page 1080, entry [582]Open original source
٥٥٠ - يحى بن شرف بن مُرّي بن حسن بن حسين النووي، ينعت بالمحيي (¬٢). الفقيه الشافعي، الزاهد الورع. سمع الحديث من جمع كبير، منهم العلامة أبو الفرَج عبد الرحمن بن أبي عمر الحنبلي،والزين خالد بن يوسف، وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي اليسر، وابن عبد الدائم، والبكري. وتفقَّه على إسحاق بن أحمد المقدسي، وأبي حفص عمر بن أسعد الإربلي، وأبي الحسن سلار بن الحسن، وغيرهم. وكان يأخذ كل يوم خمسة عشر درسًا في حديثٍ، وفقهٍ، ونحوٍ، وأصولٍ، وغير ذلك. قرأ أصول الفقه على جماعة، منهم: الكمال عمر التفليسي، وقرأ اللغة والنحو والتصريف على الفخر المالقي، وابن مالك. وكان حافظًا للمذهب؛ فأخبرني صاحبنا الثقة أبو العباس أحمد بن الفرات، عن قاضي القضاة ابن الحريري الحنفي، أن النووي نوزع في نقلٍ مرة نقله من الوسيط، فقال: ينازعوني في الوسيط وقد طالعته أربع مئة مرة. وصنَّف تصانيف مفيدة، حصل النفع بها، منها: "الروضة" (¬١)، و"المنهاج" (¬٢)، و"التحقيق" (¬٣) ولم يكمله، و"شرحًا للمهذب" (¬٤)، و"للتنبيه"، ولم يكملا، واختصر "صحيح مسلم" (¬٥)، وشرَحه (¬٦)، وله كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" (¬٧)، و"تصحيحالتنبيه" (¬١)، و"تحريره" (¬٢)، و"قطعة من شرح الوسيط" (¬٣)، و"إشكالات عليه"، و"إشكالات على المهذب"، وكتاب "الأذكار" (¬٤)، و"رياض الصالحين" (¬٥)، و"التبيان في آداب حملة القرآن" (¬٦)، و"قطعة من شرح البخاري" (¬٧). وغير ذلك، كلُّ ذلك في زمن يسيرٍ، وعُمر قصير. وكان متقلِّلًا في المأكل والملبس، متشدِّدًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولما ورد السلطان الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، بعد أن قاتلوا التتار ونزحوا عن البلاد، وولي وكالة بيت المال شخصٌ من الحنفية، وقال: إن هذه الأملاك التي بدمشق، كان التتار قد استولوا عليها فملكوها على مقتضى مذهب أبي حنيفة، فوضع السلطان يده عليها، فقام جماعة من أهل العلم في ذلك، وكان منهم الشيخ محيي الدين، وكلّم السلطان في ذلك كلامًا فيه غِلْظة، فظن السلطان أن له مناصب يعزله منها، فقيل له حاله وما هو عليه من الزهد، ووافقه في القيام قاضي القضاة ابن عطاء الحنفي، وحصل بذاك بقاء الأملاك لملَّاكها. وكان كثير العبادة؛ حكى لي قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة أنه سأله عن نومه، فقال: إذا غلبني النَّوم استندتُ إلى الكتب لحظةً وأنتبه.وحكى لي أيضًا أنه كان إذا أتى إليه يزوره، يضع بعض الكتب على بعض ليوسع له مكانًا يجلس فيه. وكان لا يجمع بين إدامين، ولا يأكل اللحم إلا عندما يتوجَّه إلى نوى. وحَكى عنه قاضي القضاة جمال الدين سليمان الزُّرَعي أنه كان يتردد إليه وهو شابٌّ، قال: فجئت إليه في يوم عيدٍ، فوجدته يأكل حريرة مُدَخَّنة، فقال لي: سليمان كُل، فلم يطب له، فقام أخوه وتوجه إلى السوق، وأحضر شوي وحلوى، وقال له: كل، فلم يأكل، فقال: يا أخي، هذا حرام؟ فقال: لا، ولكنه طعام الجبابرة. ودارت عليه الفتوى بدمشق، وجُمعت فتاويه (¬١) في مجلدة لطيفة، ونفع الله به وبتصانيفه. وجُمعَت له "ترجمة" (¬٢)، جمعها تلميذه علاء الدين ابن العطار، ذكر فيها من مناقبه وكراماته أشياء كثيرة، ومآثر غزيرة، ومضى على جميل وسداد. شعر فيه قوله: ومضى وما كُتِبتْ عليه خطيئةٌ … في ما نظُنُّ ولا ألَمَّ بمُنْكر ومولده في العشر الأوسط من شهر المحرم، سنة إحدى وثلاثين وست مئة بنوى. وتوفي ليلة الأربعاء، رابع عشرين رجب، سنة ست وسبعين. كان قد مرض بدمشق، فخرج إلى نوى، وخرج الناس لوداعه باكين عليه، فتوفي ببلده. ورثاه جماعة، منهم: ابن الطحان، والعفيف التلمساني، والبدر المنبجي، وابن مصعب بقصائد بلغت ست مئة بيت.وكان فقدُهُ من أعظم المصائب، وعدمه بليَّة رمت العباد بسهم من البلاء صائب، ﵀ ونفعنا ببركته، وحشرنا معه في آخرته في دار كرامته.