page 586, entry [790]Open original source
٧٣٦ - محمد بن محمود بن أبي بكر الونكرمي التنبكتي عرف ببغيع (١). بباء مفتوحة فغين معجمة فياء مضمومة فعين مهملة مضمومة، شيخنا وبركتنا الفقيه العالم المتفنن الصالح العابد الناسك المفتي، من خيار عباد اللَّه الصالحين والعلماء العاملين مطبوعًا على الخير وحسن النية وسلامة الطوية والانطباع على الخير واعتقاده في الناس حتى كاد يتساوى عنده الناس في حسن ظنه بهم وعدم معرفة الشر، مع السعي في قضاء الحوائج وارتكاب ضرر نفسه فيه والتفجع لمكروههم والإصلاح بينهم ونصحهم إلى محبة العلم وملازمة تعليمه ودرسه وصرف أكثر وقته فيه ومحبة أهله والتواضع التام ومساعدتهم والاعتناء بهم وبذل نفائس الكتب الغريبة العزيزة لهم، بحيث لا يفتش بعد ذلك عنها كائنًا ما كان من جميع الفنون فضاع له بذلك جملة من كتبه نفعه اللَّه تعالى بذلك. وربما يأتي لباب داره طالب فيرسل له براءة فيها اسم كتاب بطلبه فيخرجه من الخزانة ويرسله له من غير معرفته من هو فكان في ذلك العجب العجاب إيثارًا لوجهه تعالى، مع محبته للكتب وسعيه في تحصيلها شراء ونسخًا، وقد جئته يومًا أطلب منه كتب نحو ففتش في داره فأعطاني كل ما ظفر به منها، وكان له صبر عظيم على التعليم آناء النهار وحصل على ايصال الفائدة للبليد بلا ملل ولا كسل حتى يضجر حاضروه وهو لا يكثرت، فنفع اللَّه به كثيرًا حتى سمعت بعض أصحابنا يقول: أظن هذا الفقيه شرب ماء زمزم لئلا يمل في الإقراء تعجبًا منه لما رأى من صبره، مع ملازمة العبادة وصلاح النية والتجافي عن رديء الأخلاق وإضمار الخير لجميع البرية حتى للظلمة، مقبلًا على ما يعنيه متجنبًا الخوض في الفضول.ارتدى من العفة والمسكنة أزين رداء، وأخذ بيده من النزاهة أقوى لواء مع سكينة ووقار وحسن أخلاق سهلة الورود والإصدار فألقى له المحبة في القلوب كافة وأثنوا عليه بلسان واحد إلى الغاية، فلا ترى إلا محبًا له مادحًا ومثنيًا بالخير صادقًا اتفق على هديه الألسنة وائتلفت عليه الأفئدة، طويل الروح في التعليم لا يأنف من مبتدئ ولا بليد. أفنى فيه عمره مع تشبته بحوائج العامة وأمور القضاة إذ لم يصيبوا عنه بديلًا ولا نالوا له مثيلًا، طلب من جهة السلطان بتولية قضاء محل السلطنة فأنف منه وامتنع وأعرض عنه واستشفع فخلصه اللَّه تعالى، لازم الإقراء لاسيما بعد موت سيدي أحمد بن سعيد، أدركته أنا يقرئ من صلاة الصبح أول وقته إلى الضحى الكبيرة دولًا مختلفة ثم يقوم لبيته ويصلي الضحى مدة وربما مشى بعدها للقاضي في أمر الناس ويصلح بين الناس، ثم يقرأ في بيته وقت الزوال ثم يصلي الظهر بالناس ويدرس إلى العصر ثم يصليها ويذهب إلى موضع آخر يدرس فيه إلى الاصفرار أو قرابه وإذا صلى المغرب درس في الجامع إلى العشاء ثم رجع لبيته، وسمعت أنه يحيي آخر الليل دائمًا. وكان مع ذلك محققًا دراكًا ذكيًا فطنًا غواصًا على اللطائف حاضر