page 2086, entry [549]Open original source
٥٠٩ - مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ (¬٢) بْنِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الدُّبَاهِيِّ البَغْدَادِيُّ، الزَّاهِدُ شَمْسُ الدِّيْنِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ أَبِي العَبَّاسِ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ - أَوْ سَبْعٍ - وَثَلَاثِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "بَغْدَادَ". وَصَحِبَ الشَّيْخَ يَحْيَى الصَّرْصَرِيَّ (¬٣) - وَكَانَ خَال وَالِدَتِهِ - والشَّيخَ عَبْدَ اللهِ كُتَيْلَةَ (¬٤) مُدَّةً. وَسَافَرَ مَعَهُ، وَأَجَازَ لَهُ النَّشْتَبْرِيُّ (¬٥) مِنْ "مَارْدِيْنَ" وَجَاوَرَ بِـ "مَكَّةَ" عَشْرَ سِنِيْنَ، وَدَخَلَ"الرُّومَ" وَ"الجَزِيْرَةَ"، وَ"مِصْرَ" وَ"الشَّامَ"، ثُمَّ اسْتَوْطَنَ "دِمَشْقَ" وَتوُفِّيَ بِهَا (¬١). قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الزِّمَلْكَانِيِّ عَنْهُ: شَيخٌ، صَالِحٌ عَارِفٌ، زَاهِدٌ، كَثِيرُ الرَّغْبَةِ فِي العِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَالحِرْصِ عَلَى الخَيْرِ، وَالاِجْتِهَادِ فِي العِبَادَةِ، تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا، وَخَرَجَ عَنْهَا (¬٢) وَلَازَمَ العِبَادَةَ، وَالعَمَلَ الدَّائِمِ وَالجِدَّ، وَاسْتَغْرَقَ أَوْقَاتَهُ فِي الخَيْرِ، وَكَانَ لَدَيْهِ فَضْلٌ، وَعِنْدَهُ مُشَارَكَاتٌ جَيِّدَةٌ فِي عُلُوْمٍ، وَلَهُ عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ فِيْمَا يَكْتُبُهُ، وَطَلَبَ الفَوَائِدَ الدِّيْنِيَّةِ، مُتَقَشِّفٌ وَرِعٌ، صُلْبٌ فِي الدِّيْنِ، مُجَانِبٌ لِمَنْ يَخْشَى عَلَى دِيْنِهِ مِنْهُ، مُحِبُّ للصَّالِحِيْنَ وَأَهْلِ الخَيْرِ، مُنْقَطِعٌ عَنِ النَّاسِ مَهِيبٌ. يَقُومُ اللَّيْلَ وَيُكْثِرُ الصَّوْمَ، وَيُطِيْلُ الصَّلَاةَ بِخُشُوعٍ، وَإِخْبَاتٍ، وَاسْتِغْرَاقٍ، وَيَتْلُو القُرْآنَ العَظِيْمَ، لَا يُرَى خَالِيًا مِنْ أَفْعَالِ الخَيْرِ وَأَعْمَالِ البِرِّ، وَيَتَصَدَّقُ فِي السِّرِّ، وَيَنْصَحُ الإِخْوَانَ، وَيَسْعَى فِي مَصَالِحِهِمْ، وَيُحْسِنُ القِيَامَ علَى عِيَالِهِ، وَيُلَازِمُ الجَمَاعَاتِ فِي الجَامِعِ، وَلَا يَغْشَى السَّلَاطِيْنَ، وَلَا الوُلَاةَ، وَلَا أَهْلَ الدُّنْيَا، إِلَّا عِنْدَ ضَرُوْرَةٍ دِيْنِيَّةٍ، وَكَانَ يُخْشِنُ مَأْكَلَهُ وَمَلْبَسَهُ، وَيُحِبُّ طَرِيْقَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِذَا رَآهُ إِنْسَانٌ عَرَفَ الجِدَّ فِي وَجْهِهِ، يَقُوْمُ فِيْمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الحَقِّ، وَيَأْمُرُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ المَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَمَّا يَقْدِرُ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ المُنْكَرِ، وَلَمْ يَزَلْ كَذلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ.