page 1286, entry [1114]Open original source
محنته ومهلكه رحمه الله تعالى كان ابن وافد أحد الأشداء على البرابرة، وخليفتهم المستعين سليمان، وأكثر الناس نفارًا منهم، ومن البيعة لصاحبهم. والصلح معهم على خلع هشام المؤيد خليفة قرطبة. وقد حصلت قرطبة من ذلك في محنة، وشد البرابرة عليها قتالهم من كل جهة، وخربوا أفاءها وقطعوا مرافقها حتى رضي الناس بالدخول تحت طاعتهم وخلع هشام ومصالحتهم على ذلك وتقديم صاحبهم. وكان أبناء ذكوان ممن يرغب في ذلك في طائفة من الفقهاء والجلة، منهم ابن حوبيل، وابن الشقاق، وابن دحون. وكان ابن وافد شديد النفار والإبانة عن ذلك. مغريًا بهم العامة محرضًا عليهم صلحهم والإنابة إليهم، معه على رأيه ابن الفخار في جماعة. فلما تغلب البربر على قرطبة، وتم الصلح وخلع هشام، وهم أحنق الناس على ابن وافد فاستخفى واشتد الطلب فيه فعثر عليه عند امرأة، فحمل راجلًا مكشوف الرأس مهانًا يقاد بعمامته في عنقه، والمنادي ينادي عليه: هذا قاضي النصارى، مسبب الفتنة وقائد الضلالة. وهو يقول: كذبت بفيك الحجر بل والله ولي المؤمنين، وعدو المارقين. أنتم والله شر مكانًا، والله أعلم بما تصفون، والناس تتقطع قلوبهم لما نزل به. فلقيه في هذه الحال بعض أعدائه فقال: كيف رأيت صنعالله بك؟ فقال: ما أتاهم قضاؤه كان ذلك في الكتاب مسطورًا. ولقيه بعض أصحابه فقال: ترى أن أبلغ أمرك أبا العباس ابن ذكوان، فإنه مقبول القول عند البرابرة؟ فقال لا حاجة لي في ذلك. فأدخل على المستعين سليمان بن الحكم في ذلك الوقت. فأكثر توبيخه وأغرته به البرابرة فأمر بصلبه، وشرع في ذلك فاضطرب البلد له، ووردت عليه شفاعة أبيه الحكم، وشفاعات ابن ذكوان وابن حوبيل، وجماعة من الفقهاء والصالحين، الذين لا يرى ردهم يرغبون إليه في شأنه ويقبّحون إليه ما أمر به فيه، فرفع عنه الصلب والمثلة، وأمر بضمه الى المطبق وتثقيفه، فكان شديد الصبر في محبسه كثير التبسم والحديث متعاهدًا لصلاح نفسه وجسمه من الاغتسال والاستياك والاستحداد حتى عذله بعض من جمعته وإياه المحنة في ذلك المكان على فعله، فقال له: وما لي لا أتهيأ للقدوم على ما لابد لي منه واصل الراحة؟ والله إني لا أرجو غاديًا أو رائحًا. وسواكي طواي وجسمي نقي. أو نحو هذا. وكان السلطان يجري وظيفته على من فيه. وكان ابن وافد لا يأكلها معهم. ولم يبعد ﵀ أن اعتل في مجلسه فمات. فتكلم الناس أن حيلة وقعت عليه، فالله أعلم. فأخرج ميتًا في نعش منتصف ذي الحجة سنة أربع وأربعماية. فوضعه الأعوان بالميضآت موضع غسل المحاويج، فاحتمله قوم الى دار صهره ابن الأعرش الفقيه فسد الباب في وجه النعش تقية. وسمع الزاهد حماد بن عمار بالقصة، فبادره وصار بنعشه الى منزله فقام بأمره. وكان من عجيب الاتفاق أن ابن وافد كان أودع عند هذا الصالح كفنه وحنوطه وقارورة من ماء زمزم لجهازه. فتم مراده. وعدتمن كراماته. وجاء بنعشه فصلى عليه في طائفة من العامة عند باب الجامع ثم ساروا به فواروه. وامتنع من يعرف ممن شهد الجامع من الصلاة تقيه. وكانت مدة عمله للقضاء في الكرتين والمصرتين عشرين شهرًا.