page 1077, entry [730]Open original source
محمّد بن عبد الله بن محمّد بن فيروز، التّميميّ، الأحسائيّ، العلّامة، الفهّامة، كاشف المعضلات، وموضح المشكلات، ومحرّر أنواع العلوم، ومقرّر المنقول والمعقول، بالمنطوق والمفهوم.ولد في مدينة الأحساء سنة ١١٤٢، ونشأ بها في كنف والده، وكفّ بصره بالجدريّ وهو ابن ثلاث سنين، وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلّا الأحمر لأنّي كنت إذ ذاك لابسا أحمر، ووضع الله فيه من سرعة الفهم وقوّة الإدراك،وبطء النّسيان، وشدّة الرّغبة، والحرص، والفتوح الباطنة والظّاهرة، ما يتعجّب منه، فحفظ كثيرا من الكتب منها «مختصر المقنع» في الفقه و «ألفيّة العراقيّ» في المصطلح و «ألفيّة ابن مالك» في النّحو، وألفيّة السّيوطيّ «عقود الجمان في المعاني والبيان» و «ألفيّة ابن الورديّ» في التّعبير، وشيئا كثيرا لم أتحقّق تعيينه بل سمعت من بعض صلحاء العوامّ أنّه كان يحضر درسه في البصرة وهو يملي «صحيح البخاري» بأسانيده من حفظه، وهذا في عصرنا مستغرب جدّا، فالله أعلم بصحّته، وبالجملة فقد كان في الحفظ آية باهرة، متوقّد الذّكاء، كأنّ العلوم نصب عينيه. أخذ الحديث عن علماء عصره، وكذا الفقه والنّحو والمعاني والبيان وسائر الفنون، وأجازوه بإجازات مطوّلةومختصرة، وأثنوا عليه الثّناء البليغ، فممّن أخذ عنه الحديث حافظ عصره ومسند مصره الشّيخ أبو الحسن السّندي، نزيل المدينة المنوّرة، والشّيخ العلّامة محمّد سعيد سفر المدنيّ، والشّيخ سلطان الجبوريّ البغداديّ ثمّ المدنيّ، والشّيخ سعيد بن غردقة الأحسائي، والعلّامة الشّيخ عبد الله بن عبد اللّطيف الأنصاريّ الأحسائيّ الشّافعيّ، والشّيخ محمّد حياة السّنديّ ثمّ المدنيّ، وأخذ الفقه عن والده، وعن العلّامة المحقّق محمّد بن عبد الرّحمن ابن عفالق الأحسائيّ، ولازمه ملازمة كلّيّة، وأكثر تفقّهه به، وكذا أخذ عنهما الأصلين، وعن الثّاني الفرائض والحساب وتوابعهما، والهيئة، والهندسة، وأخذ النّحو والصّرف والمعاني عن شيخ الشّافعيّة في عصره ورئيسهم في مصره عبد الله بن عبد اللّطيف السّابق ذكره، ومهر في جميع هذه الفنون، وتصدّر للتّدريس في جميعها، وأفتى في حياة شيوخه، وكتبوا على أجوبته وفتاواه بالمدح والثّناء، وتأهّل للتّأليف، ونفع الله به نفعا جمّا/ وصار يرحل إليه من جميع الأقطار، حتّى إنّه يجتمع عنده من الطّلبة نحو الخمسين وأكثر، كلّهم يقوم بكفايتهم، وتفقّد أمورهم في جميع ما يلزم لهم، وكأنّهم أولاد صلبه بلا فرق، يمكّن أحدا ممّن يأتي عنده من الأجانب لطلب العلم أن ينفق من كيسه ولو كان غنيّا، ويقول من لمينتفع بطعامنا لا ينتفع بكلامنا، فوضع الله له القبول في أقطار الأرض، وكاتبه علماء الآفاق من البلاد الشّاسعة، بالأسئلة والمدائح، وطلب الإجازات والدّعاء، ونجب خلق ممّن قرأ عليه فكان أهل البلدان يأتون إليه ويطلبون منه أن يرسل معهم واحدا منهم يفقّههم في الدّين، ويعظهم، ويقضي، ويدرّس، ويصلّي بهم ويخطب، فيرسل معهم مناستحسن، فلا يخالفه التّلميذ في شيء أصلا، بل كان الطّلبة يمتثلون منه أدنى إشارة ويعدّونها أسنى بشارة، وتركوا أوطانهم وأهاليهم وعكفوا بناديه، فممّن برع منهم حتّى وصل إلى درجة التّأليف شيخ مشايخنا العلّامة فرضيّ زمانه الشّيخ محمّد بن سلّوم، والفقيه النّبيه الشّيخ عثمان بن جامع، وابنه الأديب اللّبيب الشّيخ عبد الله بن عثمان، والمحقّق النّجيب الشّيخ عبد العزيز بن عدوان بن رزين، والماهر الباهر الشّيخ أحمد بن حسن بن رشيد، والعلّامة الورع الزّاهد الشّيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد، والمحقّق البارع الشّيخ ناصر ابن سليمان بن سحيم، والفاضل الشّيخ عبد الله ابن داود وغيرهم، ومن هو دونهم خلق لا يحصون من الفضلاء، من أهل الأحساء، والبحرين، والبصرة، وبلد سيّدنا الزّبير ونجد، بل لا يعرف في عصره لغيره من الشّهرة مثل ما له، بحيث إنّه يطلق عليه شيخ العصر، وكان قصير القامة، طويل الاستقامة، عليه أنوار زاهرة، وآثار للعلم والصّلاح ظاهرة، مهيبا معظّما عند الملوك فمن دونهم، مقبول الكلمة، نافذ الإشارة، بحيث كاتب السّلطان عبد الحميد خان كان يستنجده على قتال البغاة الخارجين بنجد، رأيت مسوّدته بخطّ ابنه النّجيب الشّيخ عبد الوهّاب، وافتتحه بقصيدة من نظمه، ونثر بليغ فتحرّك لذلك، ولكن اخترمته المنيّة قبل إتمام مرامه، وكان الشّيخ معهم في همّ وأذى، ونصبوا له الحبائل حتّى بذلوا على قتله خمسمائة أحمر ذهبا، فتسوّر عليه جماعة من الأشقياء ليلا وطلعوا إلى داره في سلّم فانكسر بهم وتعطّل بعضهم فحمله الباقون وهربوا، فعدّت/ هذه من الكرامات الّتي لا تنكر،وكان الشّيخ يردّ عليهم (¬١) ويبيّن خطأهم وينصح النّاس عنهم، فلهذا اتّخذوه أكبر الأعداء، وكفّروه، وصار عندهم يضرب به المثل في عظيم الشّرك، وأنّه ممّن أضلّه الله على علم، فلمّا رأى هذا منهم وهم في شوكة، وصولة وفتك وسبي وأمرهم في ازدياد، وعرف أنّهم يأخذون الأحساء فلم يطب له المقام بها، وارتحل بأهله وأولاده ومن يعزّ عليه إلى البصرة وتبعه تلامذته فسافروا دفعات برّا وبحرا مع غاية الخوف والوجل فسلّمهم الله، ولمّا وصل البصرة تلقّاه واليها عبد الله آغا بالإكرام والتّعظيم، وهرع إليه الخلق على مراتبهم للسّلام عليه والتّبرّك برؤيته (¬٢)، والتماس أدعيته، فكان يوما مشهودا، امتلأت منه قلوب أهل البصرة سرورا، وطلب منه الآغا المذكور أن يقرأ «صحيح البخاريّ» في جامعه الّذي بناه ب «سوق البصرة» فجلس الشّيخ للإقراء، وتكاثر الخلق حتّى ضاق المسجد عنهم، فوسّعه لأجل هذا الدّرس، وقد نقلنا قول من حضر ذلك الدّرس أنّ الشّيخ كان يملي «صحيح البخاريّ» بأسانيده من حفظه، ولكنّ المخبر رجل عامّيّ لا يعتمد نقله في مثل ذلك، بل أخبرني آخر مثله قال: كنّا عند الشّيخ إبراهيم بن جديد في بلد سيّدنا الزّبير فدخل عليه شخص بهيئة بدويّ فقام له الشّيخ واعتنقه وأكرمه، وأقبل إليه بكلّيّته، فاستغربنا ذلك فلمّا خرج قلنا للشّيخ عن ذلك، فقال: هذا منتلامذة شيخنا، من آل حميد أمراء الأحساء، فلمّا أجلاهم سعود (¬١) خرج معهم وهو يحفظ «صحيح البخاريّ» وسألته عن حفظه الآن لعلّه باق فقال: نعم بحمد الله وهذا- إن صحّ- فهو عجيب والله الفتّاح سبحانه. ثمّ صار للشّيخ شهرة في البصرة ما هي دون شهرته في الأحساء، وهرع إليه الطّلبة من رحل إليه أوّلا ومن لم يرحل إليه، فاستجازوه فأجازهم بإجازات بليغة أغلبها نظما من الرّجز، ولكنّ نظمه نظم العلماء، وكتب إليه علّامة الشّام مفتي الشّافعيّة بها، كمال الدّين محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّي (¬٢) العامريّ قصيدة بليغة وكتابا يطلب منه الإجازة، فأجابه وأجازه نظما نحو ستّمائة بيت، فأرسل إليه قصيدة أخرى ضمن كتاب يتشكّر منه، ويطلب منه أن يرسل إليه تراجممشايخه ومشايخهم وأقرانه وتلامذته ليثبتهم في كتابه «النّعت الأكمل في طبقات أصحاب الإمام أحمد بن حنبل» فأرسل إليه جزءا ضمّنه ما طلب، رأيته مرّة في شبيبتي، ثمّ لمّا احتجت للنّقل منه في هذا جحده مالكه فتوسّلت إليه بكلّ طريق فلم/ ينجح فيه، وأصرّ على الجحود والإنكار، فحسبنا الله ونعم الوكيل، وكتب للشّيخ ناصر بن سليمان بن سحيم إجازة منظومة تنوف على مائتي بيت أوّلها: الحمد لله الّذي قد رفعا … مقام من للهاشميّ اتّبعا محمّد الهادي النّبيّ المرسل … بالحقّ والنّور المبين المنزل إلى آخرها. وأخبرني بعض كبار أقاربي الّذين أدركتهم في حال الشّيخوخة- وكان صالحا متعبّدا له مذاكرة، في أطراف من العلم- عن جدّي لأمّي الشّيخ عبد الله بن منصور بن تركي- وكان من أهل العلم- قال: مرّ بنا الشّيخ محمّد ابن عبد الرّحمن بن عفالق قاصدا الحجّ، ومعه تلامذة فضلاء منهم الشّيخ المترجم، وكان شيخه يعظّمه كثيرا ويقدّمه عليهم، فتعجّبنا وقلنا له: ما سبب تقديمك لهذا الأعمى؟ فقال: تفرّست فيه شيئا عظيما فإن صدقت فراستي فسينفع الله به هذا الجيل، قال: فما زلنا نسمع بصعوده وسموّه إلى أن رأيناه بلغ ذلك المبلغ الّذي لم يبلغه أحد في عصره.- انتهى-. وله تصانيف ليست على قدر علمه وقدره، وأجاب على أسئلة عديدة فيالفقه بجوابات مسدّدة بديعة، لو جمعت لجاءت في مجلّد ضخم، ويا أسفى عليها فإنّ فيها من التّحقيق والتّدقيق ما لا يكاد يوجد، وكان له نهمة عظيمة في تحصيل الكتب واستنساخها، وكذلك ابنه الشّيخ عبد الوهّاب، فكان جماعة من طلبة العلم يكتبون لهم كتب العلم مدى أوقاتهم فكتبوا له شيئا كثيرا جدّا. توفّي- رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة غرّة محرّم الحرام افتتاح سنة ١٢١٦ هـ وعمره خمس وسبعون سنة وصلّى عليه بجامع البصرة، ولم يتخلّف من أهلها إلّا معذور، ثمّ حمل على أعناق الرّجال إلى بلد سيّدنا الزّبير مع بعدها وشيّعه خلق ركبانا ومشاة فصلّي عليه في جامع الزّبير، ثمّ دفن لصيق ضريح سيّدنا الزّبير بن العوّام ﵁ وأرضاه، وصار للنّاس حزن وكآبة لفقده فلا تسمع إلّا باكيا أو باكية، ورثي بقصائد بليغة كثيرة من أهل الأمصار من سائر المذاهب، منهم الشّيخ صالح بن حسين آل موسى الأحسائيّ المالكيّ، وآخرها بيت التّاريخ وهو: وخاطبه التّاريخ قال بقوله … تبوّأتم من عدن أجلّ المنازل ومنهم الشّيخ صالح بن سيف العتيقيّ، وآخرها بيت التّاريخ وهو: أعطاه ربّي ما حوى تاريخه … هنّئت في الفردوس أرفع مسكن [قال الشّيخ محمّد بن فيروز عن جدّه: وقد أخذ العلم عن الشّيخ سيف ابن عزّاز، والشّيخ عبد الوهّاب بن عبد الله بن عبد الوهّاب التّميميّين العيينيّين وهنا مذكوران في سندي في الفقه وكذلك كلّ من أخذ عنه والدي وأخذ عن المجيد ابنه الوالد وابن أخيه إبراهيم بن عبد الرّحمن، والشّيخ سليمانبن ثاقب، وابن أخته أحمد بن سليمان بن عليّ، وسليمان بن عليّ هذا هو عالمنجد في وقته على الإطلاق، وهو تميميّ أخي سليمان المذكور وكذلك الجدّ على ما ذكره نسّاب نجد، إلّا أنّ الشّيخ عبد الوهّاب بن عبد الله والشّيخ سليمان يقال في نسبة كلّ واحد منهما المشرفي؛ لأنّهما من ذرّيّة مشرف بن بريد، وأمّا الشّيخ سيف فيقال في نسبه: العزّازي لأنّه من ذريّة عزّاز، من بني حنظلة من تميم، وأمّا الفقير وأبوه وجدّه فيقال في نسب كلّ واحد منهم: الفيروزيّ؛ لأنّه من ذرّيّة فيروز بن محمّد بن بسّام بن عقبة بن وهيب بن قاسم وإلى وهيب هذا تنسب قبيلتنا، وآل مشرف فيقال لهم: الوهبة.- انتهى-. وترجمه تلميذه الشّيخ صالح بن سيف العتيقي (¬١) فقال: هو العلّامة أبو عبد الرّحمن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن فيروز، إمام فضل، عالم، ورع، تقيّ، زاهد ربّي في حجر والده صغيرا واجتهد في طلب العلم وفقدت عيناه وهو ابن تسع سنين وحفظ القرآن عن ظهر قلب وهو صغير، وبرع في العلم في حياة والده، وكان إليه التّدريس، وكان عمدة الحنابلة في الأحساء، قلّ علم في العلوم إلّا وله فيه سهم صائب من فقه وأصوله، وحديث وأصوله، وتفسير، ونحو وصرف، ومنطق، ومعاني، وبيان، وعروض، وحساب، وفلك، وفرائض، وطبّ، وتعبير وغير ذلك، أوحد دهره، وفريد عصره حسن الاعتقاد، مهذّب الأخلاق، لا يهاب الملوك، ولا يخاف في الله لومة لائم، كثير العبادة والذّكر، وله حظّ من قيام اللّيل، لا يرقد إلّا نصفه، وكان صاحب أوراد يبتدئ فيها بعد صلاة العصر ولا يفرغ منها إلّا بعد المغرب، ولا يأتيه أحد يشغله عن أوراده بعد العصر أبدا، وكان سخيّ النّفس، كثير الصّدقاتوالخير، ومهما رأى مسكينا وثب إليه ولم يردّه، وكان يدان على ذمّته، ويتصدّق، وعذل في ذلك فلم يلتفت لعاذله، ويأتيه رزقه من حيث لم يحتسب، وكان يوم الجمعة إذا خرج من المسجد تأتيه الفقراء ويتصدّق عليهم، ويقول: إنّي لأستحي من الله أن يسألني سائل وعندي شيء موجود فأردّه، ولا أطيق ذلك، سليم الصّدر، نصوح، قائم بأعباء الشّريعة، ذو مشرب من منهج الصّوفيّة، لم يكن في جهتنا له مثيل، بل ولا في غيرها، إليه تشدّ اليعملات، وتنزل الحاجات، ذو نفس مباركة على الطّلب، قلّ من قرأ عليه واجتهد إلّا أدرك العلم، لحسن نيّته ولا قرأ عليه أحد إلّا كان في بيته يعوله مع عياله ويقول: لا يدرك من جماعتي أحد العلم إلّا إذا كنت أعوله في بيتي، وكان كذلك، وكان يؤثر على نفسه ويعول في بيته نيّفا وسبعين نفسا ولا ضاقت به الأمور [إلّا] فرّجها ربّه، كثير الرّضا بالقضاء والتّسليم لأمر مولاه قام في نصر الدّين وقمع بدعة أهل العارض المارقين حتّى بذل عليه طاغيتهم (¬١) خمسمائة أحمر ذهبا لمن يقتله وتسوّروا عليه بيته ليلا فلم يمكّنهم الله منه، وزاد بعد ذلك في الرّدّ عليهم والإنكار، حفظه الله بلطفه، وله تآليف حسنة وأشعار رائقة فمن تآليفه في معرفة المنازل والبروج اسمها: «عجالة المستعجل» نحوا من ثلاثمائة بيت وتأليف في الحساب والجبر والمقابلة وكان يحفظ من المناظيم العلميّة شيئا كثيرا من ذلك «ألفيّة ابن مالك» و «ألفيّةالسّيوطي» في المعاني والبيان و «ألفيّة ابن الورديّ» في التّعبير و «لاميّة الأفعال» في الصّرف و «الخزرجيّة في علم العروض» وغير ذلك، ومن أشعار العرب وأيّامهم وحكايات الأول شيئا كثيرا لا يحصر رحمه الله تعالى]. ٦٢٨ -