page 1233, entry [289]Open original source
٢٥٠ - عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الحَسَنِ (¬٢) بنِ أَبي الفَرَجِ الجُبَّائِيُّ، الطَّرَابُلُسِيُّ، الشَّامِيُّ،الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، نَزِيْلُ "أَصْبَهَانَ" وَسَمَّى المُنْذِرِيُّ جَدَّهُ أَبَا الفَضْلِ، وَالأوَّلُ أَصَحُّ. قَالَ القَطِيْعِيُّ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلدِهِ فَقَالَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: مَوْلدُهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: سَأَلْتُهُ عَنْ نَسَبِهِ فَقَالَ لِي: نَحْنُ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: "الجُبَّةُ" مِنْ نَاحِيَةِ "بَشَرَّى" مِنْ أَعْمَالِ "طَرَابُلُسَ" فِي جَبَلِ "لُبْنَانَ" وَكُنَّا قَوْمًا نَصَارَى، فتوُفِّيَ أَبِي وَنَحْنُ صِغَارٌ، وَكَانَ أَبِي مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِيْهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمَّا مَاتَ نَفَذْتُ إِلَى المُعَلِّمِ، فَقَالَتْ وَالِدَتِي: وَلَدِي الكَبِيْرُ لِلْكَسْبِ وَعِمَارَةِ أَرْضِنَا، وَوَلَدِي الصَّغِيْرُ يَضْعَفُ عَنِ الكَسْبِ وَأَشَارَتْ إِلَيَّ، وَلَنَا أَخُ أَوْسَطُ، فَقَالَ المُعَلِّمُ: أَمَّا هذَا الصَّغِيْرُ يَعْنِيْنِي فَلَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ، وَلكِنَّ هَذَا -وَأَشَارَ إِلَى أَخِي- فَأَخَذَهُ وَعَلَّمَهُ؛ لِيَكُونَ مَقَامَ أَبِي، فَقَدَّرَ اللهُ أَنْ وَقَعَتْ حُرُوبٌ، فَخَرَجْنَا مِنْ قَرْيَتِنَا، فَهَاجَرْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَكَانَ فِي قَرْيَتِنَا جَمَاعَةٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، فَإِذَا سَمِعْتُهُمْ أَبْكَى، فَلَمَّا دَخَلْتُ أَرْضَ الإِسْلَامِ أَسْلَمْتُ، وَعُمْرِي أَحَدَ عَشَرَسَنَةً، ثُمَّ بَلَغَنِي إِسْلَامُ أَخِي الكَبِيْرِ، وَتُوُفِّيَ مُرَابِطًا، ثُمَّ أَسْلَمَ أَخِي الصَّغِيْرُ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ المُعَلِّمُ، وَدَخَلْتُ "بَغْدَادَ" فِي سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائةَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَصَابَهُ سَبْيٌ وَاسْتُرِقَّ. فَذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ -وَنَقَلْتهُ مِنْ خَطِّهِ- قَالَ: كَانَ مَمْلُوْكًا، فَقَرَأَ القُرْآنَ فِي حَلْقَةِ الحَنَابِلَةِ يَعْنِي بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" فَحَفِظَهُ، وَحَفِظَ شَيْئًا مِنْ عِبَادَاتِ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ، فَقَامَ قَوْمٌ إِلَى الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ نَجَا الوَاعِظِ (¬١)، وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ الوَعْظِ، فَقَالُوا: هَذَا الصَّبِيُّ قَدْ حَفِظَ القُرآنَ وَهوَ عَلَى خَيْرٍ، نُرِيْدُ أَنْ نَشْتَرِيَهُ وَيَعْتِقُ، فَاشْتُرِيَ مِنْ سَيِّدِهِ وَأُعْتِقَ، وَسَافَرَ عَنْ "دِمَشْقَ" وَطَلَبَ "هَمْذَانَ" (¬٢) وَلَقِيَ الحَافِظَ أَبَا العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَقَرأَ عَلَيْهِ القُرآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ، وَصَارَ عِنْدَ الحَافِظِ مُصَدَّرًا يُقْرِيءُ النَّاسَ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمْ، وَاشْتُهِرَ بِالخَيْرِ وَالعِلْمِ، وَدَخَلَ العَجَمَ، وَسَمِعَ الكَثيْرَ، وَرَجَعَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ حَدِيْثُهَا، وَلَقِيَ مَشَايِخَهَا، قَالَ: وَلَقِيْتُهُ بـ"بَغْدَادَ" وَاسْتَزَارَنِي إِلَى بَيْتِهِ، وَقَالَ لِجَمَاعَتِهِ: أَنَا مَمْلُوْكُ بَيْتِ الحَنْبَلِيِّ (¬٣)، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى "أَصْبَهَانَ". وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدَسِيُّ: كَانَ -يَعْنِي الجَبَّائِيَّ- رَجُلًاصَالِحًا، وَهُوَ مِنْ "جُبَّةَ طَرَابُلُسَ" وَسُبِيَ مِنْ "طَرَابُلُسَ" صَغِيْرًا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ابْنُ نُجَيَّةٍ وَأَعْتَقَهُ، فَسَافَرَ إِلَى "بَغْدَادَ" ثُمَّ إِلَى "أَصْبَهَانَ" وَكَانَ يَسْمَعُ مَعَنَا الحِدِيْثَ، انْتَهَى. سَمِعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِـ"بَغْدَادَ" مِنِ ابْن نَاصِرٍ الحَافِظُ (¬١)، والأُرْمَوِيِّ، وَابْنِ الطَّلَّايَةِ وَسَعِيْدِ بْنِ البَنَّاءِ، وَدَعْوَانَ بْنِ عَليِّ الجُبِّيَّ (¬٢)، وَأَبِي عَلِيٍّ حَمْدِ بْنِ شَاتِيْلَ القَاضي، وَأَبِي المُعَمَّرِ الأنْصَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ بِـ"أَصبَهَانَ" مِنْ أَبِي الخَيْرِ البَاغْبَانِ (¬٣)، وَمَسْعُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ بِـ"بَغْدَادَ" عَلى أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ القِطْعَةَ الَّتِي كَتَبَهَا مِنْ "شَرْحِ الهِدَايَةِ" وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ الجِيْلِيَّ مُدَّةً، مَائِلًا إِلَى التَّزَهُّدِ وَالصَّلَاحِ وَالخَيْرِ وَالاِنْقِطَاعِ، وَانْتَفعَ بِهِ، وَكَانَ يَحْكِي عَنْهُ كَثيْرًا مِنْ أَحْوَالِهِ وَكَرَامَاتِهِ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الحَسَنِ الجُبَّائِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ كِتَابَ (حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ) عَلَى شيْخِنَا أَبي الفَضْلِ بْنِ نَاصِرٍ، فَرَقَّ قَلْبِي، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَشْتَهِي أَنْ أَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ، وَأَشْتَغِلَ بِالعِبَادِ، وَمَضَيْتُ وَصَلَّيْتُ خَلْفَ الشَّيْخَ عَبْدِ القَادِرِ، فَلَمَّا صَلَّى جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ الاِنْقِطَاعَ فَلَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تتَفَقَّهَ وَتُجَالِسَالشُّيُوْخَ وَتَتَأَدَّبَ بِهِمْ، فَحِيْنَئِذٍ يَصْلُحُ لَكَ الاِنْقِطَاعَ، وَإِلَّا فتمْضِي وَتَنْقَطِعُ قَبْلَ أَنْ تتَفَقَّهَ، وَأَنْتَ فُرَيْخٌ مَا رَيَّشْتَ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيكَ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ دِيْنِكَ تَخْرُجُ مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَتَسْأَلَ النَّاسَ عَنْ أَمْر دِيْنِكَ، يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الزَّاوِيَةِ أَنْ يَكُوْنَ كَالشَّمْعَةِ يَسْتَضَاءُ بِنُوْرهِ. قَالَ: وَكَانَ الشَّيْخُ يَوْمًا يَتَكَلَّمُ فِي الإِخْلَاصِ وَالرُّيَاءِ وَالعَجَبِ، وَأَنَا حَاضِرٌ فِي المَجْلِسِ، فَخَطَرَ فِي نَفْسِي، كَيْفَ الخَلَاصُ مِنَ العَجَبِ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الشَّيْخُ، وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الأَشْيَاءَ مِنَ اللهِ، وَأَنَّهُ وُفَقَّكَ لِعَمَلِ الخَيْرِ، وَأَخْرَجْتَ نَفْسَكَ مِنَ الشِّيْنِ سَلِمْتَ مِنَ العَجَبِ. قَالَ أَبُو الفَرَجِ بْنُ الحَنْبَلِيِّ -وَكَتَبْتُهُ مِنْ خَطِّهِ- كَانَتْ حُرْمَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ الجُبَّائِيِّ كَبِيْرَةٌ بِـ"بَغْدَادَ" فَلَمَّا دَخَلْتُ "أَصْبَهَانَ" سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَجَدْتُهُ بِهَا وَهُوَ عَظِيْمُ الحُرْمَةِ، فَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي إِلَى زِيَارَتي، وَبِجَاهِهِ سَمِعْتُ عَلى الحَافِظِ أَبِي مُوْسَى (¬١) الجُزْءَ مِنَ "السُّبَاعِيَّاتِ"، فَإِنَّهُ كَانَ مَرِيْضًا، وَقَدْ حُجِبَ النَّاسُ عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَجْبِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ، فَدَخَلْنَا مَعَهُ، فَأَخَذَ الإِذْنَ مِنَ الحَافِظِ أَبِي مُوسَى لِي فِي القِرَاءَةِ علَيْهِ، وَكَانَ إِذَا مَشَى فِي السُّوْقِ قَامَ لَهُ أَهْلُ السُّوْقِ. وَحَكَى لِي الشَّيْخُ طَلْحَةُ -يَعْنِي العَلْثِيَّ- أَنَّ لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ -يَعْنِي الجُبَّائِيَّ- رِيَاضَاتٌ وَمُجَاهَدَاتٌ يَطُوْلُ ذِكْرُهَا. وَحَدَّثَنِي الشَّيْخُ طَلْحَةُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَيُثَابُ الرَّجُلُ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ،بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ؟ فَقَالَ: بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَلَامُ اللهِ بِحَرْفٍ وَبِصَوْتٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَكُوْنُ كَلَامٌ بِغَيْرِ حَرْفٍ وَصَوْتٍ؟! وَهَلْ يَكُوْنُ كَلَامٌ بِغَيْرِ حَرْفٍ وَصَوْتٍ؟! قَالَ: وَهَذَا المَنَامُ عِنْدِي بِخَطِّ الشَّيْخِ طَلْحَةَ، ﵀. حَدَّثَ الجُبَّائِيُّ ﵀ بِـ"بَغْدَادَ" وَ"أَصْبَهَانَ" وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِدَّةَ مَنَامَاتٍ فِي كُتُبِهِ، وَقَالَ: كَانَ مِنَ الصَّالِحِيْنَ. وَسَمِعَ مِنْهُ القَطِيْعِيُّ وَغَيْرُهُ بِـ"بَغْدَادَ" وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ فِي "مُعْجَمَهِ" (¬١) سَمِعَ مِنْهُ بِـ"أَصْبَهَانَ". وَتُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّمَائَةَ بِـ"أَصْبَهَانَ" ذَكَرَهُ ابنُ نُقْطَةَ وَالمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ القَطِيْعِيُّ: فِي مُسْتَهَلِّ الشَّهْرِ المَذْكُوْرِ. أَخْبَرنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيُّ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِنُ أَبِي الحَسَنِ الجُبَّائِيُّ -إِذْنًا- (أَثَنَا) أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنُ أَبِي غَالِبِ بْنِ الطَّلَّايَةِ (أَنَا) أَبُو الَقَاسِمِ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ الأَنْمَاطِيُّ (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن الذَّهَبِيُّ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ ابْنُ مُحَمَّدٍ (ثَنَا) عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ (ثَنَا) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْأَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (¬١) "أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيْدُ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَخًا لِي فِي قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: هَلْ لَهُ عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُّبُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ تَعَالَى، قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ: أَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيْهِ".