page 458, entry [634]Open original source
٥٨٠ - محمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن عباد النفزي الرندي، شهر بابن عباد (٣). الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف باللَّه، قال ابن الخطيب القسنطيني فيه: الخطيب الشهير الصالح الكبير، وكان ولده خطيبًا نجيبًا فصيحًا، وكان والده هذا ذا عقل وسكون وزهد بالصلاح مقرون، يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران العبدوسي، وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر وخيارهم، له كلام عجيب في التصوف وصنف فيه، وله فيه قلم انفرد به وسلم له فيه بسببه ألف شرح حكم ابن عطاء اللَّه في سفر، ورأيت في ظهر نسخة منه مكتوبًا ما نصه: لا يبلغ المرء في أوطانه شرفًا ... حتى يكيل تراب الأرض بالقدم ومن كلامه: الاستئناس بالناس من علامة الافلاس، وفتح باب الأنس باللَّه تعالى الاستيحاش من الناس، ومن لازم الكون وبقي معه وقصر عليههمته لم تفتح له طريق الغيوب الملكوتية ولا خلص له سير إلى قضاء مشاهد الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته إلى غيرها من كلامه. وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان وهو لا يريد ذلك، وما رأيته قط في غير مجلس العلم جالسًا مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة، وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيرًا ثم دعا لي، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير، يخدم نفسه، لم يتزوج ولم يملك أمة، ولباسه في داره مرقعة يسترها إذا خرج بثوب أخضر أو أبيض. له تلاميذ أخيار مباركون، بلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهبًا، وهو الآن إمام جامع القرويين وخطيبه، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة "إذا جاء نصر اللَّه" وأكثر خطبه وعظ، ومثله يعظ الناس لاتعاظه في نفسه، أوحى اللَّه لعيسى، ﵇، يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحصي مني، ذكره الغزالي وهو على صفة البدلاء الصادقين النبلاء، كثر اللَّه أمثاله- اهـ. قال صاحبه الشيخ أبو زكرياء السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي الإمام المصنف السالك العارف الرباني المحقق، ذو العلوم الباهرة والمحاسن المتظاهرة سليل الخطباء ونتيجة العلماء ابن الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل إبراهيم بن أبي بكر بن عباد، كان حسن الخَلق والخُلق عالي الهمة متواضعًا معظمًا عند الخاصة والعامة، نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة وعفاف وصيانة وحفظ القرآن ابن سبع سنين ثم طلب العلوم بعده نحوًا وأدبًا وأصولًا وفروعًا حتى حصلها ورأس فيها ثم أخذ في التصوف وبحث عن الأسرار الإلهية حتى أشير إليه وتكلم في علم الأحوال والمقامات والعلل والأفات، وألف فيه تآليف عجيبة بديعة. وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين ودرس كتبًا وحفظها أو جلها كالشهاب القضاعي والرسالة ومختصر ابن الحاجب وتسهيل ابن مالكومقامات الحريري وفصيح ثعلب وقوت القلوب وغيرها، وأخذ ببلده عن أبيه القرآن وغيره، وعن خاله القاضي الفقيه عبد اللَّه الفربسي العربية وغيرها والخطيب أبي الحسن الرندي عرض عليه الرسالة والإمام العلّامة المحقق الشريف التلمساني جمل الخونجي تفهمًا وغيره، والقاضي العالم المقري كثيرًا من مختصر ابن الحاجب الفرعي وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقهًا، والعالم الفقيه عبد النور العمراني الموطأ والعربية والإمام الابلي إرشاد أبي المعالي وجمع أصلي ابن الحاجب وعقيدته تفقهًا، والفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقهًا، والأستاذ أحمد بن عبد الرحمن المجاصي، شهر بالكناسي جمل الزجاج والتسهيل، والفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جمع فرعي ابن الحاجب والحاجبية له تفقهًا. وتفقه على الفقيه أبي محمد الوانغيلي في ابن الحاجب الفقهي، وأخذ عنه حرف نافع وعن الفقيه الصالح المدرس أبي محمد عبد اللَّه الفشتالي كثيرًا من التهذيب تفقهًا وعن غيره ولقي بسلا الزاهد الورع الحاج ابن عاشر وأقام معه وأصحابه سنين عديدة، قال: قصدتهم لوجدان السلامة معهم، ثم رحل لطنجة فلقي الشيخ أبا مروان عبد الملك الصوفي قال: لازمته كثيرًا وقرأت عليه وتردد بيننا مسائل في إقامته بسلا، وانتفعت به عظيمًا في التصوف وغيره. مولده عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة وتوفى بعض عصر الجمعة رابع رجب عام اثنين وتسعين وحضر جنازته الأمير فمن دونه وهمت العامة بكسر جنازته ولم أر أحفل ولا أكثر خلقًا منها، ورثاه الناس بقصائد كثيرة- اهـ. زاد الشيخ زروق أنه رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية ثم عاد وصحب بسلا أفضل أهل زمانه علمًا وعملًا أحمد بن عاشر فظهر عليه من بركته ما لا يخفى ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيبًا بجامع القرويين بفاس وبقي بها خمسة عثر عامًا حتى توفي، وكان ذا صمت وسمتوتجمل وزهد، معظمًا عند الكافة معولًا في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم: ومن علمه أن ليس يدعى بعالم ... ومن فقره أن لا يرى يشتكى هجرًا ومن حاله أن غاب شاهد حاله ... فلا يدعي وصلًا ولا يشتكي هجرًا وكتبه شاهدة بكماله علمًا وعملًا كافية في تعريفه، وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم أبو زكريا السراج، وله أكثر رسائله وأبو الربيع سليمان ابن عمر- اهـ. وقال في موضع آخر: الفقيه العارف المحقق الخطيب البليغ، نسيج وحده من شيوخه الشريف التلمساني والابلي، مزيته معروفة شرقًا وغربًا ورأيت تأليفًا له في الإمامة سماه تحقيق العلامة في أحكام الإمامة. وقال لي شيخنا القوري، وكان معتنيًا بكتبه معولًا عليه في حاله: أظنه لوالده إبراهيم كان خطيبًا بالقصبة -اهـ- وله خطب حسنة الموقع عظيمة الفصاحة- اهـ. وقال أبو يحيى بن السكاك: شيخي ابن عباد سرح الحكم ونظمها نظمًا بديعًا، وجمعت من انشائه رسائل تدور على الإرشاد إلى البراءة من الحول والقوة، فيها نبذ كأنفاس الأكابر مع حسن التصرف في طريق الشاذلي وجودة تنزيله على صور جزئية وبسط التعبير أقصى غاية البيان والتفنن في تقريب الغامض للأذهان بأمثلة وضعية قرب بها حقائق الشاذلية تقريبًا لم يسبق إليه، كما قرب الإمام رشد مذهب مالك تقريبًا لم يسبق إليه، آية في التحقيق بالعبودية والبراءة من حول وقوة لا يبالي بمدح ولا ذم بل مقاصده نفيسة في الاعراض عن الخلق وعدم المبالاة بهم. وكان عظيم الاضطراب إذا حضر حيث ينسى فيه الحق لا سيما إن كان ذلك لأجله فيضيق صدره غاية على اتساعه، وقال بعض خواص أصحابه لما مات الشيخ وتبصرت من أحواله وأفعاله مما شاهدته منه ما يدل على القطع بصدّيقيته فلاح لي أن صفات رجال الرسالة القشيرية مشخصة فيه، ولو لم أره لقلت ما رأيت كمالًا.وهو على الجملة واحد عصره بالمغرب، وذكر عن قطب المعقول شرقًا وغربًا الابلي أنه كان يشير إليه يعني ابن عباد في حال قراءته عليه ويقول: إن هناك علمًا جمًّا لا يوجد عند مشاهير أهل ذلك الوقت إلا أنه لا يتكلم. وشهد له المقطوع بولايته بتقدمه وشيوخه كسيدي سليمان اليازغي ومحمد المصمودي وسليمان بن يوسف بن عمر الأنفاسي وأمثالهم، وكان شيخه ابن عاشر يشيد بذكره ويقدمه على أصحابه ويأمرهم بالأخذ عنه والتسليم له ويقول: إنه أمة وحده لا شك أنه كذلك، كان غريبا إذ العارف غريب الهمة بعيد القصد لا يساعد على قصده. وكان الغالب عليه الحياء من اللَّه وتنزيل نفسه منزلة أقل الحشرات لا يرى لها مزية على شيء لغلبة هيبة الجلال عليه وشهود المنة، ينظر لجميع العباد بعين الرحمة والشفقة والنصيحة، مع توفية الحقوق والوقوف مع الحدود الشرعية واعتبار مراد اللَّه، هذا دأبه مع الطائع والعاصي إلا أن يظهر له من أحد حب التكبر والمدح والتجبر على المساكين مع الدعوى التي لا تليق بالعبد. ومن حاله تألف قلوب الصغار فهم يحبونه محبة تفوق محبة والديهم، ينتظرون خروجه للصلاة وهم عدد كثير يأتون من كل أوب من مكاتب بعيدة، فإذا رأوه تزاحموا على تقبيل يده، وكذا ملوك وقته يزدحمون عليه متذللين له فلا يحفل بذلك. وذكر لي بعض أصحابه أن أقواله لا تشبه أفعاله لما منح من فنون الاستقامة مع حلاوة كلامه ونوره حتى استفزت عقول المشارقة بحيث صار لهم بحث عريض على تآليفه -اهـ- ملخصًا. قلت: وقد وقفت على رسائله الكبرى والصغرى وشرح الحكم ونظمها رجزًا في ثمانمائة بيت.