Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 339360

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 521, entry [234]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 521, entry [234]Open original source
غزوة أُحد ١١٦ - قال أبو جعفر: وكان الَّذي هاج غزوة أحُد بين رسول الله ﷺ ومشركي قريش وقْعة بدر وقتل مَنْ قُتل ببدْر من أشراف قريش ورؤسائهم؛ فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزُّهريّ، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وعاصم بن عمر بن قَتادة، والحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ وغيرُهم من علمائنا؛ كلّهم قد حدّث ببعض هذا الحديث عن يوم أحُد، وقد اجتمع حديثهم كلّهم فيما سُقْتُ من الحديث عن يوم أحُد، قالوا: لما أصيبتْ قريش -أو من قاله منهم- يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القَلِيب، فرجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعِيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميَّة، في رجال من قريش ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر؛ فكلَّموا أبا سفيان بن حرب ومَنْ كانت له في تلك العِير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشرَ قريش، إنّ محمَّدًا قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حَرْبه، لعلَّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منَّا، ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلكأبو سفيان وأصحاب العِير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تهامة؛ وكلّ أولئك قد استَعووْا على حرب رسول الله. وكان أبو عَزَّة عمرو بن عبد الله ﷺ قد منّ عليه رسول الله ﷺ يوم بدر. وكان فقيرًا ذا بنات، وكان في الأسارى، فقال: يا رسولَ الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن عليّ صلَّى الله عليك! فمنّ عليه رسول الله ﷺ، فقال صَفوان بن أميَّة: يا أبا عزّة، إنك امرؤٌ شاعرٌ، فأعنَّا بلسانك، فاخرج معنا. فقال: إنّ محمدًا قد منَّ عليَّ فلا أريد أن أظاهِرَ عليه، فقال: بلَى فأعنَّا بنفسك، فلك الله إن رجعتَ أن أغنيَك، وإن أصِبْتَ أن أجعل بناتِك مع بناتي يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسر ويسر. فخرج أبو عزّة يسير في تهامة، ويدعو بني كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حُذافة بن جُمح؛ إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، ودعا جبير بن مُطْعِم غُلامًا له يقال له وحشيّ، كان حبشيًّا يقذف بحربة له قَذْف الحَبشة، قلَّما يُخْطئ بها، فقال له: اخرج مع النَّاس، فإن أنت قتلت عمّ محمد بعمي طُعَيمة بن عديٍّ فأنت عَتيقٌ. فخرجت قريش بحدّها وجَدّها وأحابيشها، ومَن معها من بني كِنانة وأهل تِهامة، وخرجوا معهم بالظُّعُن التماس الحفيظة؛ ولئلّا يفرّوا. فخرج أبو سفيان بن حرب -هو قائد النَّاس، معه هند بنت عُتبة بن ربيعة- وخرج عِكْرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أميَّة بن خلف بِبرْزَةَ - قال أبو جعفر: وقيل ببرَّة - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثَّقفيّة؛ وهي أمَّ عبد الله بن صفوان - وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبّه بن الحجَّاج، وهي أمّ عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدّار بسُلافة بنت سعد بن شهيد - وهي أمّ بني طلحة مُسافع والجُلاس وكلاب؛ قتلوا يومئذ وأبوهم - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرَّب إحدى نساء بني مالك بن حِسْل، مع ابنها أبي عزيز بن عمير؛ وهي أمّ مُصْعَب بن عمير، وخرجت عَمْرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة؛ وكانت هند بنت عُتْبة بن ربيعة كُلَّمَا مَرَّتْ بوحشيّ أو مَرَّ بها قالت: إيه أبا دَسْمَة! اشْف واشْتَف - وكان وحشيّيكنى أبا دَسْمة - فأقبلوا حتى نزلوا بعَينين بجبل ببطن السَّبْخَة؛ من قناة على شفير الوادي ممَّا يلِي المدينة. فلمَّا سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله ﷺ للمسلمين: إني قد رأيت بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْمًا، ورأيت أنِّي أدخلت يدي في درع حَصِينَة فأوّلتها المدينة؛ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام؛ وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. ونزلت قريش منزلَها من أُحُد يوم الأربعاء. فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسول الله ﷺ حين صلَّى الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحُد. فالتقوْا يومَ السّبت للنّصف من شوّال، وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن سَلول مع رأي رسول الله ﷺ، يرى رأي رسول الله ﷺ في ذلك: ألّا يخرج إليهم؛ وكان رسول الله ﷺ يكره الخروجَ من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحُد وغيرهم ممَّن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يروْن أنَّا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنا، فقال عبدُ الله بن أبي ابن سَلُول: يا رسولَ الله، أقمْ بالمدينة ولا تخرجْ إليهمْ؛ فوالله ما خرجنا منها إلى عَدوٍّ لنا قطّ إلّا أصاب منَّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فَدعْهم يا رسولَ الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم. ورماهم النِّساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله ﷺ، فلبِس لأمته؛ وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النَّجار، فصلَّى عليه رسول الله ﷺ؛ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا: استكرَهْنا رسول الله ﷺ ولم يكن ذلك لنا. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: قالوا: لما خرج عليهم رسول الله ﷺ قالوا: يا رسولَ الله؛ استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإنْ شئت فاقعُد صلى الله عليك! فقال رسول الله ﷺ: ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمَتَه أن يضَعها حتى يقاتل؛ فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كانوا بالشَّوط بين أُحد والمدينة انخزل عنه وعبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الناس،فقال: أطاعهم فخرج وعصاني؛ والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس! فرجع بمن اتَّبعه من الناس من قومه من أهل النِّفاق وأهل الرَّيب، واتَّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكّرُكم الله أن لا تخذلوا نبيَّكم وقومكم عند ماحضر من عدوّهم! قالوا: لو نعلم أنَّكم تقاتلون ما أسلمناكم؛ ولكنَّا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوْا عليه، وأبَوْا إلّا الانصراف عنه. قال: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم! . رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حَرّة بني حارثة، فَذبّ فرسٌ بذنبه، فأصاب كلّاب سيف، فاستلَّه، فقال رسول الله ﷺ وكان يُحبُّ الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف: شِمْ سيفَك، فإني أرى السيوف ستُسَلُّ اليوم. ثمّ قال رسول الله ﷺ لأصحابه: مَنْ رجُلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ، من طريق لا يمُرُّ بنا عليهم؟ فقال أبو حثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فقدّمه فنفذ به في حَرّة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلَك به في مال المِرْبع بن قيظيّ -وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر- فلمّا سمع حسن رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، قام يَحْثِي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله؛ فإني لا أحلُّ لك أن تدخل حائطي؛ قال: وقد ذكر لي أنه أخذ حَفنة من تراب في يده، ثم قال: لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ: لا تفعلوا؛ فهذا الأعمى البصر، الأعمى القلب. وقد بَدَر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله ﷺ عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجَّه، ومضى رسول الله ﷺ على وجهه؛ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدْوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال؛ وقد سَرّحت قريش الظّهْر والكُراع في زروع كانت بالصَّمْغة من قناة للمسلمين. فقال رجل من المسلمين حينَ نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أتُرعَى زروع بني قيلة ولمَّا نُضارب! وتعبَّأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل؛ ومعه مئتا فرس قد جَنَبُوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عِكْرمة بن أبي جهل، وأمَّرَ رسول الله ﷺ على الرُّماة عبد الله بن جُبَير، أخا بني عمرو بن عوف وهو يومئذمعلَمٌ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلًا، وقال: انضح عنا الخيل بالنَّبل لا يأتونا من خلْفنا إن كانت لنا أو علينا؛ فاثبت مكانك لا نؤْتيَنَّ من قِبَلك، وظاهر رسول الله ﷺ بين دِرْعين (١). (٢: ٤٩٩/ ٥٠٠ / ٥٠١/ ٥٠٢ وتكملته ٥٠٤ / وتكملته ٥٠٦/ ٥٠٧). ١١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كانت أم سَمُرة بن جندَب تحت مُرَيّ بن سِنَان بن ثعلبة، عمّ أبي سعيد الخُدريّ، فكان ربيبَه، فلمّا خرج رسول الله ﷺ إلى أُحد، وعرض أصحابه، فردّ من استصغر ردّ سَمُرة بن جندب، وأجاز رافع بن خديج، فقال سَمُرة بن جندب لربيبه مُرَيّ بن سنان: يا أبتِ، أجاز رسول الله ﷺ رافع بن خديج؛ وردني وأنا أصرع رافع بن خَديج، فقال: مُرَيّ بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني، وأجزت رافع بن خَدِيج وابني يصرعه! فقال النبي ﷺ لرافع وسمُرة: تصارعا، فصرع سمُرة رافعًا، فأجازه رسول الله ﷺ فشهدها مع المسلمين. قال: وكان دليل النبيّ ﷺ أبو حَثْمَة الحارثيّ (٢). (٢: ٥٠٥/ ٥٠٦).١١٨ - فحدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: لمَّا كان يومُ أحُد، ولقِيَ رسول الله ﷺ المشركين أجْلسَ رسول الله ﷺ رجالًا بإزاء الرّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير، وقال لهم: لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم، وإنْ رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا. فلمَّا لقِيَ القوم هزَم المشركين حتى رأيت النساء قد رَفعن عن سوقهنّ، وبدت خلاخيلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: مهلًا، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله ﷺ فأبَوْا، فانطلقوا، فلمّا أتوْهم صَرَف الله وجوههم؛ فأصيب من المسلمين سبعون (١). (٢: ٥٠٧/ ٥٠٨). ١١٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاس، قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلوْن من شوّال، حتَّى نزل أحُدًا، وخرج النّبي ﷺ، فأذّن في الناس فاجتمعوا، وأمَّر الزُّبَيْر على الخيل؛ ومعه يومئذ المِقداد بن الأسود الكِنديّ،وأعطى رسول الله ﷺ اللّواء رجلًا من قريش يقال له مُصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطَّلب بالحسَّر، وبُعِث حمزةُ بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين؛ ومعه عِكْرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزُّبَيْر، وقال: استقبلْ خالدَ بن الوليد؛ فكنْ بإزائِه حتَّى أوذنك، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحُنّ حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمِل اللات والعُزَّى، فأرْسلَ النبيّ ﷺ إلى الزُّبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد؛ فهزمه الله ومَنْ معه، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإنّ الله ﷿ وَعَدَ المؤمنين أن ينصرهم؛ وأنَّه معهم. وأنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس؛ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ: كونوا هاهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن فرّ منَّا، وكونوا حرّاسًا لنا من قِبَل ظهورنا. وأنّ رسول الله ﷺ لمَّا هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم بعضهم لبعض، ورأوا النساء مُصْعدات في الجبل، ورأوُا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ، فأدركوا الغنيمة قبلَ أن يسبقونا إليها؛ وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبُت مكاننا؛ فذلك قوله لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين أرادوا الغنيمة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبيّ ﷺ كان يريد الدُّنيا وعرضها؛ حتى كان يومئذ (١). (٢: ٥٠٨/ ٥٠٩).١٢٥ - فحدّثني بشر بن آدم، قال: حدَّثنا عمرو بن عاصم الكِلابيّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزُّبير: عَرَض رسول الله ﷺ سيفًا في يده يوم أحُد؛ فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقمت فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال: فأعرض عنِّي، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السَّيف بحقِّه؟ فقصت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقام أبو دُجَانة سماك بن خَرَشةَ، فقال: أنا آخذه بحقِّه؛ وما حقُّه؟ قال: حقه ألّا تقتل به مسلمًا، وألّا تفرّ به عن كافر؛ قال: فدفعه إليه. قال: وكان إذا أراد القتال أعْلِم بعصابة؛ قال: فقلت: لأنظرنّ اليوم ما يصنع، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلّا هتكه وأفراه؛ حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل، معهنّ دُفوف لهنّ، فيهنّ امرأةٌ تقول: نَحْنُ بناتُ طارقْ ... إنْ تُقْبلوا نُعانق ونَبْسُط النَّمَارقْ ... أو تدْبِرُوا نُفارقْفِراقَ غَيرِ وامِق قال: فرفع السّيف ليضربَها، ثم كفّ عنها. قال: قلت: كلّ عملك قد رأيت، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها! قال: فقال: أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة (١). (٢: ٥١٠/ ٥١١). ١٢٠ / أ- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فقال رسول الله ﷺ: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتَّى قام إليه أبو دُجَانة سماك بن خَرَشة أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحَنِيَ؛ فقال: أنا آخذه بحقَّه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه -وكان أبو دُجَانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلِم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم النَّاس أنه سيقاتل- فلمّا أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخذ عصابته تلك، فعصب بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصّفَين (٢). (٢: ٥١١). ١٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَمِ هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخْذِهنَّ قليل كثير؛ إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنَا القوم عنه يريدون النَّهب، وخلَّوْا ظهورنا للخيل؛ فأتينا من أدبَارنا وصَرخَ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتِلَ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم (٣). (٢: ٥١٣). ١٢٢ - قال أبو جعفر: فلمّا أتيَ المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهمالمشركون، وكان المسلمون لمّا أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثًا: ثلث قتيل، وثلث جريح، وثلث منهزم؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وأصيبت رَبَاعِيَةُ رسول الله ﷺ السفْلى، وشُقَّتْ شفته، وكُلِم في وجنتيه وجبْهته في أصول شعره، وعلاه ابنُ قميئة بالسّيف على شقّه الأيمن؛ وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقاص (١). (٢: ٥١٤/ ٥١٥). ١٢٣ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حُمَيد، عن أنس بن مالك، قال: لمَّا كان يوم أحدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله ﷺ وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يُفلح قومٌ خضَّبوا وجه نبيّهم بالدم. وهو يدعوهم إلى الله ﷿! فأنزل الله ﷿: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية (٢). (٢: ٥١٥). ١٢٣ / أ- قال أبو جعفر: وقاتَل مُصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ ومعه لواؤه حتى قتل؛ وكان الذي أصابه ابن قَمِيئة الليثيّ. وهو يظنّ أنَّه رسول الله ﷺ؛ فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدًا. فلما قتِل مُصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواءَ عليّ بن أبي طالب ﵁، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شُرَحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ؛ وكان أحدَ النّفر الَّذين يحملون اللِّواء، ثم مَرّ به سباع بن عبد العُزَّى الغُبْشانيّ -وكان يكنى بأبي نِيَار- فقال له حمزة بن عبد المطلب: هلمَّ إليّ يا بن مُقَطِّعة البُظور- وكانت أمّه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفيّ، وكانت ختَّانة بمكَّة - فلمَّا التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال وَحْشِيّ غُلامُ جبَير بن مطعِم: والله إني لأنْظُر إلى حمزة يَهُذُّ الناس بسيفه، ما يُليق شيئًا يمرُّ به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدَّمني إليه سباع بن عبد العزّى، فقال له حمزة: هلُمَّ إليّ يا بن مقطِّعة البظور! فضربه؛ فكأنما أخطأ رأسَه، وهززت حربتي حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت في لَبّته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبلنحوي، فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذتُ حربتي؛ ثم تنحَّيت إلى العسكر؛ ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كِلابَ بن طلحة؛ كلاهما يشُعره سهمًا؛ فيأتي أمّه سُلافة فَيَضَعُ رأسه في حجرها؛ فتقول: يا بنيَّ! مَنْ أصابك؟ فيقول: سمعتُ رجلًا حين رماني يقول: خذها وأنا ابن الأقلح! فتقول: أقلحيّ! فنذَرَتْ لله إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخَمْرَ. وكان عاصم قد عاهد الله ألّا يمسّ مشركًا أبدًا ولا يمسَّه مشركٌ (١). (٢: ٥١٦/ ٥١٧).١٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلّا أخته، عرفتْه بحسن بنانِه (١). (٢: ٥١٨/ ٥١٧). ١٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان أوّل مَنْ عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: "قُتِل رسول الله ﷺ "- كما حدثني ابن شهاب الزهريّ - كعب بن مالك، أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهرَان تحت المغْفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشرَ المسلمين أبشروا! هذا رسول الله ﷺ فأشار إليّ رسول الله ﷺ: أن أنصت. فلمّا عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض نحو الشِّعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والحارث بن الصَّقَة، في رهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله ﷺ في الشِّعب أدركه أبيّ بن خلف وهو يقول: أين مُحَمَّد! لا نجَوْتُ إن نجوتَ! فقال القوم: يا رسولَ الله، أيعطف عليه رجل مِنَّا؟ قال: دعوه، فلمَّا دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمَّة - قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلمَّا أخذها رسول الله ﷺ، انتفض بها انتفاضة تطايَرْنا عنه تطايُر الشَّعْراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تَدأدَأ منها عن فرسه مرَارًا (٢). (٢: ٥١٨).١٢٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقَّاص، أنه كان يقول: والله ما حَرَصْت على قتل رجل قطّ ما حرَصْت على قتل عُتْبة بن أبي وقَّاص؛ وإن كان ما علمتُ لَسيِّيء الخلق، مبغَّضًا في قومه؛ ولقد كفاني منه قولُ رسول الله ﷺ: "اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وجه رسول الله" (١). (٥١٩: ٢). ١٢٧ - حدَّثنا محمد بن الحُسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّديّ، قال: أتى ابن قميئة الحارثيّ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فرمى رسول الله ﷺ بحجر، فكسر أنفه ورباعيتَه، وشجَّه في وجهه، فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله ﷺ يدْعُو الناس: إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلّا طلحة وسهل بن حُنَيف، فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبسَتْ يَدُه، وأقبل أبيّ بن خَلف الجُمحي؛ وقد حلف ليقتلنّ النبي ﷺ، فقال: بل أنا أقتله، فقال: يا كذّاب، أين تَفِرُّ! فحمل عليه فطعنه النبيّ في جيب الدرع؛ فجرح جرحًا خفيفًا، فوقع يخورُ خُوَارَ الثور، فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة، فما يجزعك؟ قال: أليس قال: "لأقتلنَك"! لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم! فلم يلبث إلّا يومًا أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح (٢). (٢: ٥١٩/ ٥٢٠).١٢٧ / أ- وفشا في النَّاس أن رسول الله ﷺ قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمَنة من أبي سفيان! يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النّضر: يا قوم إن كان محمَّد قد قتِل؛ فإن ربّ محمد لم يقتل. فقاتِلوا على ما قاتل عليه محمَّد: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء! ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل؛ وانطلق رسول الله ﷺ يدعو النَّاس حتَّى انتهى إلى أصحاب الصخرة؛ فلمّا رأوه وَضَعَ رَجُلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه فقال: أنا رسولُ الله؛ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ﷺ حيًّا، وفرح رسول الله ﷺ حين رأى أنّ في أصحابه مَنْ يمتنع به؛ فلمَّا اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ ذهب عنهم الحزن؛ فأقبلوا يذكرون الفتح، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله ﷿ للذين قالوا: "إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم": ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَأَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). (٢: ٥٢٠). ١٢٧ / ب - فأقبل أبو سفيان حتّى أشرف عليهم، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وأهمَّهم أبو سفيان، فقال رسول الله ﷺ: ليس لهم أن يعلُونا؛ اللَّهمّ إنْ تقتَل هذه العصابة لا تُعْبَد! ثم نَدَب أصحابه، فرَمَوْهم بالحجارة حتى أنزلوهم؛ فقال أبو سفيان يومئذ: اعلُ هُبَل، حنظلة بحنظلة، ويومٌ بيوم بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة؛ وكان حنظلة بن أبي سفيان قُتِل يوم بدر؛ وقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم! فقال رسول الله ﷺ لعمر: قل: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: أفيكم محمَّد! أما إنَّها قد كانت فيكم مُثلة؛ ما أمرت بها ولا نهيت عنها، ولا سَرَّتْني ولا ساءتني؛ فذكر الله ﷿ إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ والغمّ الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغمّ الثاني: إشراف العدوّ عليهم، ﴿لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان (٢). (٢: ٥٢١).