page 1335, entry [940]Open original source
فاطمة ابنة حمد الفضيليّ الزّبيريّة، وتعرف بالشّيخة الفضيليّة- بضمّ الفاء وفتح الضّاد المعجمة وإسكان الياء التّحتيّة وبعدها لام مكسورة فياء تحتيّة مشدّدة- الشّيخة، الصّالحة، العالمة، العابدة، الزّاهدة. ولدت في بلد سيّدنا الزبير قبيل المائتين، ونشأت بها وقرأت على شيوخها وأكثرت عن الشّيخ إبراهيم بن جديد فأخذت عنه التّفسير، والحديث والأصلين، والفقه، والتّصوّف، وقرأت على غيره كثيرا، وتوجّهت إلى العلم توجّها تامّا، وتعلّمت الخطّ من صغرها فأتقنته، وكتبت كتبا كثيرة في فنون شتّى، وخطّها حسن منوّر مضبوط، وصار لها همّة في جمع الكتب، فجمعت كتبا جليلة في سائر الفنون، ولها محبّة في الحديث وأهله، فسمعت كثيرا من المسلسلات، وقرأت شيئا كثيرا من كتب الحديث، وأجازها جمع من العلماء، واشتهرت في مصرها، بل وفي عصرها، وكاتبهاالأفاضل من الآفاق، وكاتبتهم بأبلغ عبارات وأعظم مدح، ثمّ حجّت، وزارت، ورجعت إلى مكّة المشرّفة وأقامت بها فهي باب الزّيادة في بيت ملاصق للمسجد الحرام ترى منه الكعبة المشرّفة، وعزمت على الإقامة فيها إلى الممات، فتردّد إليها غالب علماء مكّة المشرّفة وسمعوا منها، وأسمعوها، وأجازتهموأجازوها، / خصوصا قمريها النّيّرين، العلّامة، الورع، الزّاهد، الثّبت، القدوة، شيخ الإسلام الشّيخ عمر عبد [ربّ] الرّسول الحنفيّ، والعلّامة، الحجّة، الورع، العمدة، الشّيخ محمّد صالح الرّيس مفتي الشّافعيّة فإنّهما كانا كثيري التّردّد إليها، والسّماع منها من وراء ستارة، ويريان أنّهما يستفيدان منها، وهي ترى كذلك، كما أخبرني بذلك تلامذتهما منهم الشّيخ محمّد بن خضر البصري (¬١).قال: وكانت هذه حالها مع بعضهما؛ فإنّ الشّيخ عمر كان يسابقني إلى حمل مداس الشّيخ محمّد صالح وتقديمها له من غير أن يعلم، والشّيخ محمّد صالح يقول: يا ليتني شعرة في جسد الشّيخ عمر فصار للشّيخة المذكورة شهرة عظيمة وصيت بالغ وأسندت كثيرا من المسلسلات وأخذت الطّريقة النّقشبنديّة والقادريّة، وكان لها أوراد وأحزاب، ومشرب رويّ في التّصوّف، وأرشدت خلقا من النّاس سيّما النّساء: فقد لازمنها ملازمة كلّيّة، وانتفعن بها انتفاعا ظاهرا، وصلحت أحوال كثير منهنّ، وصار من يتردّد إليها منهنّ يعرف من بين النّساء بالدّين والتّقوى والورع والمواظبة على فرائض الدّين، والقناعة والصّبر وحسن السّلوك، واتّفق لها كرامة ظاهرة باهرة لا يمكن ادّعاؤها، وهي أنّه كفّ بصرها في آخر عمرها فبقيت على ذلك نحو سنتين أو أكثر وكانت بعض النّساء الصّالحات تخدمها محبّة فيها، وتبرّكا بها، فعرض لها شغل في بعض اللّيالي عند زوجها وأولادها فاستأذنت الشّيخة في المبيت عندهم تلك اللّيلة، فأذنت لها فقامت الشّيخة تلك اللّيلة للتّهجّد على العادة، ولم يكن لها خبر بالدّرجة، فتوضّأت وزلقت رجلها فسقطت وانكسر ضلعان من أضلاعها، فعصبتهما وصلّت راتبها بغاية التّكلّف والمشقّة، ثمّ غفت فرأت النّبيّ ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄ مقبلين من نحو الكعبة، قالت فأخذ النّبيّ ﷺ من ريقه الشّريف بطرف ردائه وقال: امسحي عينيك فمسحتهما فأبصرت في الحال، ثمّ مسحت على الكسر فبرأ في الحال، فقال: يا فاطمة من غير استئذان، فقلت: يا سيّدي يا رسول الله إنّ الحدث الأصغر يندرج في الأكبر وأنت قد أذنت في البصر وهو أعظم، فتبسّمصلّى الله عليه وسلم وقال: عمر عبد [ربّ] الرّسول ومحمّد صالح الرّيّس في مكانهما كأبي بكر وعمر في زمانهما وفلان وفلان عند النّاس من العلماء، هما عند الله من الفسّاق/ فلمّا أصبحت وأتى النّساء إليها على العادة وجدنها مبصرة، وقصّت عليهم الرّؤيا وأتى إليها الشّيخان المذكوران فأخبرتهما فبكيا وبكت، وسألاها أن لا تخبر بأسمائهما، فقالت لا أكتم ذلك وهو بإشارة النّبيّ ﷺ فناشداها الله في ذلك فقالت لكما عليّ ذلك إلى قرب وفاتي أو موتكما قبلي، فقدّر الله وفاتهما قبلها، فأخبرت بأنّهما الممدوحان، وأمّا المذمومان فلم تخبر بهما أحدا أبدا، ويقال إنّها أرسلت إليهما وأخبرتهما ونصحتهما ولم يعلم من هما إلى الآن، إلّا بالظّنّ والتّخمين، والله العالم بالسّرائر والضّمائر، واشتهرت هذه الرّؤيا، وتناقلتها الرّكبان وكاتبها علماء الشّام والمغرب بأن تكتب لهم هذه الواقعة بخطّها، ورأيت كتبهم البليغة بطلب ذلك، وفيها من الرّموز إلى أسرار الصّوفيّة ما لا يعرفه إلّا من له أعلى كعب فيه، وقد أدركت خادمتها المذكورة، وهي امرأة متفقّهة، ديّنة، صالحة، تقيّة، فأخبرتني عن أحوالها بالعجائب، وكان لها شهرة عظيمة، ولم نسمع في هذا العصر ولا فيما قبله بأعصار بمثلها، ولا من يدانيها في علمها، وصلاحها، وزهدها، وورعها، وجمعها للفضائل، بحيث يصدق عليها قول المتنبّي (¬١): ولو كان النّساء كمن فقدنا … لفضّلت النّساء على الرّجال وأخذ عنها جمّ غفير كما سلف، وأمّا النّساء فاعتقادهنّ فيها فوق الحدّ، وانتفاعهنّ بها لا يحصى بالعدّ، حتّى إنّ من صحبها من النّساءإلى اليوم يعرفن بالتّفقّه، والصّلاح، والعبادة، والحرص على الخير، والقناعة، والورع، وبالجملة فقد كانت من عجائب الزّمان، جمالا للوقت، وفخرا للنّساء، ووقفت كتبها جميعها على طلبة العلم من الحنابلة، وجعلت النّاظر عليها بلديّها التّقيّ الصّالح شيخنا الشّيخ محمّدا الهديبيّ، فكانت عنده إلى أن أراد النّقلة إلى المدينة فتورّع عن إخراجها من مكّة، فجعلها عند خادمتها شائعة بنت النّجّار وأولادها، ثمّ أرادت التّحوّل إلى المدينة أيضا فأشرت عليها بأن تبقيها في مكّة كما فعل شيخنا، فغلب عليها أولادها وقالوا: إنّ الشّيخة الواقفة لم تشترط ذلك، وذهبوا بها معهم فتوفّاهم الله تعالى، وذهبت شذر مذر إلّا أقلّها كان عندي فأبيت من إخراجه عن مكّة. فبقي- والحمد لله- توفّيت يوم ( … ) سنة ١٢٤٧، ودفنت في المعلاة في شعبة النّور في حوطة المرحوم العلّامة الشّيخ محمّد صالح الرّيّس، لصيقة لقبره بوصيّة منها رحمهم الله تعالى. ٨٣٣ -