page 765, entry [423]Open original source
٣٩٥ - محمد بن دانيال الموصلي، المنعوت بالشمس (¬١). كان طبيبًا كحالًا، أديبًا شاعرًا، كثير المجون والنوادر. ومدح الأمراء، والوزراء، والقضاة، والأعيان. وصنَّف كتابًا سماه "طيف الخيال" (¬٢)، أتى فيه بأمور بديعة في بابه، وجمع "قضاة مصر" (¬٣) نظمًا، وله "شعر" (¬٤) جيد. رأيته بقوص، ومن طرائفه أنه لما طلع إلى قوص في صحبة نائب السلطنة سيف الدين سلّار، ومعه حسن الحليق، وكان من جملة مماليكه خادم جميل له منزلة عند أستاذه، فتمشى الحليق وتمشَّى معه الخادم، فوجد ظل جُميّز وجدولًا يجري، فرقدالحليق هناك، ونام، ونام الخادم أيضًا، فطلبه أستاذه فلم يجده، فرسم بطلبه، وتفرقت المماليك والنقباء في طلبه، فوُجد على تلك الحالة، فأُحْضِر هو والحليق، وقد اشتد غضب سلار، فلما رأى ابن دانيال ذلك تقدم إليه، وقال: يا خَوَنْد أقول لك ما تفعل بهذين؟ قال: قل، قال: احلق دقن هذا القوّاد حسن، واخْص هذا الخادم، فتبسم سلّار وسكن غضبه، وقال: ابن دانيال به نفع في مثل هذه المواضع، كنت عزمت على كذا وكذا، فسرَّي عني. واجتاز به الأديبان الوراق والجزار، وهو شاب على حانوت يكحل الناس، فقال له أحدهما: خذ عندك رزمة عكاكيز، فقال: قفوا، قودوا لله، وله نوادر كثيرة. ومن نظمه يمدح الملك الصالح علي ابن السلطان الملك المنصور بقصيدة أولها، قوله: نعم أخجلت ورد الرياض خدودها … وأزرت برمَّان الغصون نهودها رداحٌ تجافت أن يلامس متنها … لأردافها عند التثني برودها هي الظبي لا ما للظباء قوامها … هي البدر لا ما للبدور عقودها وللبدر منها وجهها ومكانها … وللظبي منها مقلتاها وجيدها ونافرة عني سأنصب في الكرى … حبائل أحلامٍ لَعلِّي أصيدها ومن لي بعين تألف الغمض ليلةً … إذا ألفت طيف الخيال رقودها إلى الله أشكو قلب من لا يريدني … على مقتضى حظّي وقلبي يريدها ولا ذنب لي إلا تكتم لوعة … أبى الصبر أن تبدو ودمعي يعيدها وهي طويلة. وله في أمير شكار: شعربي من أمير شكارٍ … نارٌ تذيب الجوانح لما حكى الظبي حسنًا … حنت إليه الجوارح وكتب وهو أرمد لنور الدين الكحّال: شعر كتبت ولحظي قد تبدل نرجسًا … بورد ودمعي قد تساقط منثورا ولي زمن يا نور لم أركم به … وغاية بُرْء العين أن تبصر النورا وهما منسوخان من بيتين لطه بن إبراهيم، والقافية في بيتيه: أن تبصر الشمسا. وقال أيضًا: شعر أقول وقد لاح الهلال مغرِّبا … ويا ليته في الأفق غير مغرِّب ثقيلٌ هلال الصوم أنت على أمرئٍ … وليس عجيبٌ هكذا كل مغربي وله في المعين: شعر أرى لي وجهًا إن لعنتك جائزًا … وأنت بتحقيق الكلام قمين إذا كان معنى اللام والميم واحدًا … برأي تميم فالمعين لعين وأنشدنا شيخنا أثير الدين أبو حيان، أنشدني ابن دانيال لنفسه ببلبيس قوله: ألا إن أرض الغرب أفضل بقعةٍ … يُساق إليها الواخدات النجائب ولو لم يكن في الأرض كل فضيلة … لما حرَّكت شوقًا إليه الكواكب توفي بالقاهرة، ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة، سنة عشرة وسبع مئة.