١٢٨ - قال أبو جعفر: وأما ابنُ إسحاق، فإنه قال - فيما حدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلمة عنه -: بينا رسول الله ﷺ في الشِّعب؛ ومعه أولئك النَّفر من أصحابه إذ علَتْ عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله ﷺ: اللَّهمَّ إنَّه لا ينبغي لهم أن يعلُونا؛ فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل؛ ونهض رسول الله ﷺ إلى صَخْرة من الجبل ليعلوها. وقد كان بدّن رسول الله ﷺ , وظاهَرَ بين دِرْعَين، فلما ذهب لينهض لم يستطع؛ فجلس تحتهطلحة بن عبيد الله، فنهض حتَّى استوى عليها (١). (٢: ٥٢١ - ٥٢٢). ١٢٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد: قال: قال رسول الله ﷺ، كما حدَّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزُّبير، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول يومئذ: أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع (٢). (٢: ٥٢٢). ١٣٠ - قال أبو جعفر: وقد كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود - وكان يقال له. ابن شَعوب. قد علا أبا سفيان، فضربه شدّاد فقتله، فقال رسول الله ﷺ: إن صاحبكم -يعني حنظلة- لتغسلُه الملائكة. فسلوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهائعة؛ فقال رسول الله ﷺ: لذلك غسَّلته الملائكة (٣). (٢: ٥٢٢).١٣١ - قال أبو جعفر: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم - فيما حدَّثنا هارون بن إسحاق قال: حدَّثنا مصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابن وكيع، قال: حدّثني أبي، عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: ثمّ إن أبا سفيان أشرف علينا، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: لا تجيبوه؛ مرتين، ثمّ قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: لا تجيبوه، ثم قال: أفِي القوم ابن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: أجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قُتِلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمرُ بن الخطَّاب نفسَه أن قال: كذبتَ يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك! فقال: اعْلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! فقال رسول الله ﷺ: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعْلَى وأجَل. قال أبو سفيان: ألا لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسول الله ﷺ: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال؛ أمَّا إنكم ستجدون في القوم مُثَلًا لم آمُرْ بها ولم تسؤني (١). (٢: ٥٢٦/ ٥٢٧). ١٣٢ - وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله ﷺ -كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنيّ أخي بني النَّجار، أن رسول الله ﷺ، قال: مَن رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ - وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج - أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسولَ الله ما فعل؛ فنظر فوجده جريحًا في القتلَى به رمَق، قال: فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر له: أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات، أبلغْ رسول الله عنِّي السَّلام، وقل له: إنّ سعدَ بن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جزي نبي عن أمته وأبلغ عني قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عُذْر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيِّكم ﷺ وفيكم عينٌتطرف، ثم لم أبرح حتَّى مات؛ فجئت رسول الله ﷺ فأخبرتُه خبرَه (١) (٢: ٥٢٨). وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطَّلب، فوجده ببطن الوادي قد بُقِرَ بَطْنُه عن كبده، ومثلَ به، فجُدِعَ أنفه وأذناه. ١٣٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، أنّ رسول الله ﷺ حين رأى بحمِزة ما رأى، قال: لولا أن تحزن صفيَّة أو تكون سنَّة من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطَّير؛ ولئن أنا أظهرَني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم؛ فلمَّا رأى المسلمون حزْن رسول الله ﷺ وغيظه على ما فُعِل بعمِّه، قالوا: والله لئن ظهرْنا عليهم يومًا من الدهر لنَمثُلَنّ بهم مُثْلَةً لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ! (٢) (٢: ٥٢٨/ ٥٢٩).١٣٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: أخبرني بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن ابن عباس. قال ابن حميد، قال سلَمة: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: إن الله ﷿ أنزل في ذلك من قول رسول الله ﷺ وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، إلى آخر السورة، فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المُثْلَة (١). (٢/ ٥٢٩). ١٣٥ - قال ابن إسحاق: وأقبلَتْ - فيما بلغني - صفيَّةُ بنتُ عبد المطلب لتنظر إلى حمزة - وكان أخاها لأبيها وأمها - فقال رسول الله ﷺ لابنها الزُّبَيْر بن العوام: القَها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال لها: يا أمّهْ؛ إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجِعي، فقالت: ولم، وقد بلغني أنه مُثِلَ بأخي وذلك في الله قليل! فما أرضانا بما كان من ذلك! لاحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله. فلمّا جاء الزبير رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، قال: خَلّ سبيلها، فأتَتْهُ فنظرتْ إليه وصَلّتْ عليه؛ واسترجعَتْ واستغفرت له؛ ثم أمرَ رسول الله ﷺ به فَدُفِن (٢). (٢: ٥٢٩).١٣٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عاصم بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، قال: لمَّا خرج رسول الله ﷺ إلى أُحد وقع حُسَيل بن جابر- وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقْش بن زَعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدُهما لصاحبه؛ وهما شيخان كبيران: لا أبا لك! ما تنتظر؟ فوالله إنْ بقي لواحد منّا من عمره إلّا ظِمْء حِمَار، إنَّما نحن هامة اليومِ أو غَدٍ؛ أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله ﷺ، لعلّ الله ﷿ يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في النَّاس، ولم يُعلَم بهما؛ فأمَّا ثابت بن وقْش فقتله المشركون، وأما حُسَيل بن جابر، اليَمَان، فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه؛ ولا يعرفونه. فقال حُذَيفة: أبي والله! قالوا: والله إنْ عرفناه. وصدقوا، قال حُذَيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين! فأراد رسول الله ﷺ أن يَدِيَهُ فتصدّق حُذَيفة بِديَتِه على المسلمين، فزادته عند رسول الله ﷺ خيرًا (١). (٢: ٥٣٠). ١٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أتيٌّ لا يُدْرَى من أين هو، يقال له قُزْمَان، فكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذُكِر له: إنّه لَمِنْ أهل النار؛ فلمَّا كان يوم أحُد، قاتل قتالًا شديدَّا، فقَتَل هو وحده ثمانيةً من المشركين أو تسعة؛ وكان شهمًا شجاعًا ذا بأس؛ فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظَفَر. قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون: والله لقد أبليت اليوم يا قُزمان؛ فأبشر! قال: بم أبشر! فوالله إن قاتلتُ إلّا على أحساب قومي؛ ولولا ذلك ما قاتلت؛ فلمّا اشتدّت عليه جراحته، أخذ سهمًا من كنانته فقطع رواهِشَه فنزفه الدم فمات؛ فأخبر بذلك رسول الله ﷺ، فقال: أشهد أنّي رسولُ الله حقًّا (٢)! (٢: ٥٣١).١٣٨ - قال: ومرّ رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظَفَر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم؛ فَذرَفتْ عينَا رسول الله ﷺ فبكى ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكيَ له! فلمّا رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حُضيْر إلى دار بني عبد الأشهل أمَرَ نساءهم أن يتحزَّمْنَ ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول الله ﷺ (١). (٢: ٥٣٢). ١٣٩ - قال أبو جعفر: فلمَّا انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفَه ابنته فاطمة، فقال: اغسِلي عن هذا دمَهُ يا بنيَّة؛ وناولها عليٌّ ﵇ سيفه، وقال: وهذا فاغسلي عنه؛ فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله ﷺ: "لئن كنتَ صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حُنَيف، وأبو دُجَانة سماك بن خَرَشَةَ" (٢). (٢: ٥٣٣).
Parsing and provenance details
Local passage ID
339360
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:234:916788
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain