page 793, entry [313]Open original source
(مقدمة في منهج تحقيقنا لتأريخ الطبري فيما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن تأريخ الإمام الطبري فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين من أوسع المصادر التأريخية المتقدمة وأكثرها اعتناءً بالإسناد إلا أن الطبري ﵀ اعتمد [في تأريخ حروب الردة وفتوح الشام والعراق ومجريات الأحداث في هذا العهد على مرويات سيف بن عمر التيمي وبكثرة، وكذلك اعتمد مرويات أبي مخنف، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على تضعيف أبي مخنف فقال ابن حبان: رافضي يشتم الصحابة ويروي بالموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦). وقال ابن عدي: حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترف صاحب أخبارهم (الكامل ٦/ ٢١١٠). وقال ابن معين: ليس بشيء (تأريخ ابن معين ٢/ ٥٠٠) وعقب ابن عدي قائلًا: (وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمة) (الكامل الموضع السابق). وقال أبو حاتم: متروك الحديث (الجرح والتعديل ٧/ ١٨٢). ورأي ابن حجر فيه هو ما ذكره في لسان الميزان (٤/ ٤٩٢) لوط بن حييى - أبو مخنف - أخباري تالف لا يوثق به. تركه أبو حاتم وغيره. اهـ. قلنا: ولذلك وضعنا معظم روايات أبي مخنف في قسم الضعيف، وبيّنا ما في متونها من نكارة، ولم نجد له إلا روايات قليلة جدًّا توافق ما رواه الثقات. ولمنُطِل كثيرًا في نقد رواياته فقد كفانا الأستاذ يحيى اليحى ذلك في كتابه القيم (مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري - عصر الخلافة الراشدة - دراسة نقدية). أما بالنسبة لروايات سيف بن عمر التميمي وهي الأكثر ورودًا في عهد أبي بكر الصديق عند الطبري؛ فقد وضعنا منهجًا نرجوا أن قد التزمنا به في تحقيقنا هذا. وقبل ذكر شروطنا في التفاصيل مع مرويات سيف لا بد أن نذكر أقوال العلماء فيه ولو باختصار. أما بالنسبة للحديث؛ فهو ضعيف عند جمهور النقاد. قال الدارقطني: ضعيف (التهذيب ٤/ ٢٩٦). وقال النسائي: ضعيف (الضعفاء والمتروكين / ٥١). وقال العقيلي: ولا يتابع عليه، ولا على كثير من حديثه (الضعفاء الكبير ٢/ ١٧٥). وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وكان يضع الحديث (المجروحين ١/ ٣٤٥). قلنا: وهذا زيادة في الجرح في ابن حبان وهو معروف بتساهله في التوثيق وتشدده في الجرح ولذلك قال الحافظ في التقريب (١/ ٢٦٢): أفحش ابن حبان القول فيه. أما بالنسبة للروايات التأريخية؛ فقد قال ابن حجر في التقريب: (عمدة في التأريخ). وقال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا (الميزان ٢/ ٢٥٥). ولذلك قال عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى (قسم التأريخ الإسلامي) د. خالد الغيب: ينقسم الحديث عن درجة سيف العلمية إلى قسمين: الأول: يتعلق بسيف المحدث. والثاني: يتعلق بسيف الأخباري (استشهاد عثمان وموقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية ٢٨). ويرى المؤرخ الإسلامي المعاصر الأستاذ العمري: أن سيفًا هذا ضعيف جدًّا في التأريخ. قلنا: من أجل ما سبق وضعنا بعضًا من روايات سيف في قسم الصحيح بالشروط التالية: ١ - بعد أن وجدنا لهما أصلًا صحيحًا ابتداءً بالبخاري ومرورًا ببقية كتب الحديث - وانتهاءً بالمصادر التأريخية الموثوقة.٢ - بعد أن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات ممَّا يتعلق بالمسائل العقيدية، والحلال، والحرام. ٣ - بعد أن تأكدنا من خلوّ هذه الروايات من طعن في عدالة الصحابة، أو غمز ولمز بهم، وبتعاملهم مع بعضهم البعض. ٤ - بعد أن تأكدنا من خلو هذه الروايات من الانحياز إلى اتجاه سياسي معروف في عهد الخلفاء الراشدين. أما بقية الروايات (وهي الأكثر) فقد وضعناها في الضعيف وبيَّنا ما فيها من نكارة، أو غرابة. ولقد أسهب الدكتور خالد الغيث في تقييمه لروايات سيف في رسالته الجامعية فلا نريد أن نذكر تفاصيل ذلك إلَّا أنَّا نضيف معلقة صغيرة فيما يتعلق بالطعون الواردة في روايات سيف ونفي (الطعن في عدالة الصحابة) وهو أن البلاء ليس من سيف فحسب، وإنما أكثر البلاء من تلميذه وراويته شعيب، وأغلب الروايات من طريقه، فهو المعروف بتحامله على الصحابة (ليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة وفيها تحامل على السلف / اللسان ٣/ ١٤٥). واعتبرنا هذه الطريق (طريق شعيب عن سيف) أشد مرويات سيف ضعفًا عند الطبري. أما أقل مرويات سيف ضعفًا أو أصحها (وليس صحيحها) فهو طريق: (حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمّي، قال: حدثنا سيف) والله أعلم. ثانيًا: أما فيما يتعلق بالمصادر التي اعتمدنا عليها في تقسيمنا لمرويات الطبري التاريخية فهي كما يلي: ١ - تأريخ خليفة بن خياط: فهو مؤرخ معتمد ثقة توفي (٢٤٠ هـ) أي: بعد أنه بدأ الطبري بطلب الحديث بأربع سنوات -وهو يدرس التأريخ دراسة حولية بالإضافة إلى كتابته التأريخ بصيغة أخرى هي تدوين التأريخ من خلال دراسة الشخصيات التأريخية. الأنبياء، ثم الصحابة، ثم أئمة التابعين، وذلك في كتابة القيم المعروف (طبقات خليفة). ٢ - فتوح البلدان للبلاذري: والذي اهتم اهتمامًا بالغًا بتأريخ الفتوح وهو يعتمد الإسناد كسلفه خليفة، إلَّا أن خليفة يذكر الإسناد ويعتمده أكثر منالبلاذري الذي توفي (٢٧٩ هـ). وكذلك اعتمد البلاذري الإسناد في دراسته لشخصيات الصحابة في كتابه التاريخي القيّم (أنساب الأشراف). ٣ - والمصدر الثالث الذي اعتمدنا في مقارنتنا لروايات الطبري التأريخية هو (الطبقات الكبرى لابن سعد). وإن كان ابن سعد يعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، وهو متروك ولهذا لم نعتمد هذه الروايات إلَّا ما كان له متابعة، أو شاهد. ٤ - ومن المصادر المتقدمة الأخرى التي اعتمدناها في تحقيقنا لمرويات الطبري التأريخية (كتاب المعرفة والتأريخ) ليعقوب بن سفيان، وكذلك (الأخبار الطوال). للدينوري ت (٢٨٢ هـ). ٥ - ومعلوم: أن عددًا من المؤرخين الثقات برزوا في القرون التالية، ومنهم ابن عساكر الذي عاش في القرن الخامس الهجري واشتهر كتابه تأريخ دمشق وهو بحق سفر تأريخي قيَّم اعتمد فيه الإسناد ورجَّح أحيانًا بين الروايات التأريخية فذكرنا ترجيحاته واعتمدنا مختصر تأريخية (لابن منظور ﵀ وكذلك راجعنا روايات الكلاعي في كتابه (الاكتفاء) وابن الجوزي في كتابه المعروف (المنتظم). ٦ - أما بالنسبة للأئمة المتأخرين الذين برزوا في التأريخ بالإضافة إلى كونهم أئمة في الحديث؛ فقد اعتمدنا تاريخ الإسلام للذهبي وذكرنا أحيانًا تصحيحاته وتعليقاته على الروايات التأريخية، وكذلك اعتمدنا (البداية والنهاية لابن كثير) وذكرنا ترجيحات ابن كثير وتصويباته. ٧ - أما بالنسبة للحافظ ابن حجر؛ فقد اعتمدنا على كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وخاصة فيما يذكره عن تأريخ الصحابة واشتراكهم في حروب الردة ومعارك الفتوح مشيرًا إلى روايات الأئمة المحدثين المتقدمين في كتبهم التي اطلع عليها ذاكرًا أسانيدهم فنذكرها بأسانيدها وهو أحيانًا يحكم على هذه الأسانيد وأحيانًا يسكت عنها (من أمثال ما كتبه ابن السكن، وابن شاهين، وابن مندة، وغيرهم). ٨ - وأخيرًا فقد رجعنا فيما رجعنا إليه إلى كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي. ٩ - أما فيما يتعلق بالصحاح، والمسانيد، والسنن، والمستدركات،والمصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وغيره ففيها روايات تأريخية قليلة جدًّا بالنسبة لمرويات الطبري وغيره ولكننا ذكرناها قبل غيرها فهي لنا كالكنز الثمين لأنها مسندة موصولة ورجال أسانيدها ثقات في الغالب. ١٠ - كنَّا نتمنى أن نطلع على ما كتبه الأستاذ الفاضل العمري في كتابه (تأريخ الخلفاء الراشدين) فهو مؤرخ معاصر معروف بتحريّه للروايات المسندة الصحيحة في التأريخ ونرجو أن نحصل عليه لاحقَّا إن شاء الله ومع ذلك فقد اطلعنا على بعض الرسائل الجامعية القيمة (مرويات أبي مخنف، مرويات سيف بن عمير، موقف الصحابة في الفتنة، عبد الله بن سبأ ... إلخ من الرسائل التي تطرقنا إلى ذكرها أثناء التحقيق). وكذلك اطلعنا على ما كتبه الأستاذ المؤرخ باشميل عن فتوح الشام فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء ولا ندعي: أننا أصبنا كبد الحقيقة في تحقيقنا للروايات التأريخية ولكنّا حاولنا جهد المستطاع أن نظهر للقارئ الكريم عظمة التأريخ الإسلامي الذي طالما شوَّهه المستشرقون حسدًا، وحقدًا، وعدوانًا، فإن أصبنا في شيء؛ فمن الله التوفيق، وإن أخطأنا؛ فمن عند أنفسنا ونستغفر الله. * * *