Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 339382

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 663, entry [266]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 663, entry [266]Open original source
[ذكر الخبر عن فتح مكة] ٢٣٦ - فبينا بنو بكر وخُزاعة علي ذلك حَجَز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به، فلمّا كان صلحُ الحديبية بينَ رسول الله ﷺ وبين قريش كان فيما شرطوا علي رسول الله ﷺ، وشرط لهم -كما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا -أنه مَنْ أحَبَّ أن يدخلَ في عهد رسول الله ﷺ وعقْده دخلَ فيه، ومَنْ أحبّ أن يدخل في عهد قُريش وعقدهم دخل فيه؛ فدخلت بنو بكر في عَقْد قريش، ودخلت خُزاعة في عَقْد رسول الله ﷺ. فلمّا كانت تلك الهدنة اغتنمتها بنو الدِّيل، من بني بكر من خُزاعة. وأرادوا أن يصيبوا منهمِ [ثأرًا] بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رَزْن، فخرج نَوْفل بن معاوية الدّيلي في بني الدِّيل -وهو يومئذ قائدهم؛ ليس كل بني بكر تابعه- حتى بَيَّتَ خزاعة، وهم علي الوتير؛ ماء لهم،فأصابوا منهم رجلًا وتحاوزوا واقتتلوا؛ ورفَدَت قريش بني بكْر بالسِّلاح؛ وقاتل معه من قريش مَنْ قاتل بالليل مستخفيًا؛ حتى حازوا خُزاعة إلي الحَرم. رجع الحديث إلي حديث ابن إسحاق، قال: فلما انتهوْا إليه قالت بنو بكْر: يا نوفل، إنا قد دخلْنا الحرم إلهَك إلهَك؛ فقال: كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بني بكْر أصيبوا ثأْركم، فلعمري إنكم لتسرقُون في الحرم؛ أفلا تصيبون ثأركم فيه! وقد أصابوا منهم ليلة بَيَّتوهم بالوتير رجلًا يقال له منبّه، وكان منبّه رجلًا مفؤودًا خرج هو ورجل من قومه، يقال له تميم بن أسد -فقال له منبّه: يا تميم، انجُ بنفسك؛ فأمّا أنا فوالله إني لميّتٌ قتلوني أو تركوني؛ لقد انبتَّ فؤادي. فانطلق تميم فأفلَت، وأدركوا منبّهًا فَقتلوه- فلمّا دخلت خُزاعة مكة لجؤوا إلي دار بُدَيل بن ورْقاء الخُزاعيّ، ودار مولى لهم يقال له رافع. قال: فلما تظاهرتْ [بنو بكر و] قُريش علي خُزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلّوا من خُزاعة -وكانوا في عَقْده وعهدِه- خرج عمرو بن سالم الخُزاعيّ، ثم أحد بني كعب؛ حتى قدِم علي رسولِ الله ﷺ المدينة؛ وكان ذلك ممّا هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو في المسجد جالسٌ بين ظهرانَيِ الناس، فقال: لا همّ إنِّي ناشدٌ مُحمّدا ... حلْفَ أبينا وأبيه الأتْلدَا فوالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلدَا ... ثمَّتَ أَسلَمْنا فلم نَنْزِعْ يَدَا فانْصُر رسول الله نَصْرًا أعْتَدَا ... وادْعُ عِبَادَ اللهِ يأتوا مَدَدَا فيهم رسول اللهِ قد تَجَرَّدَا ... أبْيَض مثْل البَدْرِ يَنْمِي صُعدَا إن سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا ... في فَيلَقٍ كالبَحْر يجْري مُزْبدَا إنّ قريشًا أخلفوك الموْعِدا ... ونَقَضُوا ميثاقك المُؤَكَّدا وجعلوا لي في كَدَاء رَصَدَا ... وزعموا أَن لسْتُ أَدْعُو أَحَدا وَهُمْ أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بالوَتِيرِ هُجَّدَا فقتَّلونا رُكَّعًا وَسُجّدَا يقول: قد قتّلونا وقد أسلمنا. فقال رسول الله ﷺ حينَ سمع ذلك: قد نُصرْتَيا عمرو بن سالم! ثم عرض لرسول الله ﷺ عَنَانٌ من السماء، فقال: إنّ هذه السحابة لتستَهِلّ بنصر بني كعب. ثم خرج بُدَيل بن ورقاء في نفر من خُزاعة حتى قدِموا علي رسول الله المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم؛ ثم انصرفوا راجعين إلى مكة. وقد كان رسولُ الله ﷺ قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدّد العَقْد، ويزيد في المدّة (١). (٣: ٤٣/ ٤٤ / ٤٥).