page 114, entry [48]Open original source
مَسْئَلَةٌ إذا اجتمع في الشَّخْص الوَاحِد تَجْرِيح وتَعْدِيل: وفي هذِه المَسْألة أَقْوَالٌ: أحَدُهَا: أنّ الجرح مُقَدَّم مُطْلَقًا، ولَو كَان المُعَدِّلُون أكَثَر، ونَقَله الخَطِيب البَغْدَادِيّ عن جَمْهُور العلماء (¬١)، وقَالَ أبو عَمْرو بن الصَّلاح إنّه الصَّحِيح (¬٢)، وكَذَا صَحَّحه الأُصُولِيُّون (¬٣)، لأنَّ مَعَ الجَارِحِ زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِع عليه المعَدّل.والقَوْلُ الثَّانِي: إنَّه إن كان عَدَدُ المُعَدِّلين أكثر قُدِّم، لأنّ الكَثْرة تُقَوِّي حَالَهم، وتُوجِب العَمَلَ بِخَبَرهِم، وقلَّة الجَارِحِين تَضْعف خبرهم، وخَطّأ الخَطِيب هَذَا (¬١). والقَوْلُ الِثَّالِث: إنّه يَتَعَارَض الجَرْحُ والتَّعْدِيل، فَلا تُرجح أحدهما إلّا بِمُرَجّح، حَكَاه ابن الحَاجِب (¬٢)، وَكَلام الخَطِيب يَقْتَضِي نَفْيَ هَذَا القَول الثَّالِث مَسْئلَة في التَّعْدِيل والتَّجْرِيح، هل يُقْبَلانِ أو أَحَدُهما من غَيْرِ ذكِر أَسْبَابِهما، أم لا يُقْبَلان إلّا مُفَسَّرَين، على أَرْبَعَة أقوالٍ: الأوَّلُ - وهو الصَّحِيح المَشْهُور -: التَّفْرِقَةُ بَيْن التَّعْدِيل والتَّجْرِيح، فَيُقْبَل التَّعْدِيل من غَيْر بَيَان أَسْبَابِه، لأنّ أَسْبَابَه كَثيرةٌ، فيثقل ويَشُقّ ذكِرُهَا، وأمّا الجَرْح فلا يُقْبل إلّا مُفَسَّرًا مُبَيّنَ السَّبَب، لأَنَّه يَحْصُل بأَمْرٍ واحِدٍ، فلا يَشُقّ ذكرُه، ولأنّ النَّاس مُختلِفون في أَسْبَاب الجَرْح (¬٣). والقَوْل الثَّانِي: عَكْسُ القَول الأوّل، أنّه يَجِب بَيَانُ سَبَب العَدَالة، وَلا يجب بيان سَبَب الجَرحِ، لأَنَّ أَسْبَاب العَدَالةِ يَكْثر التَّصَنّع فيها فَيُثْنِي المُعَدِّلُون على الظَّاهِر، حَكَاه صَاحِبُ المَحْصُول (¬٤) وغيره. القَوْلُ الثَّالِث: أنّه لابُدّ من ذِكْر سَبَب العَدَالَة والجَرْحِ مَعًا، حَكَاهُ الخَطِيب البَغْدَادِي، والأصُوليُّون قَالُوا: كما يُجَرَّح الجَارِح بِمَا لا يَقْدح، كذلك يُوَثّق المُعَدِّل بِمَا لا يَقْتَضِي العَدَالَة.والقَوْل الرَّابِع: عَكْسُه أنّه لا يَجِب ذكِر سَبَب وَاحِدٍ منهما، إدا كان المُعَدِّل والجَارِح عَالِمًا بَصيِرًا، وهو اختيارُ القَاضِي أبى بكر، ونَقَلَه عن الجَمْهُور (¬١).