قَالَ البِرْزَالِيُّ: أَحَدُ المَشَايِخِ العَارِفِيْنَ الصَّالِحِيْنَ، وَلَهُ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَجَمْعٌ وَتَأْلِيْفٌ، وَهُوَ حَسَنُ الجُمْلَةِ، عَدِيْمُ التَّكْلِيْفِ، وَافِرُ الإِخْلَاصِ، مُتَّبِعٌ لِلْسُنَّةِ، حَسَنُ المُشَارَكَةِ فِي العِلْمِ، سَيِّدٌ مِنَ السَّادَاتِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ إِمَامًا، فَقِيْهَ النَّفْسِ، عَارِفًا بِمُعَامَلَاتِ القُلُوْبِ، صَحِبَ خَلْقًا مِنَ المَشَايِخِ، وَأَخَذَ عَنْهُمْ أَخْلَاقَ القَوْمِ وَطَرِيْقَهُمْ، وَكَانَ حَسَنَ المُجَالَسَةِ، مُتَّبِعًا لِلْسُّنَّةِ، مُحَذِّرًا مِنَ البِدْعَةِ، كَثِيْرَ الطَّلَبِ، تَرَكَ أَبَاهُ وَنِعْمَتَهُ وَتَجَرَّدَ، وَدَخَلَ "الرُّوْمَ" وَ"الجَزِيْرَةَ" وَ"الشَّامَ" وَ"مِصْرَ" وَ"الحِجَازَ"، يَصْحَبُ بَقَايَا الصُّوْفِيَّةِ، وَيَقْتَفِي آثَارَهُمْ، وَحَفِظَ كَثِيرًا عَنْهُمْ، وَعَنْ مَشَايِخِ الطَّرِيْقِ، وَأَنْفَقَ كَثِيْرًا مِنَ الأَمْوَالِ مِنْ مِيْرَاثِهِ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَقَرَأَ الفِقْهَ فِي شَبِيْبَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَحمَدَ، وَجَاوَرَ بِالحَرَمَيْنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةَ، وَتأَهَّلَ وَوُلِدَ لَهُ، فَلَمَّا لَمَعَتْ لَهُ أَنْوَارُ شَيْخِنَا - يَعْنِي: ابْنِ تَيْمِيَّةَ - وَظَفَرَ بِأَضْعَافِ تَطَلُّبِهِ: ارْتَحَلَ إِلَى "دِمَشْقَ" بِأَهْلِهِ، وَاسْتَوْطَنَهَا، عَلَّقَتُ عَنْهُ أَشْيَاءَ، وَسَمِعْتُ مِنْ تَأْلِيْفِهِ خُطْبَةً بِلِيغَةً، وَصَحِبْتُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةَ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ جُزْءًا بِإِجَازَتِهِ مِنَ النَّشْتَبَرِيِّ. قُلْتُ: سَمِعَ مِنْهُ البِرْزَالِيِّ، وَالذَّهَبِيُّ، وَذَكَرَاهُ فِي مُعْجَمَيهَا. قَالَ الذَّهَبِيُّ: ابْتُلِيَ بِضِيْقِ النَّفْسِ سَبْعَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بِالاِسْتِسْقَاءِ. وَانْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ يَوْمَ الخَمِيْسِ، رَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ إِحْدَى عشْرَةَ (¬١) وَسَبْعِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "قَاسِيُونَ" قَبْلَ الشَّيخِ عِمَادِ الدِّيْنِ الوَاسِطِيِّ بِيَوْمَيْنِ. وَأَنْشَدَنِي لِبَعْضِهِمْ (¬٢):الدَّهْرُ سَاوَمَنِي عُمْرِي فَقُلْتُ لَهُ … لَا بِعْتُ عُمْرِيَ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا ثُمَّ اشْتَرَاهُ تَفَارِيْقًا بِلَا ثَمَنٍ … تبَّتْ يَدَا صفْقَةٍ قَدْ خَابَ شَارِيْهَا وَذَكَرَ البِرْزَالِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ آخِرَ نَهَارِ الخَمِيْسِ المَذْكُوْرِ عِنْدَ الغُرُوبِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ضُحَى نَهَارِ الجُمُعَةِ بِالجَامِعِ، وَدُفِنَ غَرْبِيُّ تُرْبَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، ﵄.