page 81, entry [28]Open original source
٢٢ - أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي الجيّاني (¬١).الأستاذ أبو جعفر، العلامة المقرئ، المحدث النحوي، المؤرّخ الأديب، صاحب العلم الذي علمه فيه منشور، والمشتري الآخرة بالدنيا، يرجو تجارةً لن تبور، والسّاعي في مرضات الله، وذلك هو السّعي المشكور، تصدَّى للاشتغال عليه، فسارع طلاب الفضائل إليه، فتخرج به سادات أنجاب، أولو فضائل وآداب، ومنهم شيخنا الأستاذ أبو حيّان، نخبة جيّان وتحفة الزمان، وهو الذي أبقى له ذكرًا مخلدًا، وثناءً على تقادم السنين مجدّدًا، وفيه يقول شعرًا من المسموع المنقول، من قصيدة طرَّزها بمعاليه، وزيَّنها بلآليه، منها قوله: جزى الله خيرًا شيخنا وإمامنا … وأستاذنا الخير الذي عمّ فائده لقد أطلعت جيّان أوحدَ عصره … فللغرب فخرٌ أعجز الشرقَ خالده مؤرِّخه نحويِّه وإمامُه … محدِّثه جلَّت وصحَّت مسانده إذا جاهلٌ يغشاه فهو مفيده … وإن آملٌ يعشو إليه فرافده قرأ الأستاذ أبو جعفر القراءات على الأستاذ المقرئ النحوي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد الطّائي (¬١)، ثم على الشيخين علي بن محمد الغافقي (¬٢)، والأستاذ أبيالوليد إسماعيل بن يحيى العطّار (¬١)، وأخذ النحو عن الطّائي المذكور، وأبي جعفر أحمد بن محمد بن خلف المعافري المعروف بابن خديجة (¬٢)، ثم قرأ على الأستاذ أبي الحسن علي بن محمد الأبدّي (¬٣)، فلم يعجبه إقراؤه وتوجّه إلى ابن الصّائغ، وكان قد تُرِك، فرغَّبه وأحضره، وقرأ عليه. وسمع الحديث الكثير من القاضي أبي الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السكوني، والكاتب أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن عامر الهمداني الطَّوسي، بفتح الطاء المهملة، وجمع كثير، وأجاز له جماعة منهم: ابن السراج، وابن فرتون، وبرَّز في فنون عدّة. وكان ديِّنًا ثقة، قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قامعًا لأهل البدع، سافر إلى جهة بعيدة، حتى شهد على بعض المبتدعة بما أريق به دمه، وله مع الملوك بإقليمه وقائع، حتى حُبس في منزله وجُعل سجنًا له. وكان معظمًا عند الخاصّة والعامة، وكان كثير الفكر ملازمًا للصمت، غزير الدمعة، حسن التعليم، ناصحًا قوّالًا للحق، محبَّبًا إلى الخلق. وصنّف تصانيف في أصول الفقه وغيره، وعلَّق عنه "تعليقة على كتاب سيبويه"، وألف "برنامجًا"، و"تاريخًا" (¬٤)، جامعًا لعلماء الأندلس، كثير الفوائد، وقفت عليه ونقلت منه.وله نظم حدَّث بشيء منه، وكان مع جلالته وورعه وعدالته لا يخلو من انطباع ولطافة طباعٍ، ومقامته القيرانية شاهدة بلطفه، قاضية بظرفه، ومعرفته بعلم النغم والطرب، ناطقة بأنه داخل الضَّرب. ومن شعره ما أنشدني تلميذه شيخنا الأستاذ أثير الدّين أبو حيّان، قال: أنشدني لنفسه قوله: شعر مالي وللتساؤل لا أُمَّ لي … إن سَلْتُ منْ يُعزل أو من يَلي حسبي ذنوب أثقلت كاهلي … ما أنْ أرى غماءها تنجلي مولده في سنة سبع وعشرين وست مئة. وتوفي بغرناطة، صُبحة يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبع مئة، ودفن عشيّة ذلك اليوم. وحضر جنازته الأمير أبو الجيوش نصر ابن السلطان أبي عبد الله أحمد بن محمد بن الأحمر، وشقّ موته على النّاس، ورثاه الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي حبل المعافري الأندلسي (¬١)، بقصيدة طويلة، أولها قوله: عزيزٌ على الإسلام والعلم ما جرى … فكيف لعيني أن يلم بها الكرى وما للمآقي لا تفيض شؤونها … نجيعًا على قدر المصيبة أحمرافوالله ما تقضي المدامع بعض ما … يحقُّ ولو فاضت سيولًا وأبحرا حقيق لعمري أن تفيض نفوسنا … وفرض على الأكباد أن تتفطرا وإن كان للصَّبر الجميل رجاحةٌ … فربَّ مصاب صيَّر الحزن أعذرا أخِلّايَّ قد كان التصبُّر شيمتي … وعارٌ عليَّ اليوم أن أتصبَّرا أصبرًا وها ركن الديانة قد وهى … وذا مربع التدريس أصبح مقفرا تحوَّلت الدنيا بعينيَّ إذ رأت … كواكبها حُطَّت إلى طبق الثرى وضاقت عليَّ الأرض حتَّى كأنني … قد أودعت منها مسلكًا متوعّرا وحِرْتُ فلا أدري أيقظانُ مدركٌ … أنا الآن أم في النوم ويحيى ما جرى وما الخطب إلا فوق ذلك كله … فما لي لا أفنى أسىً وتحسُّرا أبعد حلول ابن الزبير برمسه … نقيم دليلًا أو نؤمل مظهرا إمامٌ سرى في الغرب والشرق ذكره … بأذكى من المسك الفتيق وأعطرا وطودٌ رسا بالعلم والحلم والتقى … فضعضع منه ما رسا وتقرَّرا مبلَّغُ وحي الله عن خير خلقه … وموضحه لفظًا ومعنى محرّرا وناشرُ آثار الرّسول ومقتفي … مآثره الحسنى ورودًا ومصدرا ودامغ أهل الزيغ بالحجج التي … جَلاهَا صباحا للبصائر مسفرا مقر جلال فاق علما وسؤددا … كما قد زكا طبعًا وذاتًا وعنصرا ترى منه بحرًا للمعارف زاخرًا … وتلقى به جمعًا غناءً ومخبراتحرَّى كتاب الله شغلًا فلم يزل … مقيمًا عليه رائحًا ومبكرا متى جئته ألفيته متلبسًا … به تاليًا أو مقرئًا أو مفسرا ودوَّن من شتى العلوم فوائدًا … تفيد الورى علمًا وتقوىً ميسرا وربَّ مُكِنٍّ للشريعة بغضه … ومبتدعٍ غطَّى الحقيقة وافترى ثنى نحوه عن باعث الدّين نعته … وناضله حتى انثنى متكسرا وكم مشكلٍ لولاه أعوز فهمه … وأضحى على من رامه متعذرا فوا أسفًا للعلم ضاعت فنونه … وأضحى من التحقيق منفصم العرى ويا حسرةً للطالبين تفرَّقوا … فلستَ ترى إلا حزينًا منفَّرا خبت سرج قد طال ما زهرت به … وردَّ مطايًا شدَّها شكت السرى وأخفق مسعى الراحلين وعُطِّلت … مجالسُ كانت للملائك محضرا أمولاي إن أهلك عليك صبابة … أجدني على ما تستحق مقصّرا ولم لا وقد ألبستني خلع الرضى … وأطلعت لي صبح الهداية نيّرا وأنقذتني