page 234, entry [326]Open original source
٢٩٠ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن الإمام أبو زيد (١). الإمام العلامة الجليل الكبير المجتهد الشهير هو وأخوه شقيقه أبو موسى عيسي بابني الإمام التلمسانيان العالمان الراسخان والعلمان الشامخان المشهوران شرقًا وغربًا الحافظان العلامتان، ذكرهما ابن فرحون في الديباج، قال: أبو زيد شيخ المالكية بتلمسان العلامة الأوحد أكبر الأخوين المشهورين بأولاد الإمام التنسي البرشكي وهما فاضلا المغرب في وقتهما، وكانا خصيصين بالسلطان أبي الحسن المريني، تخرج بهما كثير من الفضلاء، لهما التصانيف المفيدة والعلوم النفيسة. توفى أبو زيد سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة- اهـ. قال تلميذهما الإمام القري: كانا رحلا في شبابهما من بلدهما تلمسان إلى تونس فأخذا بها عن ابن جماعة وابن العطار والبطروني وتلك الطبقة وأدركا المرجاني من أعجاز المائة السابعة، ثم ورد في أول المائة الثامنة تلمسان على أمير المؤمنين وهو محاصر لها وفقيه حضرته يومئذ أبو الحسن علي بن يخلف التنسي، ورحل الفقيهان إلى المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلقيا علاء الدين القونوي وكان بحيث لا نظير له، ولقيا أيضًا الجلال القزويني صاحب التلخيص، وسمعا البخاري على الحجار، وقد سمعت أنا عليهما وناظرا التقي بن تيمية فظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته وكان للتقي المذكور مقالات شنيعة من حمل حديث النزول على ظاهره وقوله فيه كنزولي هذا، قلت: وهذه الزيادة أعني قوله كنزولي هذا أثبتها عليه ابن بطوطة فذكر في رحلته أنه حضر ابن تيمية يومًا وهو على المنبر فذكر حديث النزول ثم قال كنزولي هذا فنزل عن درجة المنبر إلى التي تحتها- اهـ. نعوذ باللَّه من تلكالمقالة، ومنهم من قال: لم يثبت عنه واللَّه أعلم، قال المقري: وكانا يذهبان إلى الاجتهاد وترك التقليد وحسبك ما صار لهما من الصيت بالمشرق، ولما حللت ببيت المقدس وعرف مكاني من الطلب وتناظرت مع بعضهم أتى إليّ بعض المغاربة فقال لي: إن مكانك في النفوس مكين وقدرك عندهم رفيع وأنا أعلم أخذك عن ابني الإمام، فإن سئلت فانتسب إليهما وقل سمعت منهما وأخذت عنهما ولا تعدل عنهما فتضع من قدرك فما أنت عند هؤلاء الناس إلا خليفتهما، وأن الأمر فوقهما، قال المقري: وكان أبو زيد ﵀ من العلماء الذين يخشون اللَّه. حدثني أمير المؤمنين المتوكل على اللَّه أبو عنان أن والده أمير المؤمنين أبا الحسن ندب الناس إلى الإعانة بأموالهم على الجهاد فقال له أبو زيد: لا يصلح لك هذا حتى تكنس بيت المال وتصلي فيه ركعتين كما فعل علي بن أبي طالب قال: وكان أبو زيد يقول فيما جاء من الأحاديث من معنى قول الرسالة وإذا سلم الإمام فلا يثبت ولينصرف أنه بقدر ما يسلم من خلفه لئلا يمر بين يديه أحد، وقد ارتفع حكمه فيكون كالداخل مع المسبوق جمعًا بين الأدلة، قال المقري: وهذا من مليح الفقه. قال ابن خلدون في التاريخ الكبير: ابنا الإمام كانا أخوين من أهل برشك من عمالة تلمسان، أكبرهما أبو زيد وأبوهما إمام برشك قتله المنقلب يومئذ على البلد زيوم بن حماد لاتهامه بوديعة من مال بعض أعدائه طالبه بها فامتنع وارتحل ولداه إلى تونس آخر المائة السابعة فقرأ العلم بها على تلاميذ ابن زيتون وتفقها على أصحاب أبي عبد اللَّه بن شعيب الدكالي، وانتقلا للمغرب بحظ وافر من العلم فأقاما بالجزائر يبثان العلم بها لامتناع برشك عليهما من أجل متغلبها زيوم والسلطان أبو يعقوب صاحب المغرب الأقصى محاصر يومئذ لتلمسان حصاره الطويل قد غلب على نواحيها فارتحلا إلى مليانة فقربهما منديل الكناني واتخذهما لتعليم ولده ثم هلك يوسف بن يعقوب صاحب المغرب سنة خمس وسبعمائة فملك حفيده واصطلح مع صاحب تلمسان فعاد للمغرب مع الكناني وهذان الاخوان فأوصلهما إلى أبي حمو وأثنى عليهما فاغتبط بهما أبو حمو واختط لهما المدرسة بتلمسان فأقاما عنده على هدى أهل العلموسننهم، ثم مع ابنه أبي تاشفين إلى أن ملك أبو الحسن تلمسان سنة سبع وثلاثين. وكانت لهما من الشهرة في أقطار المغرب ما أثبت لهما في أنفس الناس عقيدة صالحة فأدناهما وأشار بتكرمتهما ورفعهما عن أهل طبقتهما، وأجمل مجلسه بهما وحضرا معه واقعة طريف وعادا لبلدهما، فتوفي أبو زيد وتبوأ أبو موسى الكرامة ثم صحبه إلى افريقيا سنة ثمان وأربعين مكرمًا موقرًا على المحل قريب المجلس، فلما استولى على افريقيا سرحه إلى بلده فأقام يسيرًا ومات في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وبقي أعقابهما بتلمسان في تلك الكرامة طبقًا عن طبق إلى هذا العهد- اهـ. قال المقري ﵀: شهدت مجلسًا بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن موسى قريء فيه على أبي زيد بن الإمام حديث "لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه" فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السلوي: هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازًا فما وجه ترك محتضركم إلى موتاكم والأصل الحقيقة؟ فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنع به، وكنت قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت: زعم القرافي أن الشيء إنما يكون حقيقة في الحال مجازًا في الاستقبال مختلفًا فيه في الماضي إذا كان محكومًا به، أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقًا إجماعًا وعلى هذا لا مجاز، لا يقال احتج في موضع الوفاق ثم أنّا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة، لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فقد يوحش فهو تنبيه على محل التلقين أي لقنوا بأنه ميت أو نقول: إنما عدل إلى الاختصار لما فيه من الإبهام، ألا ترى اختلافهم فيه هل أخذ من حضور الملائكة ولا شك أن هذه حالة خفية تحتاج في نصبها دليل الحكم، والوصف ظاهر بضبطها وهو ما ذكرناه، أو من حضور الموت وهو أيضًا مما لا يعرف بنفسه بل بعلامات، فلما وجب اعتبارها وجب كون التسمية إشارة إليها -اهـ- بنقل ابن الخطيب في الإحاطة. قلت: ومن تآليف أبي زيد شرحه على ابن الحاجب الفرعي وألا أدريهل كمل أم لا، وأخذ عنهما جماعة من الأئمة لا يحصون كالشريف التلمساني والمقري وأبي عثمان العقباني والخطيب ابن مرزوق الجد وأبيه وعمه وأبي عبد اللَّه اليحصبي في آخرين، وقال أبو العباس الونشريسي: وأما بنو الإمام فأعلاهم طبقة الشيخان الراسخان الشامخان العالمان المفتيان الشقيقان الفقيه العلامة آخر صدور أعلام المغرب بشهادة أهل الإنصاف شرقًا وغربًا أبو زيد والعلامة النظار آخر أهل النظر وجامع أشتات المعارف أبو موسى ابنا الإمام ثم الشيخ أبو سالم إبراهيم بن أبي زيد وابن عمه الشيخ الصالح أبو محمد عبد الحق ابن أبي موسى، ثم العلامة القاضي الرحال أبو الفضل بن أبي سالم، لم يبق لهما الآن عقب بتلمسان إلا صاحبنا وتلميذه الخير الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي الفضل المذكور- اهـ.