page 295, entry [178]Open original source
١٤٧ - أحمدُ بن خَلَف، غَرناطيٌّ، أبو العبّاس. أظُنُّه ابنَ عبد الله ابن ملحانَ الطائيَّ المذكور قبلُ (٢). له رحلةٌ حجّ فيها وسَمع بمكّةَ شرَّفها الله من أبي المُظفَّر محمد بن عليِّ بن الحُسَين الشَّيْباني الطَّبَري سنةَ خمس وثلاثينَ وخمس مئة. ١٤٨ - أحمدُ (٣) بن خليل بن إسماعيلَ بن عبد الملِك بن خَلَف بن محمد بن عبد الله السَّكُوني، إشبيليٌّ لَبْليُّ الأصل، نزَلَها أوّلَ سَلَفِه زمنَ الفتح الأوّل، أبو العبّاس وأبو الفَضْل. رَوى عن أبيه وعمِّه الحاجِّ أبي محمد بن عبد الغفور، وجَدِّه للأُمِّ أبي إسحاقَ بن عُبَيد الله ابن المَوْصِلي، وأبي الأصبَغ عبد العزيز بن علي الطّحّان،واَباءِ بكر: ابنَيْ عَبْدَي الله: ابن الجَدِّ وابن العَرَبي، ويحيى بن محمد بن زَيْدان، وأبي الحَسَن بن أحمدَ الزُّهْري، وأبي الحَكَم عَمرِو بن زكريّا بن بَطّال، وأبي عبد الله بن أحمدَ ابن المُجاهد، وأبي العبّاس بن أبي مَرْوانَ واختَصَّ به، وأبي الفَضْل عِيَاض، وأبي القاسم ابن بَشْكُوال، وأبي محمد بن أحمدَ بن مَوْجُوال (١). وأجاز لهُ أبو الحَسَن شُرَيْح، وكان لا يَذكُرُه لصِغَره، وعَدَّ أبو العبّاس بنُ يوسُفَ بن فَرْتُون في شيوخِه أبا جعفر بن عبد العزيز ابن المُرْخِي، وأنكر ذلك أبو جعفر ابنُ الزُّبَيرِ زاعمًا أنّ وفاةَ ابن جعفر تقَدَّمت على مولدِ أبي العبّاس بنحوِ سنتينِ أو ثلاث، فوفاةُ أبي جعفبر سنةَ ثلاث وثلاثينَ وخمس مئة، ومولدُ أبي العبّاس سنةَ ستٍّ وثلاثين، وهذا تخليطٌ من أبي جعفرٍ لا أدري مِن أين جاءه، فقد وقَفْتُ في خطِّه على مولِدِ أبي العبّاس هذا أنه سنةَ ثمانٍ وعشرين، ذكَرَه في شيوخ أبي الخَطّاب محمد بن أبي العبّاس هذا، اللهمّ إلا أن يكونَ رَجَعَ عن ذلك لثَبْتٍ اقتضاه عندَه، فاللهُ أعلم. هذا، وقد قال أبو عبد الله ابنُ الأبّار: إنَّ مولدَ أبي العبّاس هذا سنةَ اثنتينِ وعشرينَ، فكيف تُنكَرُ روايتُه عن أبي جعفر ابن المُرخِي؟ هذا ما لا سبيلَ إليه. رَوى عنه بَنُوه: أبو بكرٍ يحيى (٢)، والمحمّدون: أبو الحَكَم (٣)، وأبو الفَضْل (٤)، وأبو الخَطّاب (٥)، وهو آخِرُ من حدَّث عنه، وأبو بكر ابنُ تَميم،وأبو عبد الله ابن خَلْفُون، وأبو عليٍّ عُمرُ بن محمد ابن الشَّلَوبِين، وأبو القاسم المَلّاحيُّ، وأبوا محمد: ابنُ أحمدَ بن جُمهور، وعبد الجليل بن عُمَيْر. وكان زاهدًا وَرِعًا شديدَ الانقباض عن مداخَلة الناس، صادِعًا بالحقِّ في مصالح المسلمينَ والأمورِ الدِّينية عندَ الأُمراء والسّلاطين، مقبُوضَ اليدِ عن قَبول صِلاتِهم مِقدامًا عليهم وَجّادًا للكلام في مجالسِهم لا تأخُذُه في الله لَوْمةُ لائم، جاريًا على منهاج سَلَفِه في الدِّين والفضل والزُّهد والنَّزاهةِ والعلم والعمل به، يُسِرُّ من الخير والزُّهد أكثرَ مما يُظهِر، عارفًا بالقراءاتِ ووجوهِها، عالمًا بالحديثِ وطُرُقِه