٢٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوة بن الزُّبير وغيره من عُلمائنا،قالوا: لما أجمَع رسولُ الله ﷺ المسير إلي مكة، كتب حاطب بن أبي بَلْتَعة كتابًا إلي قُريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسولُ الله من الأمر في السَّير إليهم؛ ثمّ أعطاه امرأة -يزعمُ محمد بن جعفر أنها من مُزَينة؛ وزعم غيرُه أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب- وجعل لها جُعْلًا علي أن تُبلِّغه قريشًا. فجعلَتْه في رأسها، ثم فتلتْ عليه قُرونها، ثم خرجتْ به. وأتي رسول الله ﷺ الخبرُ من السماء بما صنع حاطبٌ؛ فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدْركا امرأةً قد كتب معها حاطب بكتاب إلي قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم؛ فخرجا حتى أدركاها بالحُليفة، حُليفة ابن أبي أحمد؛ فاستنزلاها، فالتمسا في رَحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليُّ بن أبي طالب: إنّي أحلِفُ ما كذب رسول الله ولا كذبنا؛ ولتُخْرِجنَّ إليّ هذا الكتاب أو لنكشفنَّك؛ فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض عنِّي، فأعرض عنها، فحلّتْ قرونَ رأسِها، فاستخرجت الكتاب منه، فدفعته إليه، فجاء به إلي رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله حاطبًا؛ فقال: يا حاطب، ما حملك علي هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيَّرْتُ ولا بَدَّلْتُ، ولكنّي كنتُ امرأ ليس لي في القوم أصلٌ ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولَد، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دَعْني فلأضرب عنقه، فإنّ الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع إلي أصحاب بدر يوم بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! فأنزل الله ﷿ في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلي قوله ﴿وَإِلَيكَ أَنَبْنَا﴾ إلي آخر القصة (١). (٣: ٤٨/ ٤٩).٢٣٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: ثم مضي رسولُ الله ﷺ لسفره؛ واستخلف علي المدينة أبا رُهْم كُلْثوم بن حُصين بن خلَف الغفَاريّ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسولُ الله ﷺ، وصام الناس معه؛ حتى إذا كان بالكَديد ما بين عُسَفان وأمج، أفطر رسولُ الله ﷺ، ثم مضي حتى نزل مَرَّ الظَّهْران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبَّعَتْ سليم؛ وألَّفَتْ مُزَينة وفي كلّ القبائل عدد وإسلام؛ وأوعَبَ مع رسول الله المهاجرون والأنصار، فلم يتخلّف عنه منهم أحد، فلما نزل رسول الله ﷺ مَرّ الظهران، وقد عُمّيَت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبرٌ عن رسول الله؛ ولا يدرون ما هو فاعلٌ؛ فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحَكيم بن حزام، وبُدَيل بن ورْقاء، يتحسسون الأخبار، هل يجدون خبرًا أو يسمعون به (١)! (٣: ٤٩/ ٥٠).