page 1844, entry [479]Open original source
٤٤٠ - مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ (¬٢) بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُوْرٍ المَقْدِسِيُّ، نَزِيْلُ "مِصْرَ" قَاضِي القُضَاةِ، شَيْخُ الشُّيُوْخِ، شَمْسُ الدِّيْنِ، أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ العِمَادِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبِيهِ (¬٣).وُلِدَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ -وَقِيْلَ: الأحَدُ- سنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمَائَةَ بِـ"دِمَشْقَ" وَحَضَرَ بِهَا عَلَى ابْنِ طَبَرْزَدَ، وَسَمِعَ مِنَ الكِنْدِيِّ، وَابْنِ الحَرَسْتَانِيِّ، وَابْنِ مُلَاعِبٍ، وَالشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي الفَتْحِ بنِ عَبْدِ السَّلامِ، وَالدَّاهِرِيِّ، وَالسَّهْرَوَرْدِيِّ، وَجَمَاعَةٍ (¬١) وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَتَفَتَّنَ فِي عُلُوْمٍ شَتَّى، وَتزَوَّجَ بِهَا، وَوُلِدَ لَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى "مِصْرَ" وَسَكَنَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَعَظُمَ شَأْنُهُ بِهَا، وَصَارَ شَيْخَ المَذْهَبِ عِلْمًا وَصَلَاحًا، وَدِيَانَةً، ورِئَاسَةً، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ، وَوَلِيَ بِهَا مَشْيَخَةَ خَانِقَاهِ سَعِيْدِ السُّعَدَاء، وَتَدْرِيْسِ "المَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ" وَوَلِيَ قَضَاءَ القُضَاةِ مُدَّةً ثُمَّ عُزِلَ مِنْهُ، وَاعْتُقِلَ مُدَّةً، ثُمَّ أُطْلِقَ، فَأَقَامَ بِمَنْزِلهِ يُدَرِّسُ بِـ"الصَّالِحِيَّةِ" وَيُفْتِي، وَيُقْرِيءُ العِلْمَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. قَالَ عُبَيْدٌ الإسْعِرْدِيُّ الحَافِظُ: كَانَ مَشْهُورًا بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَحُسْنِ الطَّرِيْقَةِ، وَالمَنَاقِبِ المَرْضِيَّةِ، تَفَقَّهَ بِـ"دِمَشْقَ" وَ"بَغْدَادَ" وَأَفْتَى وَدَرَّسَ، وَوَلِىَ قَضَاءَ القُضَاةِ بِـ"الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ"، وَكَانَ شَيْخَ الشُّيُوْخِ بِهَا. قَالَ البِرْزَالِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" كَانَ حَسَنَ السَّمْتِ وَضِيْءَ الوَجْهِ، نَيِّرَ الشَّيْبَةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، وَكَانَ كَثيْرَ البِرِّ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ، كَثيْرَالتَّوَاضُعِ وَالتَّوَدُّدِ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِـ"المَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ" بِـ"القَاهِرَةِ" ثُمَّ وَليَ القَضَاءَ (¬١) ثُمَّ عُزِلَ وَحُبِسَ مُدَّةً بِسَبَب وَدَائِع أُكْرِهَ عَلَى أَخْذِهَا، أُخِذَتْ (¬٢) منْ بَيْتِهِ (¬٣) سَنَةَ سَبْعِيْنَ، وَاعْتُقِلَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ أُفْرِجَ عَنهُ وَلَزِمَ بَيْتَهُ يُدَرِّسُ وَيُفْتِي وَيُقْرِيءُ وَيتَعَبَّدُ، إِلَى أَنْ مَاتَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (¬٤). وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: اسْتَوْطَنَ "مِصْرَ" بَعْدَ الأرْبَعِيْنَ وَرَأَسَ بِهَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَصَارَ شَيْخَ الإِقْلِيْمِ في الأَيَّامِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَكَانَ إِمَامًا مُحَقِّقًا، كَثيرَ الفَضَائِلِ، صَالِحًا، خَيِّرًا، حَسَنَ السِّيْرَةِ، مَلِيْحَ الشَّكْلِ، كَثِيْرَ النَّفْعِ وَالمَحَاسِنِ. وَقَالَ القُطْبُ اليُوْنِيْنِيُّ: كَانَ مِنْ أَحسَنِ المَشَايِخِ صُوْرَةً، مَعَ الفَضَائِلِ الكَثِيْرَةِ التَّامَّةِ، وَالدِّيَانَةِ المُفْرِطَةِ، وَالكَرَمِ وَسَعَةِ الصَّدْرِ، وَأَظُنُّهُ جَعْفَرِيَّ النَّسَبِ (¬٥)، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بِـ"المَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ" لِلْحَنَابِلَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ القُضَاةِ مِنْهُمْ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ، وَتَوَلَّى مَشْيَخَةَ خَانِقَاهُ سَعِيْدِ السُّعَدَاءِ بِـ"القَاهِرَةِ" مُدَّةً. وَكَانَ كَامِلَ الأدَوَاتِ، سَيِّدًا، صَدْرًا مِنْ صُدُوْرِ الإسْلَامِ وَأَئِمَّتِهِمْ، مُتَبَحِّرًا فِي العُلُوْمِ، مَعَ الزُّهْدِ الخَارِجِ عَنِ الحَدِّ، وَاحْتِقَارِ الدُّنْيَا، وَعَدَمِ الاِلْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَكَانَ الصَّاحِبُ بَهَاءُ الدِّيْنِ -يَعْنِي ابْنِ جنَا- يَتَحَامَلُعَلَيْهِ، وَيُغْرِي المَلِكَ الظَّاهِرَ بِهِ؛ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الأَهْلِيَّةِ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُوْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَا يَخْضَعُ لَهُ. حَدَّثَ بِالكَثِيْرِ. وَسَمِعَ مِنْهُ الكِبَارُ، مِنْهُمُ: الدِّمْيَاطِيُّ (¬١) وَالحَارِثيُّ، وَعُبَيْدٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الإسْعَرْدِيُّ، وَالشَّرِيْفُ أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنِيُّ الحَافِظُ، وَعَبْدُ الكَرِيْمِ الحَلَبِيُّ. تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَانِي عَشَرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ"القَاهِرَةِ" وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ"القَرَافَةِ" عِنْدَ عَمِّهِ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ، وَكَانَ الجَمْعُ مُتَوَافِرًا، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.