من حيرة الجهل والعمى … فصيرت فكري من بيانك مبصرا وسوَّغت لي جدوى الإفادة أمترى … متى شئت من جدواه أنجع ممترى وكنتَ لمن يلقاك أنصحَ من أبٍ … وأشفقَ من أمٍّ عليه وأصبرا وما كنت إلا للأنام ذخيرةً … ونورًا مبينًا للقلوب منوِّرا تُقرِّر إيمانًا وتوضح سنةً … وترفع شكًّا في القلوب محيِّرافجوزيت خيرًا من إمام ورحمة … ونلت من الله الثواب موفَّرا وجاورت خير الخلق ذا السنن التي … حُييت عليها حافظًا متبصِّرا ذهبت ولم تذهب علوم أفدتها … تدوم بها طول الزمان معمِّرا لئن كنت مطويًا بقاع قرارةٍ … لصيتك منشورًا بألسنة الورى وإن تك مفقودًا لعينىَّ رؤيةً … فإنك موجودٌ بقلبي تصوُّرا ولو كنت تفدى لافتدتك مساجد … وأندية كانت لأجلك تُعترى ولو يُشترى بالمال عمرٌ لفاضلٍ … لكان لكم بالمال والنفس يُشترى هنيئا لك الدّار التي كنت عاملًا … عليها فما الدنيا بدارٍ لمن درى وبشراك لا همٌّ هناك ولا عنىً … فنم في مهاد المكرمين موفَّرا ويا ويح من خلفت بين ضلوعه … لهيبًا من الفقد الأليم مسعَّرا يروح ويغدو حيث كنت فلا يرى … سوى طلل قد ساءَ بعدك منظرا ليبكك مني ما بقيت مرزءًا … قديم وداد فيك لن يتغيرا عليك سلام الله ما بقي الثنا … عليك ودام العلم عنك مسطَّرا ولا برحت تَسقى ثراكَ غمامةٌ … وتخضل من مثواك روضًا معطَّرا حكى لنا الشيخ أبو حيان قال: لمّا حبس الأستاذ أردت أن أقرأ على غيره، فقال لي: ما يهون عليَّ أن أتعب عليك أربع سنين وتُنسَب إلى غيري، وأنت قد بقيت، أين الكتب؟ طالعها وما تحتاج إلى أحد، قال: ولما أردت الرحلة إلى الشرق، قال لي: هُم بالمشرق يشتغلون بسماع الأجزاء، فعليك بسماع الكُتُب الكبار، وإذا ذُكر الله قُل: جلَّ الله ولا تزد، وكذلك إذا ذُكر النبي ﷺ، قل ولا تتكلّم في شيء يؤخذ عليك فيه.وكان شيخنا أبو حيّان حسن الاعتقاد فيه، مُعظِّمًا له، بحيث يقول: لو قال لي أني طرت لصدَّقته، ويقول: الذين رأيتهم واعتقدت فيهم الصلاح أربعة، ويذكرهُ منهم. قال: وقال لي بعض الأعيان: نحن إذا لم نُسْقَ استقينا بشيخك. وكان ينظر في مصالح طلبته ويشتهي لهم الخير، وذَكر أنه كان بغرناطة أبو عبد الله التُّطِيلّي شاعر الأندلس، فنظمت شعرًا وذكرته له، فسخَّف عليَّ، فذكرت ذلك للأستاذ، فقال: لا ترجع إليه وانظم واعرض عليَّ، واختار لي من شعر أبي تمّام ثمان مئة بيت، وقال: احفظها، فحفظتها وصرت أنظم وأعرض عليه، حتى مدحت السلطان ابن الأحمر بقصيدة أولها قوله: هو الملك لا تحميه إلا القواضبُ … وبأسٌ كما عاف الهزبر المغاضبُ فقال لي: أنشدها للتُّطيلي، فمررت عليه وهو متكيءٌ، فأنشدته القصيدة فجلس، وقال: هذا نفسُ حَبِيب (¬١)، درستَ شيئًا من شعره؟ فقلت: نعم. وهو أحد من عمّ نفعه وانتشرت تلامذته، ولنا منه نسبة، فإنه شيخ شيخنا، فرحمه الله تعالى برحمته الواسعة.