٢٣٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وقد كان فيما حدّثني محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبَد بن العباس بن عبد المطلب؛ عن ابن عباس: وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقَّى رسول الله ﷺ ببعض الطريق؛ وقد كان أبو سُفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمتة بن المغيرة قد لَقيا رسولَ الله ﷺ بنيق العُقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخولَ علي رسول الله، فكلّمته أم سلَمة فيهما، فقالت: يا رسولَ الله، ابن عمك وابن عمّتك وصهرُك، قال: لا حاجةَ لي بهما، أما ابنُ عمّي فهتَك عِرْضي؛ وأما ابنُ عمّتي وصهري فهو الذي قال بمكة ما قال: فلمّا خرج الخبر إليهما بذلك؛ ومع أبي سفيان بُنيٌّ له فقال: والله ليأذَننّ لي أو لآخُذَنَّ بيد بُنيّ هذا؛ ثم لنذهبنّ في الأرض؛ حتى نموت عطشًا وجوعَّا. فلما بلغ ذلك رسولَ الله ﷺ رقَّ لهما؛ ثم أذن لهما، فدخلا عليه؛ فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مَضَي منه: لَعَمْرِيَ إنِّي يومَ أحملُ رايةً ... لتَغْلِبَ خَيلُ اللَّاتِ خَيلَ محمدِ لَكَالْمُدْلِج الحيرَان أظْلم ليلُه ... فهذَا أوَانِي حينَ أُهْدَي وأَهْتَدِي وَهادٍ هَدَانِي غَيرَ نفْسي وَنالني ... معَ اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كلَّ مُطَرَّدِ أَصُدُّ وَأَنأَي جَاهِدًا عن محمدٍ ... وأُدْعي ولِولم أنتسِبْ من مِحمّدِ هُمُ ما هُمُ منْ لم يقل بهوَاهُمُ ... وإنْ كَان ذا رَأْيٍ يُلَمْ ويُفنَّدِ أُرِيد لأُرْضِيهمْ ولسْتُ بلائِطٍ ... معَ القَوم ما لم أُهْدَ فِي كلِّ مَقْعَد فقل لثَقِيفٍ لا أُريد قتَالها ... وقل لثَقيفٍ تلك غَيرِيَ أوْعِدِي وما كنتُ فِي الجيشِ الَّذي نال عامِرًا ... وَما كَان عن جَرَّي لساني ولا يدي قبائل جَاءتْ مِنْ بَلادٍ بعِيدَةٍ ... نَزَائعُ جَاءتْ مِنْ سُهَامٍ وسُرْدَدِ قال: فزعموا أنه حين أنشد رسولَ الله ﷺ قوله: "ونالني مع الله من طرّدتُ كلّ مُطَرَّدِ"؛ ضَرَبَ النبي ﷺ في صدره. ثم قال: أنت طرّدتَني كل مطرّد! (١). (٣: ٥٠/ ٥١).٢٤٠ - فلما نزل مَرّ الظهران خرج أبُو سفيان بن حرب ومعه حَكيم بن حزام. فحدّثنا أبو كريب، قال: أخبرَنا يُونس بن بكَير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكْرمة عن ابنعباس، قال: لما نزلَ رسول الله ﷺ مرّ الظهران، قال العباس بن عبد المطلب، وقد خرج رسول الله ﷺ من المدينة: يا صباح قريش! والله لئن بَغَتها رسولُ الله في بلادها؛ فدخل مكة عَنْوة؛ إنه لهلاكُ قريش آخر الدهر! فجلس علي بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وقال: أَخرُج إلي الأراك لعلّي أري حَطّابًا أو صاحب لَبَن؛ أو داخلًا يدخل مكة؛ فيخبِرهم بمكان رسول الله؛ فيأتونه فيستأمنونه. فخرجت؛ فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حَرْب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله ﷺ، فسمعتُ أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم قطّ نيرانًا! فقال بُديل: هذه والله نِيرانُ خُزاعة، حَمَشَتْها الحرب! فقال أبو سفيان: خُزاعة ألأم من ذلك وأذلُّ! فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل! فقلت: نعم، فقال: لبّيك فِداك أبي وأمي! فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله ورائي قد دَلَفَ إليكم بما لا قِبَلَ لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ فقلت: تركب عَجُز هذه البغلة، فأستأمن لك رسولَ الله؛ فوالله لئن ظفِر بك ليضربَنَّ عنقك، فردفني فخرجت به أركُض بغلةَ رسول الله ﷺ نحو رسولِ الله ﷺ، فكلّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين ونظروا إليّ، قالوا: عمُّ رسول الله علي بَغْلةِ رسول الله؛ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال أبو سفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عَقْدٍ ولا