page 136, entry [131]Open original source
١٣٠ - القاضي أبو يوسف، يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيب بن خنيس بنِ سعدِ بنِ حبتةَ الأنصاريُّ. وسعدُ بن حبتة أحد الصحابة، وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حبتة بنت مالك من بني عمرو بن عوف. كان القاضي أبو يوسف من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة، وكان فقيهًا عالمًا حافظًا، سمع أبا إسحق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وهشامَ بنَ عروة، وعطاء بن السائب، ومحمدَ بنإسحق بن يسار، وتلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه: محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن جعد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، في آخرين، وكان قد سكن بغداد، وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء: المهدي، وابنه الهادي، ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويُجِلُّه، وهو أول من دعي بقاضي القضاة، ويقال: إنه أول من غير لباسَ العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك واحدًا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه. ولم يختلف يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني في ثقته في النقل، وذكر ابن عبد البر في كتاب "الانتهاء في فضائل الثلاثة الفقهاء": أن أبا يوسف كان حافظًا، وأنه كان يحضر المحدث، ويحفظ خمسين أو ستين حديثًا، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث. وقال محمد بن جرير الطبري: وتحامى حديثَه قومٌ من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه، وتفريعه الفروع والأحكام، مع صحبة السلطان وتقلده القضاء. قال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، أفقَهُ أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهايةَ في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وهُوَ أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. قال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثلُ أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة، ولا محمد بن أبي ليلى، ولكنه هو الذي نشر قولَهما، وبث علمَهما. وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته عنها، فقال لي، من أين لك هذا؟ فقلت من حديثك الذي حدثتنا أنت، ثم ذكرتُ له الحديث، فقال لي: يا يعقوب! إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك؛ وما عرفتُ تأويله حتى الآن.ومن كلام أبي يوسف: العلمُ شيء لا يعطيك بعضَه حتى تعطيه كُلَّك، وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعضَ على غرور. وأخبار أبي يوسف كثيرة، وأكثر الناس من العلماء على تفضيله وتعظيمه. وقد نقل الخطيب البغدادي في "تاريخه الكبير" ألفاظًا عن عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم ينبو السمع عنها، فتركت ذكرها، واللَّه أعلم بحاله. وكانت ولادته سنة ١١٣، وتوفي يوم الخميس أول وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة ١٨٢ ببغداد. وولي القضاء سنة ١٦٦، ومات وهو على القضاء. وأما ولدُه يوسف، فإنه كان قد نظر في الرأي، وفَقُهَ، وسمع الحديث من يونس بن أبي إسحق السَّبيعي، والسري بن يحيى، وغيرهما، وولي القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أبيه، وصلى بالناس الجمعة في مدينة منصور بأمر هارون الرشيد، ولم يزل على القضاء إلى أن مات في رجب سنة ١٩٢ ببغداد - رحمه الله تعالى -.