page 651, entry [260]Open original source
[خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوّح] ٢٢٧ - قال: وفيها أغزي رسولُ الله ﷺ غالبَ بن عبد الله الليثي في صفر إلي الكَديد إلي بني الملوح. قال أبو جعفر: وكان من خبر هذه السرية وغالب بن عبد الله؛ ما حدّثني إبراهيم بن سَعيد الجوهريّ وسعيد بن يحيى بن سعيد -قال إبراهيم: حدّثني يحيى بن سعيد، وقال سعيد بن يحيى: حدّثني أبي- وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة؛ جَميعًا عن ابن إسحاق، قال: حدّثني يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة، عن مُسْلِم بن عبد الله بن خُبَيب الجُهنيّ، عن جندب بن مكيث الجهنيّ، قال: بعث رسولُ الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبيّ؛ كلب ليث، إلي بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج -وكنت في سريّته- فمضينا؛ حتى إذا كنا بقُديد لقينَا بها الحارث بن مالك -وهو ابن البَرْصاء الليثيّ- فأخذناه فقال: إنّي إنما جئت لأُسلم؛ فقال غالبُ بن عبد الله: إن كنت إنّما جئت مسلمًا، فلنْ يضرّك رِبَاطُ يوم وليلة؛ وإن كنت علي غير ذلك استوثقنا منك. قال: فأوثقه رباطًا ثم خلّف عليه رُوَيجلًا أسود كان معنا، فقال: امكث معه حتى نمرّ عليك، فإنْ نازعَك فاحتزَّ رَأسَه. قال: ثمّ مضينَا حتى أتينا بطن الكَديد، فنزلنا عُشَيشِيَةً بعد العصر، فبعثني أصحابي رَبيئَةً، فَعَمَدْتُ إلي تلّ يطلعني علي الحاضر، فانبطحت عليه -وذلك قُبَيلَ المغرب- فخرج منهم رجل، فنظر فرآني منبطحًا علي التلّ، فقال لامرأته: والله إنّي لأري علي هذا التلّ سوادًا ما كنت رأيتُه أوّل النهار؛ فانظري لا تكون الكلاب جرّت بعض أوعيتك. فنظرتْ فقالت: والله ما أفقد شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نَبْلي، فناولته فرماني بسهْم فوضعه في جنبي. قال: فنزعتهُ فوضعته، ولم أتحرّك. ثمّ رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرّك. فقال: أما والله لقد خالطهسهمايَ، ولو كان ربيئة لتحرّك؛ فإذا أصبحت فاتّبعي سهميّ فخذيهما لا تمضغهما عليّ الكَلاب، قال: فأمهلناهم حتى راحت رائحتُهم، حتى إذا احتلبوا وعطنوا سكنوا، وذهبت عَتمةٌ من الليل شننّا عليهم الغارة، فقتلنا مَنْ قتلنا واستقْنا النّعم، فوجّهنا قافلين؛ وخرج صَرِيخ القوم إلي القوم مُغَوِّثًا. قال: وخرجنا سِرَاعًا حتى نمرّ بالحارث بن مالك؛ ابن البرصاء، وصاحبه؛ فانطلقنا به معنا، وأتانا صَرِيخ الناس، فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلّا بطنُ الوادي مِنْ قُدَيد، بعثَ الله ﷿ من حيث شاء سحابًا ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا خالًا، فجاء بما لا يقدر أحدٌ أن يقدم عليه، فلقد رأيناهم ينظرون إلينا، ما يقدرُ أحدٌ منهم أن يقدم ولا يتقدّم؛ ونحن نحدوها سراعًا؛ حتى أسندناها في المشلّل؛ ثم حدرناها عنها، فأعجزنا القوم بما في أيدينا، فما أنسي قولَ راجزٍ من المسلمين؛ وهو يحدوها في أعقابها، ويقول: أبي أبو القاسم أنْ تَعَزَّبي في خَضِلٍ نَباتُه مُغْلوْلِب صُفرٍ أعاليه كلَوْنِ المُذْهَبِ (١) (٣: ٢٧/ ٢٨). ٢٢٨ - قال أبو جعفر: وكان سبب إسلام عمرو بن العاص، ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى ابن أبي أوْس، عن حبيب بن أبي أوْس، قال: حدّثني عمرو بن العاص من فيه إلي أذني، قال: لمّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعتُ رجالًا من قريش كانوا يروْن رأيي، ويسمعون منّي، فقلت لهم: تعلمون والله أنّي لأري أمر محمد يَعْلُو الأمور عُلوًّا مُنْكرًا. وإنّي قد رأيت رأيًا فما تروْن فيه؟ قالوا:وماذا رأيت؟ قلت: رأيتُ أن نلحقَ بالنجاشيّ، فنكون عنده، فإن ظهر محمدٌ علي قومنا كنّا عند النجاشيّ فلأن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإن يظهر قومنا فنحن مَنْ قد عرفوا؛ فلا يأتينا منهم إلا خيرٌ. فقالوا: إنّ هذا لرأيٌ. قلت: فاجمَعوا له ما نُهدي إليه -وكان أحبَّ ما يُهْدَي إليه من أرضنا الأدَم- فجمعنا له أدَمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده؛ إذ جاءه عمرو بن أميّة الضّمريّ -وكان رسولُ الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه- قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلتُ لأصحابي: هذا عَمْرو بن أميّة الضمْريّ، لو قد دخلت علي النّجاشيّ وسألته إياه؛ فأعطانيه فضربتُ عنقه! فإذا فعلت ذلك رأتْ قريش أنّي قد أجزأتُ عنها حين قتلت رسول محمد. فدخلت عليه، فسجدتُ له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي! أهديتَ لي شيئًا من بلادك؟ قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت لك أدَمًا كثيرًا، ثم قَرَّبته إليه، فأعجبه واشتهاه؛ ثم قلت له: أيها الملك؛ إنّي قد رأيتُ رجلًا خرج من عندك؛ وهو رسول رجل عدوّ لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربةً ظننت أنه قد كسره -يعني النجاشيّ- فلو انشقّت الأرض لي لدخلتُ فيها فَرَقًا منه. ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننتُ أنك تَكْرَه هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيَك رسول رجل يأتيه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، لتقتله! فقلت: أيّها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني واتّبعه؛ فإنه والله لعلي الحقّ، وليظهرنّ عَلَى مَن خالفه كما ظهر موسى علي فرعون وجنوده. قال: قلت: فتبايعني له علي الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعتُه علي الإسلام، ثم خرجت إلي أصحابي؛ وقد حال رأيي عَمّا كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدًا لرسول الله لأسلم؛ فلقيتُ خالد بن الوليد -وذلك قبل الفتح- وهو مقبلٌ من مكة، فقلت: إلي أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم؛ وإن الرجل لنَبيّ، أذهب والله أسلِم؛ فحتّى متى! فقلت: والله ما جئتُ إلّا لأسلم، فقدمنا علي رسول الله ﷺ، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلَم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسولَ الله، إنّي أبايعك علي أن تغفرَ لي ما تقدّم منذنبي، ولا أذكر ما تأخّر! فقال رسولُ الله ﷺ. يا عمرو، بايع فإنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وإنّ الهجرة تجبُّ ما قبلها. فبايعته ثم انصرفت (١). (٣: ٢٩/ ٣٠ / ٣١).