عهد! ثم اشتدّ نحو النبيّ ﷺ، وركضت البغلة، وقد أردفتُ أبا سفيان؛ حتى اقتحمتُ علي باب القبّة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجلَ البطيءَ؛ فدخل عمر علي رسولِ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدوّ الله؛ قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد؛ فدعْنِي أضرب عنقه؛ فقلت: يا رسولَ الله، إنّي قد أجرْتُه! ثم جلست إلي رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه اليومَ أحدٌ دوني! فلمّا أكثر فيه عُمَر، قلت: مهلًا يا عمر! فوالله ما تصنع هذا إلّا لأنه رجل من بني عبد مناف؛ ولو كان من بني عَدِيّ بن كدب ما قلت هذا. فقال: مهلًا يا عباس! فوالله لإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم! وذلك لأني أعلمُ أن إسلامَك كان أحبَّ إلي رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسولُ الله: اذهب فقد آمنّاه حتى تغدوَ به عليّ بالغداة. فرجع به إلي منزله؛ فلمّا أصبح غدا به علي رسول الله ﷺ، فلمّا رآه قال: ويحكيا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلَم أن لا إله إلا الله! فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننتُ أن لو كان مع الله غيره لقد أغني عنّي شيئًا، فقال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أنّي رسول الله! فقال؛ بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أمّا هذه ففي النفس منها شيء! فقال العباس: فقلت له: ويلك! تشهّدْ شهادة الحق قبل والله أن تُضرب عنقك؛ قال: فتشهد. قال: فقال رسولُ الله ﷺ للعباس حين تشهّد أبو سفيان: انصرف يا عباس فاحبسه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمرّ عليه جنود الله، فقلت له: يا رسولَ الله، إنّ أبا سفيان رجلٌ يحبّ الفخر، فاجعل له شيئًا يكون في قومه. فقال: نَعمْ؛ مَنْ دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومَنْ دخلَ المسجد فهو آمنٌ، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمنٌ فخرجت حتى حبستُه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادي؛ فمرَّت عليه القبائل، فيقول: مَنْ هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم! فتمرّ به قبيلة، فيقول: مَنْ هؤلاء؛ فأقول: أسلم، فيقولْ ما لي ولأسلم! وتمرّ جُهينة، فيقول: ما لي ولجهينة! حتى مَرّ رسول الله ﷺ في الخضراء؛ كتيبة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار في الحديد؛ لا يُري منهم إلا الحَدَق، فقال: مَنْ هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلكُ ابن أخيك عظيمًا. فقلت: ويحك إنها النبوّة! فقال: نعم إذًا، فقلتُ: الحق الآن بقومك فحذِّرهم؛ فخرج سريعًا حتى أتي مكة، فصرخ في المسجد: يا معشرَ قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به! قالوا: فمَهْ! فقال: مَنْ دخل داري فهو آمن، فقالوا: ويحك! وما تُغني عَنّا دارك! فقال: ومَنْ دخل المسجد فهو آمن، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمن (١). (٣: ٥٢/ ٥٣ / ٥٤).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .٢٤١ / أ- حدّثني عبدُ الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا أبان العطّار قال: حدَّثنا هشام بن عروة، عن عُروة، أنه كتب إلي عبد الملك بن مروان: أمّا بعد، فإنك كتبت إليّ تسألني عن خالد بن الوليد، هل أغار يوم الفتح؟ وبأمر مَنْ أغار؟ وإنه كان من شأن خالد يوم الفتح أنه كان مع النبيّ ﷺ، فلما ركب النبيّ بطنَ مَرّ عامِدًا إلي مكة، وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقّيان رسولَ الله ﷺ؛ وهم حين بعثوهما لا يدرون أين يتوجّه النبيّ ﷺ إليهم أو إلي الطائف! وذاك أيام الفتح؛ واستتبع أبو سفيان وحكيم بن حزام بُدَيلَ بن ورقاء، وأحبّا أن يصحَبهما، ولم يكن غير أبي سفيان وحكيم بن حزام وبُديل؛ وقالوا لهم حين بعثوهم إلي رسول الله ﷺ: لا نؤتَيَنَّ من ورائكم، فإنا لا ندري مَنْ يريد محمد! إيّانا يريد، أو هوازن يريد، أو ثقيفًا! وكان بين النبيّ ﷺ وبين قريش صلْح يوم الحديبية وعَهْد ومدّة، فكانت بنو بكر في ذلك الصلح مع قريش، فاقتتلتْ طائفة من بني كعب وطائفة من بني بكْر؛ وكان بين رسول الله ﷺ وبين قريش في ذلك الصّلح الذي اصطلحوا عليه: "لا إغلالولا إسلال"، فأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فاتّهمت بنو كعب قريشًا، فمنها غزا رسول الله ﷺ أهلَ مكة؛ وفي غزوته تلك لقي أبا سفيان وحكيمًا وبُدَيلًا بمَرّ الظهران؛ ولم يشعروا أنّ رسولَ الله ﷺ نزل مَرّ، حتى طلعوا عليه، فلما رأوْه بمَرّ، دخل عليه أبو سفيان وبُدَيل وحكيم بمنزله بمَرّ الظَّهران فبايعوه، فلمّا بايعوه بعثَهم بين يديه إلي قريش، يدعوهم إلي الإسلام، فأخبرتُ أنه قال: مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن -وهي بأعلي مكة- ومن دخلَ دارَ حكيم -وهي بأسفل مكة- فهو آمن، ومن أغلق بابه وكَفّ يده فهو آمن (١). (٣: ٥٤/ ٥٥).٢٤١ / ب- وإنّه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبيّ ﷺ عامدين إلى مكة، بعث في أثرهما الزُّبير وأعطاه رايته، وأمَّره علي خيل المهاجرين والأنصار وأمَره أن يغرز رايته بأعلي مكة بالحجُون؛ وقال للزُّبير: لا تبرحْ حيث أمرتُك أن تغرِز رايتي حتى آتِيَك؛ ومن ثمّ دخل رسولُ الله ﷺ، وأمر خالد بن الوليد -فيمن كان أسلم من قُضاعة وبني سليم وأناس، إنما أسلموا قُبَيل ذلك- أن يدخل من أسفَل مكة، وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش. وبنو الحارث بن عبد مناة ومَنْ كان من الأحابيش أمرتْهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة (١). (٣: ٥٥/ ٥٦). ٢٤٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد، فدخل علي الليط أسفل مكة، في بعض الناس، وكان خالد علي المجنبة اليمنى وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلي مكة وضربت هنالك قبته (٢). (٣: ٥٧).٢٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: وكانَ رسولُ الله ﷺ قد عهِد إلي أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة؛ ألّا يقتلوا أحدًا إلّا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نَفر سمّاهم؛ أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة؛ منهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح بن حُبَيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ- وإنما أمر رسولُ الله ﷺ بقتله، لأنه كان قد أسلم فارتدّ مشركًا، ففرّ إلي عُثْمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيّبه حتى أتي به رسول الله ﷺ بعد أن اطمأنّ أهلُ مكة، فاستأمن له رسول الله، فذُكِر أن رسولَ الله ﷺ صَمَتَ طويلًا، ثم قال: نعم، فلمّا انصرفَ به عثمان، قال رسول الله لمن حولَه من أصحابه: أما والله لقد صمتّ ليقومَ إليه بعضُكم فيضربعنقه! فقال رجلٌ من الأنصار: فهلّا أومأتَ إليَّ يا رسول الله! قال: إن النبيّ لا يقتلُ بالإشارة -وعبد الله بن خَطَل، رجلٌ من بني تيم بن غالب- وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله ﷺ مصدّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار؛ وكان معه موليً له يخدُمُه، وكان مسلمًا، فنزل منزلًا، وأمر المولي أن يذبح لَه تيسًا، ويصنع له طعامًا، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدَا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا؛ وكانت له قينتان: فرتني وأخري معها، وكانتا تغنّيان بهجاء رسول الله ﷺ، فأمر بقتلهما معه والحويرث بن نُقَيذ بن وهب بن عبد بن قصيّ، وكان ممن يؤذيه بمكة، ومقيس بن صُبابة -وإنما أمر بقتله لقتله الأنصاريّ الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلي قريش مرتدًّا- وعكرمة بن أبي جهل، وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب؛ وكانت ممن يُؤذيه بمكة. فأما عِكْرمة بن أبي جهل فهرَب إلي اليمن؛ وأسلمت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسولَ الله فأمّنه؛ فخرجت في طلبه حتى أتتْ به رسولَ الله ﷺ، فكان عِكْرمة يحدّث -فيما يذكرون- أنّ الّذي ردّه إلي الإسلام بعد خروجه إلي اليمن أنه كان يقول: أردت ركوبَ البحر لألحقَ بالحبشة، فلما أتيتُ السفينة لأركبها قال صاحبها: يا عبد الله، لا تركب سفينتي حتى تُوَحّدَ اللهَ، وتخلع ما دونه من الأنداد، فإني أخشي إن لم تفعل أن نهلِك فيها، فقلت: وما يركبه أحدٌ حتى يوحّد الله ويخلع ما دونه! قال: نعم؛ لا يركبه أحدٌ إلّا أخلص. قال: فقلت: ففيم أفارق محمدًا! فهذا الذي جاءنا به، فوالله إنّ إلهنا في البحر لإلهُنا في البرّ، فعرفت الإسلام عند ذلك، ودخل في قلبي. وأما عبد الله بن خَطَل، فقتله سعيد بن حريث المخزوميّ وأبو برزة الأسلميّ، اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صُبابة فقتله نُمَيلَةُ بن عبد الله؛ رجل من قومه، فقالت أخت مِقيَس: لَعَمْرِي لَقَدْ أخزى نُمَيلةُ رهْطَهُ ... وفَجَّعَ أضيافَ الشتَاءِ بمقيسِ فللَّهِ عَيْنًا مَن رأي مثلَ مِقْيَسٍ ... إذَا النُّفَسَاءُ أصبَحَتْ لم تُخَرَّسِ! وأما قينتَا ابن خَطَل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسولُ الله ﷺ بعد، فأمّنها. وأما سارَة، فاستؤمنَ لها فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجلٌ من الناس فرسًا له في زمن من عمر بن الخطاب بالأبطح، فقتلها. وأماالحويرث بن نُقَيْذ، فقتله عليّ بن أبي طالب ﵁ (١). (٣: ٥٨/ ٥٩ / ٦٠).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .٢٤٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى بن الوجيه، عن قتادة السَّدوسيّ؛ أن رسولَ الله ﷺ قام قائمًا حين وقف علي باب الكعبة، ثم قال: لا إله إلا الله وحدَه، لا شريك له، صَدَقَ وعدَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزاب وحدَه. ألا كلّ مَأثرة، أو دم، أو مال يُدَّعي؛ فهو تحت قَدَمَيَّ هاتَين إلّا سِدانة البيت وسِقاية الحاجّ. ألَا وقتيلُ الخطأ مثل العَمْد؛ بالسوط والعصا، فيهما الديَة مغلّظة [مئة من الإبل]، منها أربعون في بطونها أولادها (١). (٣: ٦٠/ ٦١).٢٤٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وكان جميعُ مَنْ شهد فتح مكّة من المسلمين عشرة آلاف؛ من بني غفار أربعمئة، ومن أسلم أربعمئة، ومِن مُزينة ألف وثلاثة نَفر، ومن بني سُلَيم سبعمئة، ومن جُهينة ألف وأربعمئة رجل؛ وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بني تميم وقيس وأسد (١). (٣: ٦٤/ ٦٥). ٢٤٦ - قال: وفيها هدم خالد بن الوليد العُزّى ببطن نَخْلة، لخمس ليال بقينَ من رمضان؛ وهو صنمٌ لبني شيبان؛ بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزّي، يقولون: هذا صَنمنا، فخرج إليه خالد، فقال: قد هدمته، قال: أرأيتَ شيئًا؟ قال: لا، قال: فارجع فاهدمْه، فرجع خالد إلي الصنم فهدم بيتَه، وكسر الصنم، فجعل السادنُ يقول: أعُزَّي اغضَبي بعض غضباتك! فخرجت عليه امرأة حبشيّة عريانةٌ مُوَلْولَة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتي رسولَ الله ﷺ، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزّي، ولا تُعبدُ العُزّي أبدًا (٢). (٣: ٦٥).٢٤٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: بعث رسولُ الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العُزّى -وكانت بنخلة، وكانت بيتًا يعظّمه هذا الحيّ من قريش وكنانة ومُضر كلها؛ وكانت سَدَنَتُها من بني شيبان، من بني سُلَيم حلفاء بني هاشم- فلما سمع صاحبها بمسير خالد إليها، علّق عليها سيفه، وأسند في الجبل الذي هي إليه فأصعد فيه، وهو يقول: أَيا عَزَّ شُدِّي شَدَّةً لا شَوَى لها ... على خَالِدٍ ألْقِي القِناعَ وشَمِّرِي ويا عُزَّ إن لم تَقْتُلي اليومَ خَالدًا ... فَبوئي بإثم عَاجل أو تنصَّري فلما انتهي إليها خالد هَدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ (١). (٣: ٦٥). ٢٤٨ - حدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثنا أبي. وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة؛ جميعًا عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، عن ابن شهاب الزهريّ، عن ابن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ، عن أبيه عبد الله بن أبي حَدْرد، قال: كنتُ يومئذ في خَيل خالد،فقال لي فتي منهم- وهو في السبي؛ وقد جُمِعت يداه إلي عنقِه برُمَّةٍ ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتي! قلت: نعم؛ قال: هل أنتَ آخذٌ بهذه الرُّمة فقائدي بها إلى هؤلاء النسوة، حتى أقضيَ إليهنّ حاجة، ثم تَرُدّني بعد، فتصنعوا بي ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليَسيرٌ ما سألت، فأخذت برُمّتِه فقدْتُه بها حتى أوقفته عليهنّ، فقال: اسلمي حُبَيش، علي نَفَد العيش: أرَيتَكِ إذْ طالبْتكم فوَجَدْتُكُم ... بحَلْيَةَ أو ألْفيتكمْ بالخَوَانِقِ! ألم يَكُ حَقًّا أن يُنَوَّلَ عاشِقٌ ... تكَلَّفَ إدْلَاجَ السُّري والوَدَائِقِ! فلا ذَنْبَ لي قد قُلْتُ إذْ أَهْلُنا معًا ... أثيبي بوُدٍّ قَبْلَ إحْدَي الصَّفَائِقِ! أثيبي بوُدٍّ قبل أن تَشْحَط النَّوَي ... ويَنْأَي الأمِيرُ بالحبيب المفارِقِ فإنِّيَ لا سِرًّا لَدَيَّ أضَعْتُه ... ولا راق عَيني بعد وَجهِك رائِق عَلَى أنَّ ما نابَ العَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... ولا ذِكْرَ إلَّا أن يكون لوامِقِ قالت: وأنت فحُيّيتَ عشرًا، وسبْعًا وتْرًا، وثمانيًا تَتري! ثم انصرفتُ به، فقدِّم فضُرِبت عنقه (١). (٣: ٦٨/ ٦٩).٢٤٩ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن أبي فراس بن أبي سُنْبُلة الأسلميّ؛ عن أشياخ منهم، عمّن كان حضرها، قالوا: قامت إليه حين ضُربت عنقه، فأكبَّتْ عليه، فما زالت تُقبِّلُهُ حتى ماتت عنده (١). (٣/ ٦٩). ٢٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصُر الصلاة (٢). (٣/ ٦٩). ٢٥١ - قال ابنُ إسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقينَ من شهر رمضان سنة ثمانٍ (٣). (٣: ٦٩).
Parsing and provenance details
Local passage ID
339382
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:266:916810
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain