، فقالوا: نذكّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسيرَ بنفسك إلى حلبة العجم؛ فإن أُصبت لم يكن للمسلمين نظام؛ ولكن ابعث الجنود، فبعث أهل المدينة فيهم عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وفيهم المهاجرون والأنصار؛ وكتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن سرْ بأهل البصرة، وكتب إلى حُذيفة بن اليمان أن سرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا جميعًا بنهاوند؛ وكتب: إذا التقيتم فأميرُكم النُّعمان بن مقرّن المزنيّ؛ فلما اجتمعوا بنهاوند، أرسل بُنْدار العِلْج إليهم: أن أرسلوا إلينا رجلًا نكلّمه؛ فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة. قال أبي: كأني أنظر إليه؛ رجلًا طويلَ الشعر أعورَ؛ فأرسلوه إليه، فلمّا جاء سألناه، فقال: وجدتُه قد استشار أصحابه؛ فقال: بأيّ شيء نأذن لهذا العربيّ؟ بشارتنا وبهجتنا ومُلْكنا، أو نتقشف له فيما قبَلنا حتى يزهد؟ فقالوا: لا، بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدّة، فتهيؤوا بها، فلما أتيناهم كادت الحِراب والنيازك يلتمع منها البصر، فإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب على رأسه التاج. قال: فمضيت كما أنا ونكّسْت، قال: فدفِعت ونُهنهت، فقلت: الرسل لا يفعل بهم هذا، فقالوا: إنما أنت كلْب، فقلت: معاذ الله! لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه؛ فانتهروني، وقالوا: اجلس. فأجلسوني. قال -وتُرجِم له قوله: إنكم معشرَ العرب أبعدُ الناس من كلّ خير، وأطول الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قَذرًا، وأبعده دارًا؛ وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشّاب إلّا تنجُّسًا لجيَفكم؛ فإنكم أرجاس؛ فإن تذهبوا نُخَلّ عنكم، وإن تأتُوا نرِكم مصارعَكم؛ قال: فحمِدْت الله، وأثنيت عليه، فقلت: والله ما أخطأتَ من صفتنا شيئًا، ولا من نعتِنا، إنْ كنا لأبعدَ الناس دارًا، وأشدَّالناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس من كلّ خير، حتى بعث الله ﷿ إلينا رسولَه ﷺ؛ فوعدنا النصر في الدّنيا، والجنة في الآخرة؛ فوالله ما زلنا نتعرّف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتحَ والنصر؛ حتى أتيناكم؛ وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبَكم على ما في أيديكم؛ أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إنّ الأعور قد صَدقكم الذي في نفسه. قال: فقمتُ وقد والله أرعبتُ العلِج جهدِي. قال: فأرسل إلينا العلِجُ: إمّا أن تعبُروا إلينا بنهاوند؛ وإمّا أن نعبرُ إليكم. فقال النعمان: اعبروا، قال أبي: فلم أرَ والله مثلَ ذلك اليوم، إنهم يجيئون كأنهم جبال حديد؛ قد تواثقوا ألّا يفِرّوا من العرب، وقد قرن بعضهم بعضًا؛ سبعة في قِران، وألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: من فرّ منا عقره حسك الحديد. فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أرَ كاليوم فشلًا، إنّ عدوّنا يتُركون يتأهّبون لا يُعْجلون، أما والله لو أن الأمر لي لقد أعجلتهم -وكان النعمان بن مقرّن رجلًا ليّنًا- فقال له: فالله ﷿ يُشهِدك أمثالها فلا يُحزنْك