الجواب سريع الإدراك وجودة الفهم معروفًا بذلك، أخذ العربية والفقه على أبيه القاضي الصالح محمود وعلى خاله الفقيه الصالح ثم رحل لتنبكت مع أخيه الفقيه الصالح أحمد فلازما الفقيه أحمد بن سعيد في المختصر ثم حجا مع خالهما فلقوا بمصر الناصر اللقاني والتاجوري والزين البحيري والشريف يوسف والبرهمتوشي الحنفي، والشيخ الإمام ولي اللَّه محمد البكري وغيرهم فحصّلا هناك ما حصّلا. ثم رجعا بعد أداء فريضة الحج وموت خالهما فاستوطنا تنبكت فأخذا أيضًا عن ابن سعيد الفقه والحديث وقرأ عليه المدونة والموطأ والمختصر وغيرها ولازماه، وعلى السيد الوالد أحمد بن أحمد الأصول والبيان والمنطق فقرأ عليه أصول السبكي والتلخيص.وحضر عليه شيخنا الخونجي ولازم مع ذلك الإقراء فحصل له علوم حتى صار في آخرة الحال شيخ وقته في الفنون لا نظير له. لازمته أكثر من عشر سنين فقرأت عليه بلفظي مختصر خليل وفرعي ابن الحاجب قراءة بحث وتحقيق وتحرير ختمتها عليه، أما خليل فمرارًا عديدة نحو عشر مرات أو ثمان بقراءتي وقراءة غيري، وحضرت عليه التوضيح كذلك لم يفتني منه إلا اليسير من الوديعة إلى الأقضية عليه وختمت عليه الموطأ قراءة تفهم، وحضرته كثيرًا في المنتقى والمدونة بشرح المحلي ثلاث مرات وألفية العراقي في علم الحديث مع شرحهما، وحضرتهما عليه مرة أخرى وختمت عليه تلخيص المفتاح مرتين وبعض الثالث بمختصر السعد وصغرى السنوسي مع شرح الجزيرية وحضرت عليه الكبرى وشرحها وقرأت عليه حكم ابن عطاء اللَّه مع شرح زروق عليه ونظم أبي مقرعة والهاشمية في التنجيم مع شرحها ومقدمة التاجوري فيه ورجز الغيلي في المنطق والخزرجية في العروض بشرح الشريف والدماميني وكثيرًا من تحفة الحكام لابن عاصم في الأحكام مع شرح ولده عليها، وسمعت بقراءته هو كثيرًا من البخاري ومسلمًا كله ودولًا من مدخل ابن الحاج وبقراءة غيري دروسًا من الرسالة والألفية وغيرها. وسمعت بلفظه جامع معيار الونشريسي كاملًا وهو مجلد كبير ومواضع أخر منه وباحثته كثيرًا في المشكلات وراجعته طويلًا في المهمات. وبالجملة فهو شيخي وأستاذي ما انتفعت بأحد انتفاعي به وبكتبه، ﵀ ونفعه، وأجازني جميع ما يجوز له وعنه وكتب لي بخطه في ذلك وأوقفته على بعض تآليفي وتقاييدي فكتب لي بخطه الثناء والموافقة بل كتب عني أشياء من أبحاثي لحسن نيته، وسمعته ينقل في دروسه بعضها لإنصافه وتواضعه وقبوله الحق حيث تعين. وكان حاضرًا معنا يوم الكائنة العظمى علينا بتنبكت فنجاه اللَّه تعالى، فكان آخر عهدي به، ثم بلغني وفاته بها يوم الجمعة من شوال في عام اثنين. وألف، رحمه اللَّه تعالى، وأخبرني أن مولده سنة ثلاثين وتسعمائة، وله تعاليقوطرر نبه فيها على هفوات لشرح خليل وغيره وتتبع شرح التتائي الكبير من أوله التي آخره فبين ما فيه من السهو نقلًا وتقريرًا في غاية الإفادة، وقد جمعتها في عدة كراريس تاليفًا مستقلًا، وله فتاوى عديدة.