page 1329, entry [1179]Open original source
سيدي محرز العابد رحمه الله تعالى وغفر له هو أبو محمد محرز بن خلف ابن أبي رزين التونسي، المعروف بالعابد. خاتمة صلحاء علماء إفريقية. روى عن أبي إسحاق الدينوري. وكتب الى الأبهري، ولا أدري لقيه أم لا. روى عنه حاتم، وكان متقشفًا فاضلًا، زاهدًا في الدنيا، مجانبًا لأهلها، مستجاب الدعوة. ذكر أن أهل تونس لما قتلوا الروافض، القتلة المعلومة، وحدثوا أن محرزًا شيخهم حملهم عليه، وطهر الأرض منهم، ورفعت القصة الى باديس أمير إفريقية، حنق على التونسيين، وعزم على القصد لهم، وقال: تكون الأرض، ولا تكون تونس. فبلغ الخبر أهل تونس، فجزعوا له. وفزعوا الى شيخهممحرز، وأخبروه ما بلغهم بأنفسهم، وقال لهم: بل تكون الأرض ولا باديس، فأخذ في الدعاء عليه. فأخذ باديس ذبحة أتت عليه، وأراح الله تعالى منه. حكى بعضهم أنه كان آخر ليله ونهاره، إنما صلاته النافلة. يصلي ركعتين ثم يجلس، يتفكر ساعة أو ساعتين، ثم يقوم فيركع ركعتين ثم يجلس يتفكر، يفعل ذلك عامة ليله ونهاره، وكان بتونس، صقليّ أمر الناس ألا يكبّروا على الميت، إلا خمس تكبيرات. فقال له المشارقة: أبو كسية يكبّر أربعًا، ولا يؤذن حيّ على خير العمل، ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ولا يسلم تسليمتين، ولا يؤذن الصلاة خير من النوم. فأرسل وراءه، فدخل عليه محرز، وحول الصقلي المشارقة. فلم يسلّم، فقال له الصقلي: السلطان يأمر بكذا. وأنت لا تفعل أمر السلطان، إحذر من السيف. فقال له: الصراط أحدّ من السيف، ومن السلطان وأمره؟ ثم انصرف. فبهت الصقلي، ولم يتكلم بكلمة. وغشي عليه، فلما أفاق من غشيته، قال: تقولون أبو كسية؟ لما أشار بيده إليّ حسبت كأن من ضربني برمح في القلب، فغشي عليّ. ودخل عليه كاتب ابن أبي العرب. فقال: أحب أن توصيني بوصية، الى عبد الله ابن أبي العرب. فقال له: ولابد. قال: نعم، إذا وصلت إليه، فقل له: يقول لك المؤدب إقرأ سورة ابراهيم. فإذا فرغت منها كررها ثلاث مرات، يريد تنبيهه على قوله تعالى: ولا تحسبنّ الله غافلًا عما يعمل الظالمون الآية. كتب الى الأبهري، أبي بكر، يسأله عما يأخذ بنو عبيد من الزكاة. فأجاب بأنها لا تجزئ. وكذلك الجبنياني، والقابسي. لأنهم يقرون بالزكاة المفروضة، وإنما يأخذونها على أنها جزية. وهم على غيرالإسلام. وقال ابن أبي زيد وابن اللباد: إنها تجزئ، لأنا إن قلنا لا تجزئ، لم يؤدوا شيئًا. فلأن يؤدوا بتأويل، خير من تركها عامدين. قال أبو محمد: وكنت أستحب ذلك، إذ كانوا يشحون بيت المال. وقد أعطوا ذلك اليهود والنصارى وأنفقوها في الخمور، وحالوا بينها وبين أهلها. فلا تجزئ ويكون ما أخذوا منها، كمالٍ غصبه الغاصب، وعلى أهل الأموال إخراج زكاة ما بقي، كان فيه ما فيه الزكاة. قال: جُعِلت على بعض طلبة المؤدب محرز دراهم، جورًا وظلمًا. فأتى المؤدب فأخبره. فقال: لا خلاص لي من هذا، إلا بالله، ثم بك. فإن امتنعت خاصمتك غدًا بين يدي الله تعالى. فقال الشيخ عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. ما تريد يا أخي؟ قال: كتابًا الى باديس، يصرف عني ما أنا فيه. فقال: تكلفني مشقة. فقال: لابد. فقال الشيخ: الله المستعان. وأخذ قرطاسًا وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حقق الله الحق في قلوب العارفين من عباده، ونقل المذنبين الى ما افترض عليهم من طاعته. أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي. وهذا من البلاء. وأنا أسأل الله أن يتغمدني برحمة منه، وفضل. وربما جاء المضطر يسأل الحاجة. فإن تأخرت، خفت، وإن سارعت، فهذا أشرّ. وقد كتبت إليك في مسألة رجل من الطلبة، طولب بدراهم ظلمًا، ولا شيء له. وحامل رقعتي يشرح لك ما جرى، فعامل فيه مما لابد من لقائه، واستح ممن هو وحده. وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء. فإنهم إنما يريدون دراهمك ويقرّبون من النار لحمك ودمك. فاحفظ، تحفظ واتق الله، فإن من يتق الله يجعل له من أمره يسرا. ومن يتق الله يجعل له مخرجا. واستعن بالله، فإنه من يتوكل على الله، فهو حسبه. الآية. واستكثر من الزّاد، فقد دنا الرحيل. والسلام. فتلقى الطالببكتابه، ولد المنصور. فقال له كاتبه - ابن أبي العرب - ما تريد؟ فأعلمه. فقال: هات الكتاب. فقال الطالب: إنما أريد وضعه في يد باديس. فأخذه باديس، وقبّله. وقال: هذا كتاب صديق الله. وأم الكاتب أن يكتب سجلًا، لجميع الطلبة بالحفظ، والرعاية. وأن يصرف عن جميع طلبة الشيخ ما تسبب إليهم، من المظالم.