ولا يعيبُك موقفك، إنه والله ما منعني من أن أناجزهم إلّا شيء شهدته من رسول الله ﷺ؛ إنّ رسولَ الله كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النهار لم يعجِل حتى تحضر الصلاة، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال؛ فما منعني إلّا ذلك. اللهمّ إني أسألُك أن تُقِرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يُذَلّ به الكفّار، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، أمّنوا يرحمكم الله! فأمّنّا وبكينا. ثم قال: إني هازٌ لوائي فتيسَّروا للسلاح، ثم هازٌّ الثانية، فكونوا متأهّبين لقتال عدوّكم، فإذا هززتُ الثالثة فليحمل كلُّ قوم على مَنْ يليهم من عدوّهم على بركة الله. قال: وجاؤوا بحسَك الحديد. قال: فجعل يلبث حتّى إذا حضرت الصلاة وهبّت الأرواح كبّر وكبّرنا، ثم قال: أرجو أن يستجيب الله لي؛ ويفتح عليّ، ثم هزّ اللواء، فتيسّرنا للقتال، ثم هزّه الثانية فكنّا بإزاء العدوّ، ثم هزّه الثالثة. قال: فكبّر وكبّر المسلمون، وقالوا: فتحًا يعزّ الله به الإسلامِ وأهله، ثم قال النّعمان: إنْ أُصبت فعلَى الناس حُذيفة بن اليمان؛ وإن أصيب حُذيفة ففلان؛ وإنْ أصيب فلان ففلان؛ حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة، ثم هزّ اللواء الثالثة، فحمل كلّ إنسان على مَن يليه من العدّو. قال: فوالله ما علمت من المسلمين أحدًا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله، حتى يُقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا،فما كنّا نسمع إلّا وقعَ الحديد على الحديد، حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلمّا رأوْا صبرنا وأنّا لا نبرح العرْصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة؛ بعضهم على بعض في قياد، فيُقتلون جميعًا، وجعل يعقِرهم حسك الحديد الذي وضعوا خلفهم. فقال النعمان ﵁: قدّموا اللواء، فجعلنا نقدّم اللواء، ونقتلهم ونهزِمهم. فلما رأى أن الله قد استجاب له ورأى الفتح، جاءته نُشّابة فأصابت خاصرته، فقتلتْه. قال: فجاء أخوه معقل فسجّى عليه ثوبًا، وأخذ اللواء فقاتل، ثم قال: تقدّموا نقتلهم ونهزمهم؛ فلما اجتمع الناس قالوا: أين أميرنا؟ قال معقِل: هذا أميركم، قد أقرّ الله عينه بالفتح؛ وختم له بالشهادة. قال: فبايع الناس حُذيفة وعمر بالمدينة يستنصر له، ويدعو له مثل الحبْلى. قال: وكُتِب إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين؛ فلما أتاه قال له: أبشِرْ يا أمير المؤمنين بفتح أعزّ الله به الإسلام وأهله، وأذلّ به الكفر وأهله! قال: فحمِد الله ﷿، ثم قال: آلنّعمان بعثك؟ قال: احتسِب النّعمان يا أمير المؤمنين، قال: فبكى عمر واسترجع. قال: ومَن ويحك! قال: فلان وفلان؛ حتى عدّ له ناسًا كثيرًا، ثم قال: وآخرون يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فقال عمر وهو يبكي: لا يضرّهم ألّا يعرفهم عمر؛ ولكنّ الله يعرفهم (١). (٤: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩/ ١٢٠).٢٠٦ - وأما سيف، فإنه قال: -فيما كتب إليّ السريّ يذكر: أن شُعيبًا حدّثه عنه؛ وعن محمّد والمهلّب وطلحة وعمر وسعيد- إنّ الذي هاج أمر نهاوند أنّ أهلَ البصرة لما أشجوا الهُرمزان، وأعجلوا أهلَ فارس عن مصاب جند العلاء، ووطئوا أهل فارس؛ كاتبوا ملكهم؛ وهو يومئذ بمَرْو، فحرّكوه، فكاتب الملك أهلَ الجبال من بين الباب والسند وخُرَاسان وحلُوْان، فتحرّكوا وتكاتبوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ويُبرموا فيها أمورَهم، فتوافى إلى نهاوند أوائلُهم. وبلغ سعد الخبر عن قُباذ صاحب حُلوان، فكتب إلى عمر بذلك، فنزا بسعد أقوام، وألّبوا عليه فيما بين تراسل القوم واجتماعهم إلى نهاوند، ولم يشغلْهم ما دهم المسلمين من ذلك؛ وكان ممن نهض الجرّاح بن سنان الأسديّ في نفر، فقال عمر: إنّ الدليل على ما عندكم من الشرّ نهوضُكم في هذا الأمر، وقد استعدّ لكم من استعدّوا، وأيم الله لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم وإن نزلوا بكم. فبعث عمر محمدَ بن مسلمة، والناس في الاستعداد للأعاجم، والأعاجم في الاجتماع -وكان محمد بن مسلمة هو صاحب العمّال الذي يقتصّ آثار مَنْ شُكِيَ زمان عمر- فقدم محمد على سعد ليطوفَ به في أهل الكوفة، والبعوث تضرَب على أهل الأمصار إلى نهاوند، فطوّف به على مساجد أهل الكوفة، لا يتعرّض للمسألة عنه في السرّ، وليست المسألة في السرّ من شأنهم إذْ ذاك؛ وكان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد إلّا قالوا: لا نعلم إلّا خيرًا، ولا نشتهي به بدلًا، ولا نقول فيه، ولا نعين عليه، إلّا مَنْ مالأ الجرّاح بن سنان وأصحابه؛ فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءًا، ولا يسوغ لهم، ويتعمَّدون ترك الثناء، حتى انتهوْا إلى بني عبس، فقال محمد: أنشد بالله رجلًا يعلم حقًّا إلّا قال! قال أسامة بن قتادة: اللهمّ إن نشدتَنا فإنه لا يقسم بالسويّة، ولا يعدِلُ في الرعيّة، ولا يغزو في السريّة. فقال سعد: اللهمّ إن كان قالها كاذبًا ورئاءً وسمعة فأعمِ بصرَه، وأكثر عياله، وعرّضه لمضلّات الفتن. فعمِيَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسّها؛ فإذا عُثر عليه قال: دَعْوةُ سعد الرّجل المبارك. ثم أقبل على الدّعاء على النّفر، فقال: اللهمّ إن كانوا خرجوا أشرًا وبطرًا وكذبًا فاجهد بلاءهم؛ فجُهد بلاؤهم، فَقُطِّع الجرّاح بالسيوفيوم ثاوَرَ الحسنَ بنَ عليّ ليغتاله بساباط، وشُدِخ قبيصة بالحجارة، وقُتل أربد بالوَجْء وبنعال السيوف. وقال سعد: إنّي لأوّل رجل أهرق دمًا من المشركين؛ ولقد جمع لي رسول الله ﷺ أبوْيه، وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتُني خُمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أنّي لا أحسن أن أصلّي، وأن الصيد يُلهيني. وخرج محمد به وبهم إلى عمر حتى قدموا عليه، فأخبره الخبر، فقال: يا سعد! ويحك، كيف تُصَلِّي! فقال: أطيل الأولَيين، وأحذف الأُخْريين، فقال: هكذا الظنّ بك! ثم قال: لولا الاحتياط لكان سبيلُهم بيّنًا. ثمّ قال: مَنْ خليفتُك يا سعد على الكوفة؛ قال: عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، فأقرّه واستعمله؛ فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد؛ وأما الوقعة ففي زمان عبد الله. قالوا: وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزْدَجِرد الملك، فتوافَوْا إلى نهَاوند، فتوافَى إليها من بين خُراسان إلى حُلوان؛ ومن بين الباب إلى حلوان، ومن بين سِجستان إلى حُلوان؛ فاجتمعت حلَبة فارس والفهْلوج أهل الجبال من بين الباب إلى حُلوان ثلاثون ألف مقاتل؛ ومن بين خراسان إلى حُلوان ستون ألف مقاتل، ومن بين سِجِسْتان إلى فارس وحُلوان ستون ألف مقاتل؛ واجتمعوا على الفيرُزان، وإليه كانوا توافَوْا وشاركهم موسى (١). (٤: ١٢٠/ ١٧٠).