page 639, entry [430]Open original source
عبد الرّزّاق بن محمّد بن عليّ بن سلّوم التّميميّ ، الذّكيّ، الأديب. ولد في بلد سيّدنا الزّبير سنة … ، وقرأ على مشايخها منهم والده، ثمّ رحل إلى بغداد فقرأ بها الفقه على الشّيخ الورع موسى (¬١) بن سميكة- تصغير سمكة-، وعلى أجلّاء بغداد في النّحو، والصّرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والأصول، وحصّل، ومهر، ثمّ رجع إلى بلده وقرأ الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والخطّأين، والهيئة، والهندسة، على والدهوغيره، فمهر في ذلك المهارة التّامّة بحيث اشتهر بذلك في عصره، وأقرّ له أهله فيها، وكان يتوقّد ذكاء، قلّ علم إلّا وله فيه يد، حتّى الأوفاق والزّايرجة والرّوحانيّات، لكنّه مائل إلى معاشرة الأمراء والأحداث، وله معهم مماجنات لا تليق، ولو تصوّن لكان نادرة عصره؛ لما حازه من الفنون المتداولة وغيرها، وقد سمعت رفقاءه في الطّلب من فضلاء بغداد ومنهم مفتيها العلّامة البارع السّيّد محمود الآلوسيّ يصفونه بشدّة الذّكاء البالغ، وكرم النّفس، وحسن العشرة، وحجّ سنة … من طريق البرّ فوصل إلى مكّة في شوّال، وحضر دروس علّامتها الشّيخ عبد الله سراج (¬١) في التّفسير والحديث فأورد عليه أوّل ما حضر سؤالا في الحديث فلم يستحضر الشّيخ الجواب، فأخذ الكرّاس من المحفظة وطالع فيه وأجابه، وكان قد سمع بوصوله ووصف له بقصر القامة، والتّوسّط في الملبوس، فلمّا رأى سؤاله متينا تفرّس فيه أنّه هو فقال: أأنت فلان؟ فقال: نعم، فلمّا ختم الشّيخ الدّرس قام إليه وحيّاه، وذهب به إلى بيته وأضافه ذلك اليوم، فجرت بينهما مباحثات دلّت الشّيخ على صدق ما وصف به من شدّة الذّكاء والاستحضار، وعزّ في عينه وأعين أقرانه، ومن الغد جاء تلامذة الشّيخ إلى المذكور في بيته للسّلام عليه، وسألوه واستفادوا منه، وعجزوا عن مجاراته/ في المباحثة، فسلّموا له، ثمّ قال لهم: إنّ الشّيخ ترك البارحة في تقريره في التّفسير وجها من علم الهندسة ممّا في الآية وهي قولهتعالى (¬١): انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، فقالوا: وما هو؟ قال: إنّ الشّاخص ذا الثّلاث الشّعب لا ظلّ له، فقالوا: لم يذكر هذا أحد من المفسّرين. فقال: بلى. ذكره الجلال السّيوطيّ في «الإتقان» (¬٢) فذهب التّلامذة إلى الشّيخ عبد الله وأخبروه بما دار بينهم وبين المذكور، فتناول «الإتقان» فتصفّحه فلم يجد هذا فيه فقال لأحدهم: ارجع إليه وقل له: في أيّ موضع من «الإتقان»؟ فذهب فقال له: في النّوع الخامس والسّتين هكذا أخبرني بهذه الحكاية أحد التّلامذة، وهو الشّيخ علي كمال الطّائفيّ، وبالجملة فقد كان المذكور من أشدّ أهل زمانه ذكاء وفطنة، لو لم يخلد إلى البطالة، وشرح «سلّم العروج في المنازل والبروج» لشيخ شيخ شيخه الشّيخ محمّد بن عبد الرّحمن بن عفالق الأحسائيّ سمّاه «مرقاة السّلّم» (¬٣) وكان ينظم الشّعر، وسوّد مسوّدات شتّى لم يبيّض منها غير «شرح السّلّم» المذكور وحاز كتبا نفيسة كثيرة من جميع الفنون بحيث كان يشتري بعض التّركات جملة، وتولّى قضاء سوق الشّيوخ (¬٤) وخطابتها بعد أخيه المرحومالشّيخ عبد اللّطيف (¬١)، وصار له جاه تامّ عند الحكّام، وكلمة نافذة، وانفرد في تلك الجهة بالحلّ والعقد إلى أن توفّي فيها سنة ١٢٥٤ (¬٢). ٣٣٣ -