page 392, entry [227]Open original source
قاضي القضاة بهاء الدين السبكي ٧١٩ - ٧٧٣هـ، ١٣١٩ - ١٣٧١م أحمد بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام، العلامة الفقيه الأصولي المحدث قاضي القضاة بهاء الدين أبو حامد بن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي. مولده بالقاهرة في ليلة الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبعمائة، واستجاز له أبوه مشايخ عصره بديار مصر وبلاد الشام، ثم أحضر مجالس الحديث وأسمعه بالقاهرة من الحجاز، وأبي الحسن الواني، وأبو الفتح الدبوسي، والجلال الدلاصي، والبدر بن جماعة، والنجم بن خلكان، والشهاببن غانم، ويوسف بن محمد الكردي، ومحمد بن غالي، وغيرهم، وبدمشق من الحافظ جمال الدين المنوي، ومن أبي تمام الجزري، والذهبي، وخلائق أخر، وطلب العلم وتفقه بوالده، وبالشيخ مجد الدين الزنكلوني، والشيخ شمس الدين القماح، وغيرهم، وأخذ النحو عن الشيخ أثير الدين أبي حيان وغيره، وبرع في فنون، وأذن له بالإفتاء والتدريس وعمره عشرون سنة، ونظم الشعر الجيد، ولما ولي أبوه قضاء دمشق ولاه المنصور وظائف أبيه: تدريس المنصورية، والسيفية، ومشيخة الحديث بالجامع الطولوني، والجامع الظاهري، فقام بذلك أحسن قيام، ولما بلغ والده أنه درس أحسن منه أنشد: دروس أحمد خير من دروس علي ... وذاك عند علي غاية الأمل فأجاز في ذلك الصلاح الصفدي بقوله:لأن في الفرع ما في أصله وله ... زيادة ودليل الناس فيه جلى وقال فيه أيضاً: أبو حامد في العلم أمثال أنجم ... وفي النقد كالإبريز أخلص في السبك فأولهم من أسفرايني نشؤه ... وثانيهم الطوسي وثالثهم السبكي واستمر في وظائف والده إلى أن توفي والده، ومن بعده إلى أن ولي قضاء دمشق عوضاً عن أخيه تاج الدين، واستقر تاج الدين في الوظائف التي كانت بيد بهاء الدين، وذلك برضاء كل منهما، ثم صرف بأخيه وقدم إلى القاهرة على البريد، وأعيدت إليه وظائفه التي كانت بيده أولاً، وأضيف إليه قضاء العسكر عوضاً عن بهاء الدين أبي البقاء. ثم توجه إلى الحج، وأقبل على العبادة، وانقطع عن الدنيا وتزهد، وجاور بمكة، وصنف التصانيف المفيدة، من ذلك: شرح مختصر ابن الحاجب فيأصول الفقه، وشرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان، وصنف شرحاً كبيراً على الحاوي في الفقه لم يكمله، وله ديوان خطب، وفوائد كثيرة. وكان والده يعظمه كثيراً، ويفضله على أخيه تاج الدين، يأتي ذكر الأخ في محله إن شاء الله تعالى، وأثنى عليه جماعة من الأئمة. ذكره الذهبي في المعجم المختصر وقال: له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى، ساد وهو ابن عشرين سنة، ودرس في مناصب أبيه، انتهى كلام الذهبي. وكذلك أثنى عليه ابن الأثير وغيره. قلت: وعلمه مشهور، وفضله مأثور، وله نظم ونثر وخطب، ومن شعره قصيدة لما زار النبي ﷺ، وأنشدها بالحضرة الشريفة، منها: وقف في حمى خير الورى بتأدب ... وذل وكسر وافتقار وخشية وقل يا أعز المرسلين ومن له ... على ذروة العلياء أعظم رتبةوخير نبي جاء من خير عنصر ... بخير كتاب قد هدى خير أمة وأولهم فضلاً وبشراً إذا دعوا ... وأخرهم بعثاً وأوسط نسبة لك المعجزات الغر لاحت خوارقاً ... وباهر آيات عن الحصر جلّت ومدح الأثير أبا حيان بقصيدة أولها: فداكم فؤاد حان بالعيد فقده ... وصب قضى وجدا وما حال عهده وقلب جريح بالغرام متيم ... وطرف قريح طال في الليل سهده فأجابه بقصيدة أولها: أبو حامد حتم على الناس حمده ... لما حاز من علم به كان رشده وهي طويلة، وقد ضمن البيت المشهور من قصيدة عبد الله بن المعتز: علموني كيف السلوّ وإلا ... فاحجبوا عن مقلتي الملاحا فقال: بي ظباء قد تربت صباحاً ... نورها أصبح يحكي الصباحا قلت للعذال لما تغالوا ... في ملامي بعد ما العذر لاحا علموني كيف السلو وإلا ... فاحجبوا عن مقلتي الملاحا ثم توجه إلى مكة وجاور بها، وكان بمكة أيضاً الشيخ برهان الدينالإبناسي، المتقدم ذكره، في أثناء السنة مرضاً أشفى منه على الموت، فبعث الشيخ بهاء الدين المذكور قاصداً من مكة إلى القاهرة يسأل في وظائف الإبناسي أن تستقر باسمه، وقد غلب على ظنه أنه لا يعيش من هذا المرض، ثم دخل عليه السبكي بعد أيام يعوده، فإذا به قد تناقص مرضه، فتحادثا ساعة وكان تجاههما نعش قد جدد عمله، فنظر بهاء الدين السبكي إلى النعش ثم قال للإبناس: يا شيخ برهان الدين أتدري ما يقول هذا النعش؟. فقال إنه يقول: انظر إلي بعقلك ... أنا المعد لحملك أنا سرير المنايا ... كم سار مثلي لمثلك ثم أخذ الشيخ بهاء الدين يحسن للإبناسي أن يتوجه معه إلى المدينة النبوية، فاعتل بما به من المرض، فما زال به حتى أذعن، وخرجا من مكة إلى المدينة فأقاما بها مدة، ثم سارا عائدين إلى مكة، فلما نزلا الحجفة حم بهاء الدين صاحب الترجمة، فقدم مكة وقد اشتد به مرضه إلى أن توفي بمكة في ليلة الخميس سابع شهر رجب عام ثلاث وسبعين وسبعمائة، ﵀.وسبك قرية بالمنوفية، يأتي ذكرها في ترجمة والده تقي الدين السبكي، إن شاء الله تعالى.