٢٠٧ - وروي عن أبي وائل في سبب توجيه عمرَ النعمانَ بن مقرّن إلى نهَاوند، ما حدّثني به محمد بن عبد الله بن صَفوان الثَّقَفِيّ، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوَانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: كان النُّعمان بن مقرّن على كَسْكَر، فكتب إلى عمر: مَثَلِي ومثَل كَسْكر كمثل رجل شابّ وإلى جنبه مُومسة تلوّنُ له وتعَطّر، فأنشُدك الله لما عزلتني عن كَسْكر، وبعثتَني إلى جيش من جيوش المسلمين! قال: فكتب إليه عمر: أن ائت الناس بِنهاوند، فأنت عليهم. قال: فالتقوْا، فكان أوّلَ قتيل، وأخذ الراية أخوه سُويد بن مقرّن، ففتح الله على المسلمين؛ ولم يكن لهم -يعني: للفرس- جماعة بعد يومئذ؛ فكان أهل كلّ مصر يغزُون عدوَّهم في بلادهم (١). (٤: ١٢٦).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .٢٠٧ / أ- وفي هذه السنة أمر عمر جيوشَ العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت، وأمر بعض مَن كان بالبَصْرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير إلى أرض فارس وكَرْمان وأصبهان، وبعض مَنْ كان منهم بناحية الكوفة وماهاتها إلى أصبهان وأذربيجان والرّيّ، وكان بعضهم يقول: إنما كان ذلك من فعل عمر في سنة ثماني عشرة. وهو قول سيف بن عمر. (٤: ١٣٧). ٢٠٨ - حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم وعمرو بن عليّ، قالا: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا حماد بن سلَمة، عن أبي عمران الجَوْنيّ، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يَسار؛ أنّ عُمر بن الخطاب شاور الهُرْمزان، فقال: ما ترى؟ أبدأ بفارس، أم بأذْرَبيجان، أم بأصبهان؟ فقال: إنّ فارس وأذْرَبيجان الجناحان، وأصبهان الرّأس. فإن قطعت أحدَ الجناحين قام الجناح الآخر؛ فإن قطعت الرأس وقع الجناحان؛ فابدأ بالرأس. فدخل عمر المسجد والنعمان بن مقرّن يصلّي؛ فقعد إلى جنبه، فلمّا قضى صلاتَه، قال:إنّي أريد أن أستعملَك؛ قال: أمّا جابيًا فلا؛ ولكن غازيًا؛ قال: فأنت غاز. فوجهه إلى أصبَهان، وكتب إلى أهل الكوفة أن يُمِدّوه، فأتاها وبينه وبينهم النهر، فأرسل إليهم المغيرة بن شعبة، فأتاهم؛ فقيل لمَلِكهم وكان يقال له ذو الحاجبين: إن رسولَ العرب على الباب، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ أقعد له في بَهْجة الملك؛ فقالوا: نعم، فقعد على سريره، ووضع التّاج على رأسه؛ وقعد أبناء الملوك نحو السمّاطين عليهم القِرَطة وأسورة الذهب وثياب الديباج. ثم أذن له فدخل ومعه رمحه وتُرْسه، فجعل يطعن برمحه بُسُطهم ليتطيّروا، وقد أخذ بضُبعيه رجلان، فقام بين يديه، فكلمه ملكُهم، فقال: إنكم يا معشرَ العرب أصابكم جوع شديد فخرجتم؛ فإن شئتم أمِرْناكم ورجعتم إلى بلادكم. فتكلّم المغيرة؛ فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إنا معاشر العرب؛ كنا نأكل الجيفَ والمَيتة، ويطؤنا الناس ولا نطؤهم؛ وإنّ الله ﷿ ابتعث منا نبيًّا، أوسطنا حسبًا، وأصدقنا حديثًا -فذكر النبيّ ﷺ بما هو أهلُه- وإنه وعدنا أشياء فوجدناها كما قال؛ وإنه وعدنا أنا سنظهر عليكم، ونغلب على ما هاهنا. وإنّي أرى عليكم بِزّة وهيئة ما أرى مَن خلْفي يذهبون حتى يصيبوها. قال: ثمّ في نفسي: لو جمعت جراميزِي، فوثبت وثبة، فقعدت مع العِلْج على سريره لعلّه يتطيّر! قال: فوجدت غفلة؛ فوثبت؛ فإذا أنا معه على سريره. قال: فأخذوه يتوجّؤونه ويطؤونه بأرجلهم. قال: قلت: هكذا تفعلون بالرسل! فإنا لا نفعل هكذا، ولا نفعل برسلكم هذا. فقال الملك: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم. قال: فقلت: بل نقطع إليكم. قال: فقطعنا إليهم فتسلسلوا كلّ عشرَة في سلسلة، وكلّ خمسة، وكلّ ثلاثة. قال: فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعُوا فينا؛ فقال المغيرة للنعمان: يرحمك الله! إنه قد أسرع في الناس فاحمل، فقال: والله إنك لذو مناقب؛ لقد شهدتُ مع رسولِ الله ﷺ القتال؛ فكان إذا لم يقاتِل أوّل النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس، وتهبّ الرياح، وينزل النصر. قال: ثمّ قال: إني هازّ لوائي ثلاث مرات؛ فأما الهَزّة الأولى فقضى رجل حاجته وتوضّأ، وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه وفي شِسْمعه فأصلحه، وأما الثالثة فاحملوا، ولا يلوينّ أحدٌ على أحد؛ وإن قتِل النعمان فلا يَلْو عليه أحد؛فإنّي أدعو الله ﷿ بدعوةٍ؛ فعزمت على كلّ امرئ منكم لمَا أمّن عليها! اللهمّ أعطِ اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم؛ وهزّ لواءه أوّل مرة، ثم هز الثانية، ثم هزّه الثالثة، ثم شَلّ درعه، ثم حمل فكان أوّل صريع، فقال معقل: فأتيتُ عليه؛ فذكرت عزمتَه، فجعلت عليه عَلَمًا، ثمّ ذهبت -وكنا إذا قتلنا رجلًا شُغِل عنا أصحابه- ووقع ذو الحاجبين عن بغلته فانشقّ بطنُه، فهزمهم الله؛ ثم جئتُ إلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب، فقال: مَن أنت؟ قلت: معقِل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم، قال: الحمدُ لله، اكتبوا بذلك إلى عمر؛ وفاضت نفسه. واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وفيهم ابن عمر وابن الزُّبَيْر، وعمرو بن معديكرب وحُذيفة، فبعثوا إلى أمّ ولده، فقالوا: أما عهدَ إليك عهدًا؟ فقالت: هاهنا سَفَط فيه كتاب، فأخذوه، فكان فيه: إنْ قُتل النعمان ففلان، وإن قتل فلان ففلان (١). (٤: ١٤١/ ١٤٢ / ١٤٣). ٢٠٨ / أ- وقال الواقديّ: في هذه السنة -يعني سنة إحدى وعشرين- مات خالد بن الوليد بحمْص، وأوصى إلى عمر بن الخطاب. (٤: ١٤٤). ٢٠٨ / ب- قال الواقديّ: وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت؛ وكان عاملَه على مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين والشام ومصر والبصرة مَنْ كان عليها في سنة عشرين، وأما الكوفة فإنّ عامله عليها كان عمّار بن ياسر، وكان إليه الأحداث، وإلى عبد الله بن مسعود بيت المال، وإلى عثمان بن حُنَيف الخرَاج، وإلى شُريح -فيما قيل- القضاء (٢). (٤: ١٤٥).