وصحيحِه من سَقيمِه، متقدِّمًا في ذلك كلِّه، مؤيَّدًا عليه بقوّة الحِفظ وتوقّد المخاطر، ذاكرًا للفروع، مُشاوَرًا بصيرًا بالفتوى، دَرِبًا فيها، آخِذا من أُصولِ الفقه وعلم الكلام بأوفرِ حَظّ، خطيبًا بليغًا، شاعرًا مُحسِنًا، أديبًا بارعًا، مفوَّهًا يَخطُبُ ويُنشِدُ بديهًا من غير رَوِيّة، وخَطَبَ بِلَبْلةَ واستُقضيَ بها. قال أبو الحُسَين محمدُ بن محمد بن زَرْقُون: قلتُ للحافظِ أبي بكر ابن الجَدّ: إنك تكتُب إليه، يعني أبا العبّاس هذا، فتصِفُه بالمُشاوَر، وهي تَحْلِية ربّما كرِهها أهلُ الأمر وحَذَّروا من استعمالهِا، فالأوْلى ترْكُها احتياطًا عليكما، فقال لي: بيتُه بيتُ الشُّورى على القديم، فلا أرى أن أنقُصَ أحدًا منهم ما يَستحِقُّه ولا سيّما هذا، فإنه أهلٌ لها ولأكثرَ منها ويكونُ بعدُ ما أراد الله. وقال ابنُه أبو الخَطّاب: ذكَرَني الحافظُ أبو بكر ابنُ الجَدّ بعدَ وفاة والدي بمدّة وسأل عنّي، فجلستُ إليه، فدَعا في وترَحَّمَ على الوالد والجَدّ، وأذكُرُ من كلامِه في ترحُّمِه ذلك: ورَحمَ اللهُ تلك العِظامَ العِظام. وقال أبو بكر بنُ تميم: نزَلتُ معَه مرّةً في حِصن القَصر، فعلِمَ بنا أحدُ العمال من أصحابِ الفقيه، فصنَعَ له طعامًا واستَدْعانا للمَبِيت عندَه، قال أبو بكر: فقلتُ في نفْسي: اليومَ أعرِفُ وَرَعَ الشّيخ في أكل طعام هذا الرجُل، فلمّاصِزنا في منزلِه أخرَجَ إلينا أنواعًا من الأطعمة احتَفلَ فيها، فلمّا وُضِعت بينَ يدَي الشيخ أعظَمَ ذلك وقال للرجُل: هلّا أعلمتَني بهذا كلِّه حتى لا آخُذَ ما جَرَت لي به العادةُ من مقدارِ الغذاء، وتشَكَّى له بمعِدَتِه حتى صار الرجلُ إلى الاعتذار وكأنه أذنَبَ ذنبًا، إذْ لم يُعلِفه بذلك، فأكَلْنا الطعامَ ولا والله ما ذاق الشّيخُ منه لُقمةً واحدة، فعَظُم -والله- في نفْسي وازدَتُ به غبطة. وكان كثيرَ الاحتمال ممّن جَفَاه أو سَبَّه لا يرفَعُ بذلك رأسًا ولا يتغيَّرُ لمُعاديه، بل يَتودَّدُ إليه ويُظهِرُ بِرَّه وإكرامَه، وسَنُلمُّ بذكْرِ نُبذةٍ من أخبار سَلَفِه وآثارِهم في رَسْم خليلٍ أبيه إن شاء الله (١). ومن نَظْم أبي العبّاس هذا في ترتيبِ العلوم ما أنشَدَ عنه ابنُه أبو الخَطّاب [الكامل]: إنَّ العلوم لجَمَّة وأجلُّها ... علمُ القُرَانِ وسُنَّةِ المختارِ فاخفَظْ كتابَ الله واحوِ علومَهُ ... فإذا انتهيتَ فمِلْ إلى الآثارِ واعرِفْ صحيحَ روايةٍ وسَقيمَها ... وتحَرَّ هديَ السادةِ الأبرارِ وعلى الإمام الأصْبَحيِّ (٢) فعوِّلَنْ ... فَهُوَ العليمُ بموقع الأخبارِ ولتَحْوِ من علم الكلام جوامعًا ... تَهديكَ يومَ (٣) تحيُّرِ النُّظّارِ واقف الإمامَ الأشعريَّ تسِرْ على ... غرَّاءَ واضحةِ الصُّوى للساري والنّحوُ من شرطِ العلوم فإنه ... لِغوامضِ الأقوال كالمِسْبارِ مولدُه بِلَبْلةَ، وقد تقَدَّم الخلاف في تعيين ميقاتِه فراجِعْه، وتوفّي بها في رجبِ إحدى وثمانينَ وخمس مئة.