page 119, entry [52]Open original source
مَسْئلَةٌ: تدليس الإسْنَاد: وهو أن يُسْقِطَ اسم شَيخِه الّذيِ سَمِع منه، ويَرْتَقِي إلى شَيْخ شيخِه أو مَنْ فَوقَه، فَيُسنِد ذلك إليه بلفظ لا يَقْتَضي الاتّصَال، بل بلِفْظ مُوهِم، كَقَوْلِه: عن فُلانٍ أو أَنَّ فلانًا أو قَال فُلانٌ، كَذَا مُوْهِمًا بذلك أنَّه سَمِعَه مِمَّن وَوَاه عنه، وإنّما يكونُ تدليسا إذا كَانَ المُدَلّسُ قَدْ عَاصَر المَرْوِي عنه، أو لَقيِه، ولم يَسْمَع منه، أو سَمِع منه ولم يَسْمَع منه ذلك الحَدِيثَ الّذِي دَلّسَه عنه، وقد حَدَّه أبو الحَسَن بن القَطَّان بأن يَرْوي عَمّن قَد سِمَع منه مَا لَم يَسْمَع منه من غير أن يَذْكُرَ أنّه سَمِعَه منه انتهى، وقد يكونُ التَّدْليِس بِغَيْر أدَاة قالَ على بن خَشْرَم: كُنَّا عند ابن عُيَيْنَة فَقَال: الزُّهْرِيُّ فَقِيل له: حَدَّثكم الزُّهْرِيُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: الزُّهْرِيّ فَقِيل له سَمِعْتَه من الزُّهْريّ؟ فَقَال؟ لا، لم أسْمَعْه من الزُّهْرِيّ، ولا مِمَّنْ سَمِعه من الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي عبد الرّزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ، وقد اختلف في أَهْل هذَا القِسْم، فَقِيل: يُرَدّ حَدِيثُهم مُطْلَقًا، سَوَاء أَثْبَتُوا السِّمَاع أَمْ لا، وإنَّ التَّدْليِس نفسه جَرْحٌ، قَالَه فرِيق من أهل الحَدِيث والفُقَهاء،والصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، فَإنْ صَرَّح بالاتّصال كَقَولِه: سمعتُ، وحَدَّثَنا، وأخبرنا فهو مَقْبُول يُحْتَجّ به، وإن أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ فَحُكْمُه حُكْم المُرْسَل، وإلى هذا ذهَبَ الأَكْثَرُون (¬١). والقِسْم الثَّانِي: تَدْلِيس الشُّيُوخ، وهَذَا أَمْرٌ خَفِيف، وهو أن يَصِف المُدَلّس شَيْخَه الَّذِي سَمع منه بما لا يُعرف به من اسم أو كُنْيَةٍ أو قَبِيلَةٍ أو صَنْعَةٍ أو نحو ذلك كَي يُوَعِّر الطَّرِيق إلى مَعْرِفة السَّامِع له، القِسْمُ الثَّالِث: تَدْليِس التَّسْوِية، وهو قَادِح في عَدَالَة الشَّخْصِ الفَاعِل له، وصُوْرَتُه: أن يَرْوِي المُدَلِّس حَدِيثًا عن شَيْخٍ ثِقَةٍ غَير مُدَلِّسٍ، وذلكَ الثِّقَة يَرْوِيه عن ضَعِيفٍ عن ثِقَة، فَيَأتِي المُدَلِّس الّذِي سمع الحَدِيث من الثِّقَة الأَوَل، فَيُسقط الضَّعِيف الّذِي في السَّنَد، ويَجْعَل الحَدِيث عن شَيْخِه الثِّقَة الثَّانِي بِلَفْظ مُحْتَمل، فيستوي الإسنادُ كُلّه ثِقَات (¬٢)، وقد اختَلَف في أهْل القِسْم الأَوّل، فَقِيل: يُرَدّ حَدِيثُهم مُطْلَقًا، سواء أثَبْتَوا السماع أم لَم يُثْبتُوا، وإنَّ هَذَا التَّدْلِيس جَرْح، حَكَاه ابن الصَّلاح عن فَرِيق من أَهْلِ الحَدِيث والفُقَهاء، والصَّحيح التَّفْصِيل، فإنْ صَرَّح بِالاتّصَال كَقَولِه: سمعتُ أو حَدَّثَنَا أو أخْبَرَنا فهو مَقْبُولٌ، وإن أتَى بلِفْظٍ مُحْتَمَل فَحُكْمُه حُكْمُ المُرْسَل (¬٣)، وإلى هَذَا ذَهَبالأكثَرُون (¬١)، ولم يَذكُر ابن الصَّلاح ذلك عن الأكثرين، ومِمَّن حَكَاه عن جمهور أئمة الحَدِيث والفِقْه والأُصُول شَيْخ شُيُوخِنا الحَافِظ صَلاحُ الدِّين العَلائيّ في كِتَاب المَرَاسِيل (¬٢)، وقد حَكَي الشَّيْخُ مُحْي الدِّين النَّوَوِيّ في شَرْح المُهَذَّب أَنَّ المُدَلّس إذا لم يُصَرّح بِالتَّحْديث لم يُقْبَل اتّفَاقًا (¬٣)، وقد حَكَاه البَيْهَقِي في المَدْخَل (¬٤) عن الشَّافِعِيّ وسَائر أهل العِلْم بِالحَدِيث، وحِكَايةُ الاتّفَاق هنا غَلَطٌ أو مَحْمُول على اتفَاقِ مَنْ لا يَحْتَجّ بِالمُرسَل، وأَمَّا تَدْلِيس الشُّيُوخ فلا يقدحُ، وقد قدمتُ أنّ أَمْرَه أَخَفّ، وقَدَّمْتُ أنّ تَدْلِيس التّسوية قَادِح، والله أَعْلَم، وقد في ذكرتُ مَنْ قيل فيه: إنّه مُدَلّس من الرِّجَال المَذْكُورِين في هَذَا المؤلّف في أمَاكِنِهم، وأفردتُّ مَنْ قِيل: إنّه مُدَلّس بمؤلَّف مُفْرَد (¬٥).