page 806, entry [185]Open original source
١٤٧ - سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرِ بْنِ سَعِيْدٍ (¬١)، المَعْرُوْفُ بِـ "ابْنِ الدَّجَاجِيِّ" وَ"ابْنِ الحَيَوَانِيِّ"، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، المُقْرِئُ، الصُّوْفِيُّ، الأَدِيْبُ، أَبُو الحَسَنِ، وَيُلَقَّبُ بِـ "مُهَذَّبِ الدِّينِ". وُلِدَ فِي أَوَّلِ رَجَبٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ بنِ الجَرَّاحِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطُ، وَسَمِعَ مِنْهُمَا، وَمِن أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ العَلَّافِ، وَأَبِي القَاسِمِ بْنِ بَيَانٍ، وَابْنِ الطُّيُوْرِيِّ، وَأَبِي الغَنَائِمِ النَّرْسِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ حَتَّى بَرَعَ، وَقَدْرَوَى عَنْهُ كِتَابَهُ "الهِدَايَةَ" تَصْنِيْفَهُ، وَ"قَصِيْدَتَهُ" فِي السُّنَّةِ وَغَيْرَهَا (¬١)، وَرَوَى عَنِ ابنِ عَقِيْلٍ كِتَابَ "الاِنْتِصَارِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ". قَالَ ابنُ الخَشَّابِ: هُوَ فَقِيْهٌ، وَاعِظٌ، حَسَنُ الطَّرِيْقَةِ، سَمِعْتُ مِنْهُ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: تَفَقَّهَ، وَنَاظَرَ، وَدَرَّسَ، وَوَعَظَ، وَكَانَ لَطِيْفَ الكَلَامِ، حُلْوَ الإِيْرَادِ، مُلَازِمًا لِمُطَالَعَةِ العِلْمِ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ: شَيْخٌ، فَاضِلٌ، صَحِيْحُ السَّمَاعِ، (ثَنَا) عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوْخِنَا، وَكَانَ ثِقَةً. وَقَالَ صَدَقَةُ بنُ الحُسَيْنِ فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ شَيْخًا، حَسَنًا، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ، وَكَانَ يَعِظُ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ، وَيُسْمِعُ الحَدِيْثَ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الفُقَهَاءِ الفُضَلَاءِ، وَشُيُوْخِ الوُعَّاظِ النُّبَلَاءِ، مَلِيْحَ الوَعْظِ، حَسَنَ الإِيْرَادِ، حَلْوَ العِبَارَةِ، حَسَنَ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ (¬٢). وَكَانَ يُخَالِطُ الصُّوفِيَّةٍ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ سَمَاعَ الغِنَاءِ، وَكَانَ مِنْ ظِرَافِ المَشَايِخِ. وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدَسِيُّ فَقَالَ: كَانَ شَيْخًا حَسَنًا، مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا وَوُعَّاظِهِمْ، صَحِبَ أَبَا الخَطَّابِ، وَابْنَ عَقِيْلٍ، وَرَوى عَنْهُمَا، سمِعْنَا عَلَيْهِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنْبَأَنَا سَعْدُ اللهِ بنُ نَصْرٍ قَالَ: كُنْتُ خَائِفًا مِنَ الخَلِيْفَةِ لِحَادِثٍ نَزَلَ، فَأَغْفَيْتُ، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي فِي غُرْفَةٍ أَكْتُبُ شَيْئًا، فَجَاءَرَجُلٌ فَوَقَفَ بِإِزَائِي، وَقَالَ: اكْتُبْ مَا أُمْلِي عَلَيْكَ، وَأَنْشَدَ: إِدْفَعْ بِصَبْرِكَ حَادِثَ الأَيَّامِ … وَتَرَجَّ لُطْفَ الوَاحِدِ العَلَّامِ لَا تَيْأَسَنَّ وَإِنْ تَضَايَقَ كَرْبُهَا … وَرَمَاكَ رَيْبُ صُرُوْفِهَا بِسِهَامِ وَلَهُ (¬١) تَعَالَى بَيْنَ ذلِكَ فَرْجَةٌ … تَخْفَى عَنِ (¬٢) الأَبْصَارِ والأَوْهَامِ كَمْ مَنْ نَجَا مِنْ بَيْنِ أَطْرَافِ القَنَا … وَفَرِيْسَةٌ سَلِمَتْ مِنَ الضِّرْغَامِ قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَسُئِلَ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ - وَأَنَا أَسْمَعُ - عَن أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، فَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا، وَأَمَرَنَا بِالتَّسْلِيمِ، وَأَنْشَدَ: أَبَى العَاتِبُ (¬٣) الغَضْبَانُ يَا نَفْسُ أَنْ يَرْضَى … وَأَنْتِ الَّتِي صَيَّرْتِ طَاعَتَهُ فَرْضَا فَلَا تَهْجِرِي مَنْ لَا تَطِيْقِيْنَ هَجْرَهُ … وَإِنْ هَمَّ بِالهِجْرَانِ خَدَّيْكِ وَالأَرْضَا قَالَ ابنُ القَطِيْعِيُّ: وَأَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بنُ أَبِي السَّرَايَا، قَالَ: أَنْشَدَنِي سَعْدُ اللهِ بنُ الدَّجَاجِيِّ لِنَفْسِهِ: مَلَكْتُمْ مُهْجَتِي بَيْعًا وَمَقْدِرَةً (¬٤) … فَأَنتُمْ اليَوْمَ أَغْلَى لِي وَأَغْلَالِي عَلَوْتُ فَخْرًا وَلكِنِّي ضَنِيْتُ هَوًى … فَأَنْتُمْ اليَوْمَ أَعْلَى لِي وَأَعْلَالِي وَزَادَ غَيْرُ ابنِ القَطِيْعِيِّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْتًا ثَالِثًا:أَوْصَى لِيَ البَيْنُ أَنْ أَشْقَى بِحُبِّكُمُ … فَقَطَّعَ البَيْنُ أَوْصَى لِي وَأَوْصَالِي وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: (¬١) لِي لَذَّةٌ فِي ذِلَّتِي وَخُضُوْعِي … وَأُحِبُّ بَيْنَ يَدَيْكَ سَفْكَ دُمُوْعِي وَتَضَرُّعِي فِي رَأْيِ عَيْنِكَ رَاحَةٌ … لِي مِنْ جَوًى قَدْ كُنَّ بَيْنَ ضُلُوْعِي مَا الذُّلُّ لِلْمَحْبُوْبِ فِي حُكْمِ الهَوَى … عَارٌ وَلَا جَوْرُ الهَوَى بِبَدِيْعِ هَبْنِي أَسَأْتُ فَأَيْنَ عَفْوُكَ سَيِّدِي … عَمَّنْ رَجَاكِ لِقَلْبِهِ المَوْجُوْعِ جُدْ بِالرِّضَى مِنْ عَطْفِ لُطْفِكَ وَاغْنِهِ … بِجَمَالِ وَجْهِكَ عَنْ سُؤَالِ شَفِيْعِ قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: كَانَ ابنُ (¬٢) الدَّجَاجِيِّ، قَدْ نَاظَرَ، وَوَعظَ، وَأَفْتَى، وَصَنَّفَ، لَهُ فَضْلٌ وَدِيْنٌ، وَخَاطِرٌ بَغْدَادِيٌّ، بَلَغَنِي أَنَّهُ حَضَرَ بِالدِّيوَانِ العَزِيْزِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَاسْتَدَلَّ شَخْصٌ بِحَدِيْثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ ابنُ البَغْدَادِيِّ الحَنَفِيُّ: هَذا الحَدِيْثُ لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ الخَصْمُ: قَدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِي وَمُسْلِمٌ، فَقَالَ ابنُ البَغْدَادِيُّ: قَدْ طَعَنَ فِيْهِمَا أَبُو حَنِيْفَةَ، فَقَالَ ابنُ الدَّجَاجِيُّ: هَلْ كَانَ مَعَ أَبي حَنِيْفَةَ مَلْحَمَةٌ؟ وَقَدْ قَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدٌ، وَابْنُ الأَخْضَرِ، وَابنُ سُكَيْنَةَ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَابْنُ عَمَادٍ الحَرَّانِيُّ، وَالأَنْجَبُ الحَمَّامِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. تُوُفِّيَ آخِرَ نَهَارَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍوَسِتِّينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ إِلَى جَانِبِ رِبَاطِ الزَّوْزَنِيِّ بِمَقْبَرَةِ الرِّبَاطِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: دُفِنَ هُنَاكَ إِرْضَاءً لِلْصُّوفِيَّةِ؛ لأَنَّهُ أَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً فِي حَيَاتِهِ، فَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَمَا زَالَ الحَنَابِلَةُ يَلُوْمُوْنَ وَلَدَهُ عَلَى هَذَا، يَقُوْلُوْنَ: مِثْلُ هَذَا الرَّجُلُ الحَنْبَلِيُّ أَيَّ شَيءٍ يَصْنَعُ عِنْدَ الصُّوْفِيَّةِ؟ فَنَبَشَهُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ بِاللَّيْلِ. قَالَ: وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَدُفِنَ عَلَيْهِمَا بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.